آخر الأخبار
طنجة تحت ظلال السيوف.. هل أصبحت المدينة تحت رحمة حاملي الأسلحة البيضاء؟
جرائم تتزايد ومخاوف تتفاقم وسط عجز السلطات الأمنية عن السيطرة على الظاهرة
لم يكن مشهد اثنين من القاصرين، اللذين كانا يحملان سيوفًا ويخرّبان كاميرات المراقبة وعدادات الكهرباء في منزل بحي « بنكيران» إلى صورة أخرى من صور «السيبة» التي أضحت تعيشها عدد من المناطق في مدينة طنجة، جراء انتشار ظاهرة حمل الأسلحة البيضاء، التي تحول أصحابها إلى «طغاة» حقيقيين.
ولا تقتصر الإشكالية المرتبطة بالأسلحة البيضاء في طنجة على الحوادث المعزولة، التي تصل إلى وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، بل ترتبط “وفق شهادات متطابقة لعدد من السكان والفاعلين المحليين” بظاهرة أوسع تتمثّل في انتشار مجموعات من الشبان والمراهقين المنحرفين داخل عدد من الأحياء الشعبية، حيث أصبح حمل السلاح الأبيض «بالنسبة لبعضهم» جزءًا من السلوك اليومي ووسيلة لفرض النفوذ أو تسوية الخلافات أو ارتكاب أفعال إجرامية مختلفة.
*ظــاهـــرة تـتــــفـــاقــــم
وتشير الوقائع التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة إلى أن الأسلحة البيضاء أصبحت حاضرة في عدد من الجرائم التي تتراوح بين السرقة المقرونة بالتهديد والعنف الجسدي والاعتداءات المتبادلة بين العصابات أو المجموعات المتنازعة، وصولًا في بعض الحالات إلى جرائم خطيرة تُخلّف إصابات بليغة أو تنتهي بفقدان أرواح بشرية. كما أن سهولة اقتناء هذه الأدوات وصعوبة مراقبة تداولها تجعل من انتشارها تحديًّا متواصلًا بالنسبة للسلطات الأمنية والقضائية.
ويقول عدد من سكان بعض الأحياء الشعبية، إنّهم أصبحوا يواجهون “بشكل شبه يومي” مظاهرَ مرتبطة بحمل شبان صغار السن أسلحة بيضاء، خصوصا خلال الفترات المسائية والليلية، حيث تتحوّل بعض الأزقة والساحات العمومية إلى فضاءات للتجمّعات المشبوهة أو لتصفية الحسابات بين مجموعات متنافسة، ويرى هؤلاء أن الإحساس بالأمن يتراجع أحيانًا عندما يصبح المرور في بعض الأماكن ليلًا محفوفًا بالخوف من التعرُّض للسرقة أو التهديد أو الاستفزاز.
كما ترتبط هذه الظاهرة، بحسب عددٍ من المتابعين، بمظاهر أخرى من الانحراف الاجتماعي، من بينها الاتجار غير المشروع بالمخدرات واستهلاكها في الفضاءات العامة، فضلًا عن أعمال الشغب والعربدة وإزعاج السكان، وفي بعض الحالات، يتحدث مواطنون عن تعرضهم للتهديد أو التخويف عندما يحاولون الاحتجاج على هذه السلوكيات أو التبليغ عنها، مما يخلق حالةً من التردد لدى بعض الضحايا أو الشهود في اللجوء إلى المساطر القانونية؛ خوفًا من الانتقام أو المضايقات.
ورغم الحملات الأمنية المتكررة “التي تشهدها المدينة بين الفينة والأخرى، وما تسفر عنه من توقيفات وحجز لأسلحة بيضاء وإحالة عشرات المشتبه فيهم على القضاء” فإنّ جزءًا من الرأي العام المحلي يرى أنَّ الظاهرة لا تزال حاضرة بقوة في عدد من المناطق، وبالتالي فإن المؤسسة الأمنية عجزت عن التعامل معها بشكل فعال، ويستند هذا الرأي إلى تكرار الأخبار المتعلقة بالاعتداءات المسلحة وتداول مقاطع الفيديو، التي توثق مشاهد العنف بين الحين والآخر، ما يُرسّخ شعورًا بأن المشكلة ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود والمعالجات.
