سياسة
مع اقتراب الانتخابات.. هل يتحول القضاء إلى أداة صراع سياسي؟
مع اقتراب موعد الانتخابات، تعود نقاشات حول دور القضاء في الحياة السياسية إلى الواجهة، خصوصًا ما يتعلق بالوشايات الانتخابية التي تتلقاها النيابات العامة.
ففي ظل المنافسة الشديدة بين الأحزاب والمرشحين، يصبح القضاء غير بعيدٍ عن التوترات السياسية، إذ يمكن أن تتحول بعض الشكايات إلى أدوات ضغط أو مناورات انتخابية، ما يطرح إشكالية دقيقة حول حدود الحق القانوني وسوء الاستعمال السياسي لهذه الآلية.
الوشايات الانتخابية، في جوهرها، تمثل حقًّا دستوريًّا وقانونيًّا لكل مواطن أو حزب، يضمن إمكانية الإبلاغ عن أي مخالفة انتخابية أو تزوير أو خرق للقانون.
هذا الحق، إذا ما استُعمل بشكل موضوعي، سيُسهم في تعزيز نزاهة الانتخابات وحماية المسار الديمقراطي. غير أنَّ الواقع السياسي في كثير من المناسبات يُظهر أن بعض هذه الوشايات تُقدَّم بدوافع انتهازية، تستهدف خصمًا سياسيًّا أو تحاول تشويه صورته أمام الرأي العام، ما يحوّل القضاء إلى ساحة صراع غير معلن بين الفرقاء السياسيين.
مصادر قضائية أكَّدت أن النيابات العامة تتلقّى في كلّ استحقاق انتخابي عددًا متزايدًا من الشكايات، بعضها يُثبت بسرعة وفق الإجراءات القانونية، بينما يبقى جزءٌ كبيرٌ منها محل دراسة دقيقة لتحديد مدى جدية الادّعاء. وتضيف المصادر أن التفريق بين الوشاية الموضوعية والوشاية ذات الدوافع السياسية أصبح أمرًا مُعقّدًا، خصوصا في ظل الحملات الإعلامية المُكثّفة والتصعيد الحزبي الذي يسبق موعد الاقتراع.
هذا الوضع يضع القضاء أمام تحدٍّ مزدوجٍ: من جهة، ضرورة احترام القانون وحماية الحق في تقديم الشكايات دون تمييز، ومن جهة أخرى، الحذر من استغلال هذا الحق لأغراض سياسية بحتة. فكل تدخل قضائي يُفهم على أنه منحاز أو متأثر بالضغوط السياسية قد ينعكس سلبًا على مصداقية المؤسسات القضائية ويثير موجة من الشكوك في نزاهة العملية الانتخابية بأكملها.
ويؤكد خبراء في القانون الدستوري، أنَّ معالجة هذه الإشكالية تتطلَّب ضبطَ آليات واضحة للفرز بين الشكايات المشروعة وتلك التي تُقدَّم لأغراض سياسية. كما يشددون على أهمية تعزيز الشفافية في التعامل مع الشكايات، وضمان سرعة البت فيها وفق الأطر القانونية، لتفادي أي استغلال أو تشويه للرأي العام. ويشيرون إلى أن القضاء الجاد المستقل، الذي يلتزم بالحياد والموضوعية، يبقى خطّ الدفاع الأول ضد أي محاولة لاستعمال المؤسسات القضائية كأداة سياسية.
في المقابل، يرى بعض المحللين أنَّ الضغط السياسي والانتقائي في تقديم الشكايات أمر يصعب تلافيه كليًّا، خصوصًا في سياق الانتخابات، إذ يُعدُّ التنافس الحاد بين الأحزاب بيئة خصبة لاستغلال أي وسيلة قانونية أو شبه قانونية لتعزيز المكاسب الانتخابية. ويضيف هؤلاء، أن الحل يكمن في رفع الوعي لدى الفاعلين السياسيين بخصوص خطورة استغلال القضاء، وكذلك في تعزيز القدرات المؤسساتية للقضاء لمواجهة مثل هذه الممارسات دون الانزلاق في الانحياز أو التردد.
ومع دخول الانتخابات مرحلة ساخنة، تبقى معادلة حماية الحق القانوني من جهة، ومنع سوء الاستعمال السياسي من جهة أخرى، إحدى أبرز التحديات التي تواجه القضاء المغربي. فالنجاح في ضبط هذه المعادلة لا يضمن فقط نزاهة العملية الانتخابية، بل يُعزّز أيضا ثقة المواطن في المؤسَّسات ويُؤكّد أن العدالة يمكن أن تكون فعلًا صمام أمان ضد التوترات السياسية، لا طرفًا فيها.


