سياسة
انتخابات بلا «كبار».. هل يحول غياب «صقور» السياسة الاستحقاقات المقبلة إلى «لعب الدراري»؟
تعيش الساحة السياسية الوطنية حالة من «الركود المقلق» قبل أشهر قليلة من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في مشهد يطغى عليه غياب الزعامات الكاريزمية و«البروفايلات» الوازنة، التي دائمًا ما شكلت عماد المشهد الحزبي بالمغرب. هذا الفراغ «المدوي» يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة الخريطة السياسية القادمة، وسط مخاوف جدية من أن تتحول المحطة الانتخابية إلى مجرد «لعب الدراري»، في ظلّ سيطرة الكائنات الانتخابية وغياب النقاش الإيديولوجي العميق.
*انسحاب «الصقور» وهيمنة «الأعيان»
لم يعد خافيًا على المتتبع للشأن العام، أنَّ الأحزاب السياسية، يمينها ويسارها، تُعاني نزيفًا حادًا في نخبها المؤثرة. فقد توارت إلى الخلف وجوه كانت تملأ الدنيا ضجيجًا وتصنع الحدث بتصريح أو بموقف، تاركة المجال لطبقة جديدة من «التكنوقراط الحزبيين» وأعيان الانتخابات الذين يتقنون لغة الأرقام والحسابات الضيقة أكثر من إتقانهم لفن الخطابة والتدبير السياسي.
مصادر «لاديبيش» تشير إلى أنَّ هذا «التجريف» الذي طال النخب السياسية ليس وليد المصادفة، بل هو نتاج سنوات من «التمييع» الذي طال العمل الحزبي، حيث أصبحت التزكية تمنح لمن يدفع أكثر أو لمن يملك «خزّانًا انتخابيًا» جاهزًا، بصرف النظر عن كفاءته السياسية أو رصيده النضالي. هذا الوضع خلق «صحراء سياسية» قاحلة، تغيب فيها القامات الكبيرة وتنتعش فيها الطحالب الانتخابية.
*سيناريو «الرداءة» ومخاطر العزوف
يحذر مراقبون من أن غياب البروفايلات الوازنة، القادرة على إقناع المواطن والنزول إلى الشارع بخطاب سياسي رصين، سيفتح الباب على مصراعيه أمام «الشعبوية الفجة» والخطابات السطحية. فالمواطن المغربي، الذي أصبح أكثر وعيًا وتطلبًا، لن يجد في «الكتالوج» الانتخابي المقبل ما يغريه بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، مما ينذر بنسب عزوف قياسية قد تفرغ المؤسسات المنتخبة من شرعيتها التمثيلية الحقيقيَّة.
إنَّ وصف «لعب الدراري» الذي بدأ يتسرَّب إلى ألسنة بعض المحللين ليس مجرد تعبير قدحي، بل هو توصيف دقيق لحالة من «العبث» السياسي، حيث تتشابه البرامج، وتختفي الفوارق بين الأحزاب، ويصبح الصراع حول «المقاعد» لا حول «المواقف».
*مؤسسات بلا روح سياسية
الخطر الأكبر، بحسب عارفين بخبايا المطبخ السياسي، لا يكمن فقط في الحملة الانتخابية، بل فيما بعدها. فوصول نخب «باهتة» لا تملك الثقل السياسي ولا الخبرة في تدبير الأزمات إلى قبة البرلمان أو المجالس المنتخبة، سيعني إنتاج مؤسسات «هشة» وعاجزة عن مواكبة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تنتظر المملكة.
فالبروفايلات الوازنة هي التي كانت تضمن سابقًا نوعا من التوازن والاستقرار داخل المؤسَّسات، وكانت قادرة على تأطير الاحتقان الاجتماعي وتقديم حلول سياسيَّة للمعضلات القائمة. أما اليوم، وفي ظل هذا الفراغ، فإننا نسير نحو المجهول بوجوه قد لا تصمد أمام أول امتحان شعبي حقيقي.
ويبقى السؤال المطروح بقوة: هل ستتدارك الأحزاب السياسية الموقف في ربع الساعة الأخير وتدفع بـ«صقورها» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أنَّ قطار «الرداءة» قد انطلق ولن يتوقَّف إلا في محطة مؤسسات فاقدة للون والطعم والرائحة؟ الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة.