ويطالب عدد من المواطنين بتعزيز الحضور الأمني في بعض الأحياء، التي تشهد شكاوى متكررة، خاصة خلال ساعات الليل، من خلال تكثيف الدوريات الراجلة والمتحركة والرفع من وتيرة التدخلات الاستباقية، ويرى هؤلاء أن الوجود الأمني المنتظم يشكل عاملًا رادعًا، من شأنه، الحد من تحركات المنحرفين وتقليص فرص وقوع الاعتداءات أو أعمال السرقة والتهديد.
وفي المقابل، يؤكد متابعون، أنَّ المقاربة الأمنية “على أهميتها” تبقى غير كافية وحدها لمعالجة الظاهرة بشكل جذري، إذ ترتبط هذه الأخيرة بعوامل اجتماعية واقتصادية وتربوية مُعقّدة، من بينها الهدر المدرسي والبطالة وتعاطي المخدرات وضعف التأطير الأسري في بعض الحالات، ولذلك فإنّ مواجهة انتشار الأسلحة البيضاء وسط فئات من الشباب تقتضي “وفق هذا الطرح” الجمع بين الصرامة في تطبيق القانون والسياسات الوقائية الرامية إلى حماية الفئات الهشّة من الانزلاق نحو مسارات الانحراف والجريمة.
*جــرائــم لا حــصـر لــــها
وبالعودة إلى الأشهر الستة الأخيرة فقط، نجد أن مدينة طنجة شهدت سلسلةً من الوقائع الإجرامية المرتبطة باستعمال الأسلحة البيضاء، وهي حوادث مختلفة من حيث طبيعتها وسياقاتها، لكنها تلتقي جميعُها عند عنصر مشترك، يتمثّل في اللجوء إلى أدواتٍ حادة أو أسلحة بيضاء في ارتكاب أفعال تُهدّد سلامة الأشخاص والأمن العام، وقد أعادت هذه الوقائع إلى الواجهة النقاش عن تنامي مظاهر العنف الحضري بالمدينة، ومدى تأثير انتشار الأسلحة البيضاء على الإحساس بالأمن لدى المواطنين.
ومن بين أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام المحلي تلك التي سُجّلت خلال شهر دجنبر 2025، عندما تدخلت مصالح الأمن بمدينة طنجة لتوقيف شخص يبلغ من العمر 45 سنة ومن ذوي السوابق القضائية، بعدما ظهر في تسجيل مصور متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يحمل سلاحًا أبيضَ في ظروف اعتبرت خطيرة على الأشخاص والممتلكات، وأظهر التسجيل المعني بالأمر وهو يُوجّه تهديدات لرجال السلطة على خلفية تدخلاتهم المتعلقة بمراقبة مخالفات التعمير، مما استدعى فتح بحث عاجل من طرف المصالح المختصة.
وأسفرت التحريات المنجزة في هذه القضية عن تحديد هُوية المشتبه فيه وتوقيفه في وقت وجيز، فيما كشفت عملية الضبط والتفتيش عن حيازته مجموعةً من الأدوات والمعدات التي أثارت انتباه المُحقّقين، من بينها عدة أسلحة بيضاء ومجسم يشبه قذيفة وذخيرة خاصة بأسلحة الصيد، إضافة إلى جهاز للاتصال اللاسلكي وعبوات غاز مسيل للدموع. وقد وُضع المعني بالأمر رهن تدبير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في إطار البحث الرامي إلى الكشف عن جميع ملابسات القضية ودوافعها.
*حتى في محيط المدارس
وخلال شهر مارس 2026، برزت قضية أخرى أثارت تفاعلًا واسعًا بسبب وقوعها بالقرب من مؤسسة تعليمية، حيث اندلع شجار عنيف بين ثلاثة شبان استعملت خلاله أسلحة بيضاء، وانتشرت مقاطع مصورة للحادث على منصات التواصل الاجتماعي، ما أسهم في تسليط الضوء على خطورة مثل هذه السلوكيات، خاصة عندما تقع في محيط فضاءات يرتادها التلاميذ والشباب.
وحسب المعطيات المتوفرة “آنذاك” فقد نشب الخلاف بين الأطراف المعنية بشكل عرضي قبل أن يتطور إلى تبادل للعنف والتهديد باستعمال الأسلحة البيضاء، وتدخلت عناصر الشرطة بسرعة وأوقفت شابين يبلغان من العمر 18 و20 سنة بالمكان نفسه. كما حُجز سلاحان أبيضان استُعملا خلال الواقعة، وأحيل الموقوفان على العدالة بعد استكمال إجراءات البحث، بينما تواصلت التحرّيات لتوقيف المشتبه فيه الثالث الذي جرى تحديد هويته.
