تواصل معنا

آخر الأخبار

بعد 9 أشـهـر مـن إطــلاقــها.. هل أصبحت جهة طنجة تطوان الحسيمة حقلًا للتجارب الفــاشـلــة لورش المجموعات الصحية الترابية؟

خصاص‭ ‬بشري‭ ‬ومالي‭ ‬ونقص‭ ‬لوجيستي‭ ‬وبيروقراطية‭ ‬مزمنة‭.. ‬

عـجـز‭ ‬في‭ ‬انـتقـاء‭ ‬مديري‭ ‬المستشفيات..

في‭ ‬منتصف‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي،‭ ‬كشفت‭ ‬نتائج‭ ‬عملية‭ ‬الانتقاء‭ ‬لشغل‭ ‬مناصب‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمجموعة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬لجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة،‭ ‬حيث‭ ‬انتهت‭ ‬المسطرة‭ ‬إلى‭ ‬تعيين‭ ‬مسؤولة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬إخفاق‭ ‬جماعي‭ ‬في‭ ‬ملء‭ ‬أربعة‭ ‬مناصب‭ ‬استراتيجيَّة،‭ ‬تتعلّق‭ ‬بإدارة‭ ‬مستشفيات‭ ‬جامعيَّة‭ ‬كبرى،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬علامة‭ ‬استفهام‭ ‬عن‭ ‬جاذبيَّة‭ ‬هذه‭ ‬المناصب؟‭ ‬وشروط‭ ‬الولوج‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إصلاح‭ ‬صحي‭ ‬طموح‭ ‬يعول‭ ‬عليه‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المنظومة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الجهوي؟

المثير‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬تمت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تنزيل‭ ‬مشروع‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬بعدما‭ ‬قرَّرت‭ ‬الحكومة‭ ‬جعل‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬هي‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاقته‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬يوليوز‭ ‬2025،‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الغضب‭ ‬المتزايد‭ ‬الذي‭ ‬تحوَّل‭ ‬بعدها‭ ‬بأسابيع‭ ‬إلى‭ ‬احتجاجات‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬متصاعدة‭ ‬بالمغرب؛‭ ‬جراء‭ ‬تردّي‭ ‬خِدْمات‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬لكنَّ‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بعد‭ ‬9‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬انطلاقها،‭ ‬تجد‭ ‬دفاعًا‭ ‬مستميتًا‭ ‬من‭ ‬الوزارة‭ ‬الوصيَّة،‭ ‬مقابل‭ ‬انتقادات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أوساط‭ ‬مهنيَّة‭ ‬وجمعويَّة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

*فشل‭ ‬في‭ ‬انتقاء‭ ‬المسؤولين

وبحسب‭ ‬الإعلان‭ ‬الرسمي‭ ‬الصادر‭ ‬بتاريخ‭ ‬15‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬عن‭ ‬المديريَّة‭ ‬العامة‭ ‬للمجموعة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬فقد‭ ‬حُسم‭ ‬منصب‭ ‬واحد‭ ‬يتعلق‭ ‬بمديريَّة‭ ‬نظم‭ ‬المعلومات،‭ ‬إذ‭ ‬جرى‭ ‬انتقاء‭ ‬رجاء‭ ‬طعاط‭ ‬لتولي‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإدارة‭ ‬المركزيَّة‭ ‬للمجموعة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬البنيَّة‭ ‬الرقميَّة‭ ‬وتحديث‭ ‬آليات‭ ‬التدبير‭ ‬المعلوماتي‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬الناشئة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬المحدود‭ ‬يقابله‭ ‬فراغ‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القيادة‭ ‬الميدانيَّة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الاستشفائيَّة‭ ‬الجامعيَّة،‭ ‬التي‭ ‬تُشكّل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للعرض‭ ‬الصحي‭ ‬المتخصص‭ ‬بالجهة‭.‬