غير أن هذه الواقعة تبرز باعتبارها من بين الوقائع التي أثارت قلقًا واسعًا، ذلك أن مسرحها كان في محيط مؤسسة تعليمية، ما يمنح هذه القضية أهمية خاصة، إذ لم تعد مخاطر حمل الأسلحة البيضاء مقتصرة على بعض الأحياء أو الفضاءات العامة، بل امتدّت إلى محيط المدارس التي يفترض أن تشكل فضاءات آمنة للتعلم والتنشئة، كما أن توثيق الواقعة عبر شريط فيديو جرى تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسهم في إثارة نقاش حول تنامي مظاهر العنف بين فئة من الشباب وتراجع منسوب الإحساس بالأمان في محيط المدارس والثانويات.
وتشير المعطيات المرتبطة بهذه القضية إلى أن الخلاف الذي جمع الأطراف المتورطة لم يكن في بدايته سوى نزاع عابر، غير أنّه سرعان ما تطور إلى تبادل للعنف والتهديد باستعمال أسلحة بيضاء، في مشهد يعكس سهولة اللجوء إلى هذه الأدوات في تسوية الخلافات اليومية، كما يسلط الضوء على خطورة انتشار ثقافة العنف بين بعض الشباب، خصوصا عندما تقع مثل هذه الأحداث بالقرب من مؤسسات يرتادها التلاميذ بشكل يومي.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن تكرار مثل هذه الحوادث يطرح تحديات إضافية تتجاوز الجانب الأمني الصرف، لتشمل الأبعاد التربوية والاجتماعية المرتبطة بحماية المحيط المدرسي من مختلف مظاهر الانحراف والعنف، فوجود أسلحة بيضاء في محيط المؤسسات التعليمية لا يهدد فقط المتورطين بشكل مباشر، بل ينعكس أيضا على شعور التلاميذ والأطر التربوية بالأمن، ويغذي المخاوف من انتقال مظاهر العنف إلى فضاءات يفترض أن تكون بعيدة عن مثل هذه السلوكيات.
وتعكس هذه القضية جانبًا من التحولات التي تعرفها بعض مظاهر العنف بين الشباب، حيث أصبحت النزاعات البسيطة أو الخلافات الظرفية تتحوّل أحيانًا إلى مواجهات خطيرة باستعمال أدوات حادة، مما يرفع من احتمالات وقوع إصابات جسدية بليغة ويزيد من حجم التهديد الذي تمثله هذه السلوكيات على السلامة العامة.
*تهديدات حتى للأمن
وفي الشهر نفسه، سجلت مدينة طنجة حادثة أخرى أكثر خطورة استدعت استعمال السلاح الوظيفي من طرف أحد عناصر الشرطة خلال تدخل أمني بحي مسنانة. وتشير المعطيات المرتبطة بهذه الواقعة إلى أن شرطيًّا من فرقة محاربة العصابات اضطر إلى إطلاق النار في أثناء محاولة توقيف شخصين يشتبه في تورطهما في أعمال إجرامية مرتبطة باعتراض سبيل المواطنين باستعمال أسلحة بيضاء.
ووفق المعلومات التي تم تداولها عقب الحادث، فإنَّ المشتبه فيهما، البالغين من العمر 22 و26 سنة، كانا من أصحاب السوابق العدلية، ويُشتبه بتورطهما في عمليات سرقة بالعنف باستعمال أسلحة بيضاء، وقد تطور التدخل الأمني إلى استعمال السلاح الوظيفي بعدما واجه الشرطي تهديدًا مباشرًا في أثناء محاولة توقيفهما، حيث قيل إن أحدهما حاول الاعتداء عليه بواسطة سيف، ما دفعه إلى إطلاق عيارات نارية بهدف تحييد الخطر.
وأسفر هذا التدخل عن إصابة المشتبه فيه الأول على مستوى الركبة، فيما تعرَّض الثاني لإصابات خارجية، قبل نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية. كما فُتح تحقيق قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة لتحديد جميع ظروف وملابسات الواقعة.
وتبرز هذه القضية طبيعة التحديات التي تواجهها المصالح الأمنية في التعامل مع بعض الأفعال الإجرامية التي تتسم بالعنف والخطورة، خاصة عندما يكون المتدخلون الأمنيون أنفسهم عرضة لتهديد مباشر بواسطة أسلحة بيضاء.