ففي‭ ‬مقابل‭ ‬تعيين‭ ‬واحد،‭ ‬لم‭ ‬يُنْتقَ‭ ‬أيُّ‭ ‬مترشح‭ ‬لشغل‭ ‬مناصب‭ ‬مديري‭ ‬أربعة‭ ‬مستشفيات‭ ‬جامعيَّة‭ ‬بطنجة،‭ ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمستشفى‭ ‬الجامعي‭ ‬العام‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬ومستشفى‭ ‬الأم‭ ‬والطفل‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬والمستشفى‭ ‬الجامعي‭ ‬للأمراض‭ ‬العقلية‭ ‬والنفسيَّة‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬زايد‭ ‬آل‭ ‬نهيان‭ ‬للأنكولوجيا‭. ‬وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسميَّة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المناصب‭ ‬لم‭ ‬يتقدم‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬مترشح‭ ‬من‭ ‬الأساس،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬المرشحون‭ ‬الذين‭ ‬تقدموا‭ ‬لباقي‭ ‬المناصب‭ ‬من‭ ‬اجتياز‭ ‬مسطرة‭ ‬الانتقاء‭ ‬بنجاح،‭ ‬ما‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬فشل‭ ‬العملية‭ ‬برمتها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬إشكال‭ ‬مركب‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬نتائج‭ ‬ظرفيَّة‭ ‬لعملية‭ ‬توظيف،‭ ‬ليطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬أعمق‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬النموذج‭ ‬الجديد‭ ‬للمجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬مؤسسات‭ ‬استشفائيَّة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬جامعي،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬دقيقة‭ ‬تتّسم‭ ‬بتعقيد‭ ‬الرهانات‭ ‬وتداخل‭ ‬الأبعاد‭ ‬التدبيريَّة‭ ‬والعلميَّة‭ ‬والبحثيَّة،‭ ‬فهذه‭ ‬المستشفيات‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬فقط‭ ‬وظيفة‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬العلاجيَّة‮»‬‭ ‬بل‭ ‬تضطلع‭ ‬أيضًا‭ ‬بأدوار‭ ‬أساسيَّة‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬الطبي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مناصب‭ ‬إدارتها‭ ‬تتطلَّب‭ ‬خبرات‭ ‬عالية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬الطبيَّة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التدبير‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

ويرى‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الصحي‭ ‬أن‭ ‬محدودية‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المناصب‭ ‬قد‭ ‬تعكس‭ ‬اختلالًا‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬التحفيز،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأجور‭ ‬أو‭ ‬الامتيازات‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬ظروف‭ ‬العمل،‭ ‬خاصّة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قورنت‭ ‬بحجم‭ ‬المسؤوليات‭ ‬الملقاة‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬مديري‭ ‬هذه‭ ‬المؤسَّسات،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يستبعد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شروط‭ ‬الانتقاء‭ ‬المعتمدة‭ ‬صارمة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬قاعدة‭ ‬المرشحين‭ ‬المحتملين‭ ‬ضيّقة،‭ ‬أو‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬الكفاءات‭ ‬إلى‭ ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬خوض‭ ‬غمار‭ ‬تجربة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬محفوفة‭ ‬بالتحدّيات‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭ ‬كافٍ‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬فشل‭ ‬الانتقاء‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الترشيح‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‮»‬‭ ‬تساؤلاتٍ‭ ‬عن‭ ‬فعالية‭ ‬المقاربة‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬هذا‭ ‬الورش،‭ ‬ومدى‭ ‬مرونتها‭ ‬في‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬السوق‭ ‬المهني‭ ‬للكفاءات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬والإداريَّة،‭ ‬فإعادة‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬المناصب‭ ‬دون‭ ‬مراجعة‭ ‬جوهريَّة‭ ‬للشروط‭ ‬أو‭ ‬الحوافز‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كافيًّا‭ ‬لاستقطاب‭ ‬بروفايلات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬الفرق،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنافسيَّة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الكفاءات‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الوطني‭ ‬والدولي‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬العام‭ ‬لإصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬بالمغرب،‭ ‬الذي‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬إرساء‭ ‬نموذج‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬باعتباره‭ ‬ركيزةً‭ ‬أساسيَّة‭ ‬للحكامة‭ ‬الجهويَّة‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬فهذا‭ ‬النموذج‭ ‬يمنح‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭ ‬استقلالية‭ ‬إداريَّة‭ ‬ومالية‭ ‬واسعة،‭ ‬ويعهد‭ ‬إليها‭ ‬بمهمة‭ ‬تنسيق‭ ‬العرض‭ ‬الصحي‭ ‬وتدبير‭ ‬الموارد‭ ‬البشريَّة‭ ‬واللوجستيَّة‭ ‬بصورة‭ ‬مندمجة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬يظلُّ‭ ‬رهينًا‭ ‬بوجود‭ ‬قيادات‭ ‬مؤهلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنزيل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭.‬

ويُحذّر‭ ‬بعض‭ ‬المتتبعين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬الإداري‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المستشفيات‭ ‬الجامعيَّة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬انعكاساتٌ‭ ‬مباشرةٌ‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬وعلى‭ ‬وتيرة‭ ‬تنزيل‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تُؤدِّي‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬الحالات‭ ‬المُعقّدة‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬المرافق‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬غياب‭ ‬قيادة‭ ‬مستقرة‭ ‬قد‭ ‬يُؤثّر‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬الداخلي‭ ‬وفي‭ ‬تنفيذ‭ ‬البرامج‭ ‬الطبيَّة‭ ‬والعلميَّة،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬العام‭ ‬للمنظومة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬بالجهة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬شاملة‭ ‬لمساطر‭ ‬التوظيف‭ ‬الخاصة‭ ‬بمناصب‭ ‬المسؤولية‭ ‬داخل‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬مراجعة‭ ‬شروط‭ ‬الترشيح،‭ ‬وتعزيز‭ ‬جاذبيَّة‭ ‬الحوافز،‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإداريَّة،‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بمعايير‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستحقاق،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬مبتكرة‭ ‬لاستقطاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬ضروريًّا‭ ‬‮«‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬المغربيَّة‭ ‬بالخارج‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬عروض‭ ‬مهنيَّة‭ ‬أكثر‭ ‬تنافسيَّة‭ ‬ووضوحًا‭.‬

ومن‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬تبادر‭ ‬المجموعة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬لجهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة‭ ‬إلى‭ ‬اتّخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬إطلاق‭ ‬مباريات‭ ‬التوظيف‭ ‬بشروط‭ ‬معدلة،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬صيغ‭ ‬انتقالية‭ ‬لضمان‭ ‬استمراريَّة‭ ‬التسيير‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحيويَّة؛‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬تعيين‭ ‬مسؤولين‭ ‬دائمين‭. ‬فالتحدّي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بملء‭ ‬مناصب‭ ‬شاغرة‮»‬‭ ‬بل‭ ‬بضمان‭ ‬توفر‭ ‬قيادة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬ورش‭ ‬إصلاحي‭ ‬كبير‭ ‬يتطلب‭ ‬نفسًا‭ ‬طويلًا‭ ‬وكفاءات‭ ‬عالية‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬ستُشكّل‭ ‬لحظة‭ ‬مراجعة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬تصحيح‭ ‬الاختلالات،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬ستظل‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬إصلاح‭ ‬معقد،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الطموحات‭ ‬الكبيرة‭ ‬مع‭ ‬إكراهات‭ ‬الواقع‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬فإنَّ‭ ‬نجاح‭ ‬تجربة‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬التي‭ ‬تُقدّمها‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬باعتبارها‭ ‬حلًا‭ ‬سحريًّا‭ ‬لقطاع‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬سيظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الموارد‭ ‬البشريَّة‭ ‬المؤهلة؛‭ ‬كونها‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تحوّل‭ ‬مؤسساتي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬النجاعة‭ ‬والجودة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الصحيَّة‭.‬

*نتائج‭ ‬غير‭ ‬مشجعة‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬9‭ ‬أشهر

المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭- ‬الحسيمة‭ ‬لإطلاقها،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعيش‭ ‬مرحلتها‭ ‬التجريبيَّة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬بروز‭ ‬تيارين‭ ‬متناقضين‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬أدائها،‭ ‬الأوّل‭ ‬يتبنى‭ ‬طرح‭ ‬الحكومة،‭ ‬ويقوده‭ ‬‮«‬منطقيًّا‮»‬‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعيَّة‭ ‬أمين‭ ‬التهراوي،‭ ‬وهو‭ ‬تيار‭ ‬ينوّه‭ ‬‮«‬باستمرار‮»‬‭ ‬بالمسار‭ ‬الذي‭ ‬قطعته‭ ‬والنتائج‭ ‬التي‭ ‬تحقَّقت،‭ ‬أما‭ ‬الآخر‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المهنيين‭ ‬والفاعلين‭ ‬الجمعويين‭ ‬المعنيين‭ ‬بقطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬الذين‭ ‬رصدوا‭ ‬عديدًا‭ ‬من‭ ‬النقاط‭ ‬السوداء‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬التجربة‭.‬

هذه‭ ‬الانتقادات‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬علي‭ ‬لطفي،‭ ‬رئيس‭ ‬الشبكة‭ ‬المغربيَّة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬الحياة؛‭ ‬خلال‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬ندوة‭ ‬نظمها‭ ‬المرصد‭ ‬المغربي‭ ‬للحماية‭ ‬الاجتماعيَّة‭ ‬قبل‭ ‬أيام،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مقاربة‭ ‬فكرة‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬بالمغرب،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬جهة‭ ‬الشمال،‭ ‬فهو‭ ‬يقدّم‭ ‬قراءةً‭ ‬نقديّةً‭ ‬مزدوجةً‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الإقرار‭ ‬بأهميَّة‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬البنيوي‭ ‬والتنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أعطابه‭ ‬البنيويَّة‭ ‬ومخاطره‭ ‬المحتملة‭.‬

ويعتبر‭ ‬لطفي‭ ‬أن‭ ‬إحداث‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬عالمي‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬مركزية‭ ‬تدبير‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬عبر‭ ‬نقل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬والقرار‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الجهوي،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬تقريب‭ ‬الخِدْمات‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الخصوصيات‭ ‬المحلية‭ ‬لكل‭ ‬جهة،‭ ‬بدل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬مركزي‭ ‬جامد‭ ‬لا‭ ‬يراعي‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية‭.‬

لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬‮«‬في‭ ‬تقديره‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬أهدافه‭ ‬إلا‭ ‬بتوفير‭ ‬شروط‭ ‬أساسيَّة‭ ‬تضمن‭ ‬نجاعته‭ ‬واستدامته،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬البشريَّة‭ ‬والمالية‭ ‬بين‭ ‬الجهات،‭ ‬واعتماد‭ ‬حكامة‭ ‬ترابيَّة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الإنصاف‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تمكين‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجهويين‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬القرار‭ ‬تمكينًا‭ ‬فعليًّا،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬النجاعة‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬بطء‭ ‬المساطر‭ ‬المركزيَّة،‭ ‬كما‭ ‬يشدد‭ ‬على‭ ‬أهميَّة‭ ‬إشراك‭ ‬المواطنين‭ ‬ومختلف‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬السياسات‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬باعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬مدخلًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬الشفافيَّة‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬النظري،‭ ‬يلفت‭ ‬لطفي‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬تحدِّيات‭ ‬واقعيَّة‭ ‬تعوق‭ ‬تنزيل‭ ‬هذا‭ ‬الورش،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬والبشريَّة،‭ ‬واستمرار‭ ‬الخصاص‭ ‬في‭ ‬التجهيزات‭ ‬الطبيَّة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬الحكامة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتداخل‭ ‬الاختصاصات‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬المركزيَّة‭ ‬والمستوى‭ ‬الجهوي،‭ ‬ممَّا‭ ‬قد‭ ‬يفرغ‭ ‬مبدأ‭ ‬اللامركزيَّة‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُعالج‭ ‬بوضوح‭ ‬وحسم،‭ ‬فبدل‭ ‬إرساء‭ ‬استقلالية‭ ‬حقيقيَّة،‭ ‬قد‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬شكلي‭ ‬للأدوار‭ ‬دون‭ ‬نقل‭ ‬فعلي‭ ‬للسلطة‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬يوجه‭ ‬المتحدث‭ ‬انتقاداتٍ‭ ‬حادةً‭ ‬لما‭ ‬يعتبره‭ ‬تراجعًا‭ ‬عن‭ ‬البرامج‭ ‬الوقائيَّة‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬مقابل‭ ‬تصاعد‭ ‬الأعباء‭ ‬المالية‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬المواطنين،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬Ticket modérateur‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬37%،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬‮«‬بحسب‭ ‬قراءته‮»‬‭ ‬تحميل‭ ‬المرضى‭ ‬جزءًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬العلاج،‭ ‬في‭ ‬تناقض‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬تعميم‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعيَّة‭. ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يهدد‭ ‬مبدأ‭ ‬الولوج‭ ‬العادل‭ ‬إلى‭ ‬العلاج،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفئات‭ ‬الهشّة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬كلفة‭ ‬صحيَّة‭ ‬لا‭ ‬تطيقها‭.‬