وفي أواخر شهر أبريل 2026، شهد حي بنكيران بمدينة طنجة واقعة جديدة تتعلق بالعنف باستعمال السلاح الأبيض، بعدما تعرَّض شاب لاعتداء جسدي خطير تسبب له في إصابات بليغة على مستوى الوجه، وقد استنفرت الحادثة مختلف المصالح الأمنية التي باشرت تحرياتها فور وقوعها.
وأفضت الأبحاث الميدانية المنجزة في هذا الملف إلى تحديد هُوية المشتبه فيهم وتوقيف ثلاثة أشخاص من ذوي السوابق العدلية خلال فترة زمنية قصيرة. كما مكنت عمليات التفتيش من حجز مجموعة من الأسلحة البيضاء، من بينها أداة حادة يُشتبه في استعمالها في أثناء تنفيذ الاعتداء، إضافة إلى كمية من المواد المخدرة التي كانت بحوزة الموقوفين.
ونُقل الضحية إلى المستشفى لتلقي العلاجات اللازمة، في حين أُخضع الموقوفون لتدبير الحراسة النظرية من أجل تعميق البحث والكشف عن مختلف الدوافع والخلفيات المرتبطة بالواقعة، وتُعدُّ هذه القضية مثالًا آخر على المخاطر التي تطرحها حيازة الأسلحة البيضاء واستعمالها في النزاعات اليومية، خصوصًا عندما يؤدي ذلك إلى إصابات قد تترك آثارًا جسدية ونفسية دائمة على الضحايا.
وتكشف قراءة هذه الوقائع مجتمعة عن تنوع أشكال الجرائم المرتبطة بالأسلحة البيضاء بمدينة طنجة، فبعض القضايا ارتبطت بتهديد موظفين عموميين ورجال سلطة في أثناء أداء مهامّهم، فيما ارتبطت أخرى بنزاعات بين شبان، أو باعتداءات جسدية مباشرة، أو بأفعال إجرامية استهدفت المواطنين في الفضاء العام، كما أنَّ الفئات العمرية المتورطة في هذه القضايا تتراوح بين الشباب في مقتبل العمر وأشخاص أكبر سنًا، مما يعكس أن الظاهرة لا ترتبط بفئة واحدة بعينها.
كما تبين هذه الوقائع أن عددًا من المتورطين كانوا من ذوي السوابق القضائية أو العدلية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول عوامل العود إلى الجريمة ومدى ارتباط بعض أشكال العنف الحضري بمسارات إجرامية سابقة. وفي المقابل، تظهر هذه القضايا أيضًا سرعة تفاعل المصالح الأمنية مع الحوادث المسجلة، سواء من خلال التدخل الميداني المباشر أو عبر تتبع المحتويات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي والاستناد إليها في تحديد هوية المشتبه فيهم وتوقيفهم.
ومن اللافت كذلك أن عددًا من هذه الوقائع اكتسبت انتشارًا واسعًا بسبب تداول تسجيلات مصورة على المنصات الرقمية، مما جعل الرأي العام يطلع مباشرةً على بعض مظاهر العنف التي كانت في السابق تبقى محصورة في نطاق محدود.
وقد أسهم هذا العامل في تعزيز النقاش العمومي حول ظاهرة الأسلحة البيضاء وسبل الحد منها، سواء عبر المقاربات الأمنية أو من خلال معالجة العوامل الاجتماعية والتربوية التي قد تُسهم في تفاقمها، وهي ظاهرة أصبحت الصور والفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تُؤكّد أنَّها تنتشر بسرعة وبشكل خطيرة في مختلف أحياء المدينة.
ورغم اختلاف السياقات التي وقعت فيها هذه الحوادث، فإنها تبرز جميعها خطورة اللجوء إلى الأسلحة البيضاء في تدبير الخلافات أو ارتكاب الأفعال الإجرامية، لما يترتّب عن ذلك من تهديد مباشر لسلامة الأفراد وإمكانية وقوع إصابات خطيرة.
كما تؤكد أن هذه الظاهرة تظلّ من بين التحديات الأمنية والاجتماعية التي تتطلب يقظة مستمرة وتنسيقًا بين مختلف المتدخلين من أجل الحد من آثارها وتعزيز الشعور بالأمن داخل الفضاءات العامة والأحياء السكنية بمدينة طنجة.
وفي انتظار تحقيق نتائج أكثر استدامة، يظل موضوع الأسلحة البيضاء واحدًا من أكثر القضايا التي تثير انشغال سكان طنجة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالأمن اليومي للمواطنين داخل الأحياء السكنية والفضاءات العمومية، وما يرافقه من مخاوف متزايدة بشأن سلامة الأشخاص والممتلكات.