ويثير‭ ‬لطفي‭ ‬أيضًا‭ ‬إشكالًا‭ ‬آخرَ‭ ‬يتعلق‭ ‬بالاختيارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتدبير‭ ‬الموارد‭ ‬البشريَّة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القيادة،‭ ‬حيث‭ ‬يُعبّر‭ ‬عن‭ ‬تحفظه‭ ‬إزاء‭ ‬تعيين‭ ‬أساتذة‭ ‬جامعيين‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬أو‭ ‬إدارة‭ ‬المستشفيات،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الأساسي‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬يظل‭ ‬داخل‭ ‬الجامعة؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكوين‭ ‬الأطر‭ ‬الطبيَّة‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وليس‭ ‬تولي‭ ‬مهامّ‭ ‬تدبيريَّة‭ ‬تتطلَّب‭ ‬كفاءاتٍ‭ ‬إداريَّةً‭ ‬وتسييريَّة‭ ‬متخصصة،‭ ‬ويخشى‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬في‭ ‬الأدوار‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الوظيفتين،‭ ‬بدل‭ ‬تحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬المنشود‭ ‬بينهما‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬يثيرها‭ ‬أيضًا،‭ ‬قرار‭ ‬دمج‭ ‬المراكز‭ ‬الاستشفائيَّة‭ ‬الجامعيَّة‭ ‬ضمن‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬الذي‭ ‬يعدّه‭ ‬خطوة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر؛‭ ‬نظرًا‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬سلبيَّة‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬التكوين‭ ‬الطبي‭ ‬والخدمات‭ ‬العلاجيَّة،‭ ‬فالمستشفيات‭ ‬الجامعيَّة‭ ‬‮«‬بحسب‭ ‬تصوره‮»‬‭ ‬لها‭ ‬خصوصيَّة‭ ‬مزدوجة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العلاج‭ ‬والتكوين‭ ‬والبحث،‭ ‬وأي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬تدبيرها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُراعي‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الدقيق؛‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬يُضر‭ ‬أحد‭ ‬مكوناته‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخر‭.‬

وفي‭ ‬قراءته‭ ‬للوضعيَّة‭ ‬العامة‭ ‬للمنظومة‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬يُقدّم‭ ‬لطفي‭ ‬معطياتٍ‭ ‬تعكس‭ ‬اختلالًا‭ ‬بنيويًّا‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬التغطيَّة‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬نحو‭ ‬11‭ ‬مليونَ‭ ‬مواطنٍ‭ ‬لا‭ ‬يتوفرون‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تغطيَّة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬يعتمدون‭ ‬بصورة‭ ‬شبه‭ ‬كلية‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭ ‬العموميَّة‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يفضل‭ ‬نحو‭ ‬79%‭ ‬من‭ ‬المُؤَمَّنِين‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬المصحات‭ ‬الخاصة،‭ ‬مما‭ ‬يترتب‭ ‬عنه‭ ‬تركيز‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬صناديق‭ ‬التغطيَّة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬بنسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬91%،‭ ‬مقابل‭ ‬حصة‭ ‬محدودة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬7%‭ ‬لفائدة‭ ‬المستشفيات‭ ‬العموميَّة؛‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬‮«‬في‭ ‬نظره‮»‬‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬اختلال‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬التمويل،‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المُقدّمة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتحفيزات‭ ‬الموجهة‭ ‬للأطر‭ ‬الصحيَّة،‭ ‬يقلل‭ ‬لطفي‭ ‬من‭ ‬جدوى‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يروج‭ ‬لاعتماد‭ ‬نظام‭ ‬الأجر‭ ‬المتغيّر‭ ‬أو‭ ‬تحفيز‭ ‬الكفاءات،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬تظلُّ‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الشعارات‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُؤمّنْ‭ ‬تمويل‭ ‬مستدام‭ ‬يضمن‭ ‬تغطيَّة‭ ‬نفقات‭ ‬التسيير‭ ‬وتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العمل‭ ‬تحسينًا‭ ‬فعليًّا،‭ ‬ويرى‭ ‬أنَّ‭ ‬الإشكال‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الأفكار،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنزيلها‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬إكراهات‭ ‬مالية‭ ‬متزايدة‭.‬

ويُحذّر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬من‭ ‬سيناريو‭ ‬مقلق‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬بعض‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬إلى‭ ‬وضعيَّة‭ ‬مالية‭ ‬حرجة‭ ‬قد‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمّيه‭ ‬‮«‬الإفلاس‭ ‬غير‭ ‬المعلن‮»‬،‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الاختلالات‭ ‬الحالية‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬جذريَّة،‭ ‬وهو‭ ‬تحذير‭ ‬يعكس‭ ‬تخوفًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬الإصلاحي‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬طموحه‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬عبءٍ‭ ‬إضافيٍّ‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رافعة‭ ‬لتطويرها،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬لم‭ ‬يُواكبْ‭ ‬بإصلاحات‭ ‬موازيَّة‭ ‬تهمُّ‭ ‬التمويلَ‭ ‬والحكامةَ‭ ‬وتوزيعَ‭ ‬المواردِ‭.‬

*وزير‭ ‬الصحة‭.. ‬الشخص‭ ‬الأكثر‭ ‬تفاؤلًا

على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬يبرز‭ ‬وزير‭ ‬الصحة،‭ ‬أمين‭ ‬التهراوي،‭ ‬بوصفه‭ ‬المدافع‭ ‬الأبرز‭ ‬عن‭ ‬التجربة،‭ ‬فقبل‭ ‬أيام‭ ‬تطرَّق‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬المجموعة‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬للجهة،‭ ‬أمام‭ ‬مجلس‭ ‬المستشارين،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬حقَّقت‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابيَّة‭ ‬ملموسة،‭ ‬إذ‭ ‬ارتفعت‭ ‬الاستشارات‭ ‬الطبيَّة‭ ‬بـ11%‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ ‬لسنة‭ ‬2024‭ ‬والفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬وأضاف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬سجَّلت‭ ‬تحسُّنًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬ولوج‭ ‬بعض‭ ‬الأقاليم،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إقليم‭ ‬العرائش‭ ‬بنسبة‭ ‬مهمة‭ ‬تجاوزت‭ ‬60%،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬تقليص‭ ‬آجال‭ ‬المواعيد‭ ‬وتحسين‭ ‬مسارات‭ ‬التكفل‭.‬

وكشف‭ ‬الوزير‭ ‬عن‭ ‬أنّه‭ ‬‮«‬بناء‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬جهة‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬تم‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬التهييء‭ ‬لتعميم‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬استكمال‭ ‬بلورة‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيميَّة‭ ‬للمجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬وتحديد‭ ‬دقيق‭ ‬للاختصاصات‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إعداد‭ ‬مخططات‭ ‬عمل‭ ‬متعدّدة‭ ‬السنوات‭ ‬لتدبير‭ ‬مرحلة‭ ‬الانتقال،‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬تحضير‭ ‬نقل‭ ‬الموارد‭ ‬البشريَّة‭ ‬والمالية‭.‬

وفي‭ ‬نص‭ ‬جوابه،‭ ‬نجد‭ ‬اعترافًا‭ ‬ضمنيًّا‭ ‬بالمشكلات‭ ‬القائمة،‭ ‬حيث‭ ‬اعتبر‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬تسجيل‭ ‬تحديات‭ ‬طبيعيَّة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬هيكلي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬والمرتبطة‭ ‬بمرحلة‭ ‬الانتقال،‭ ‬خصوصًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬وتدبير‭ ‬الموارد‭ ‬البشريَّة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأسس‭ ‬التقنيَّة‭ ‬والتنظيميَّة‭ ‬أصبحت‭ ‬جاهزة‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التعميم‮»‬،‭ ‬مضيفًا‭ ‬أنّه‭ ‬‮«‬مع‭ ‬التعيين‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬لـ5‭ ‬مديرين‭ ‬للمجموعات‭ ‬الصحيَّة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬خلال‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬الأخير،‭ ‬يدخل‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬وحاسمة‮»‬‭.‬

تابعنا على الفيسبوك