آخر الأخبار
النقاش حول تصنيف طنجة ضمن التراث العالمي لليونيسكو يعود من جديد.. فما الذي ستستفيده المدينة مـن هـذه الـخـطــوة؟
التصنيف يُعطي إشعاعًا ثــقـــافـــيًّــا وسياحيًّا عابرًا للـحـــــدود
لكن الطريق إليـه صـعـــب ويــتـطــلـــب إجراءات حاسمة
تعود مدينة طنجة إلى واجهة النقاش الثقافي والدولي من بوابة التراث العالمي، في ظلّ تحرُّكات متزايدة لإحياء ملف ترشيحها ضمن قائمة اليونسكو، بعد سنوات من التعثُّر وعدم بلوغ مرحلة الاعتماد النهائي، ويقود هذا المسار فاعلون مدنيون وأكاديميون ومؤسساتيون يسعون إلى إعادة بناء ملف متكامل يعكس القيمة الحضارية والتاريخية للمدينة.
يأتي هذا الحراك في سياق تحوُّلات عمرانية وتنموية كبرى تعرفها طنجة، بالتوازي مع استعداد المغرب لاستحقاقات دولية بارزة، ما يُعزّز الرهان على تحويل الرصيد الثقافي والتاريخي للمدينة إلى رافعة للإشعاع الدولي والتنمية المستدامة، في أفق ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الحواضر المتوسطية ذات الامتداد الحضاري العالمي.
*نقاش اليونيسكو يعود إلى الواجهة
وقد تجدَّد بمدينة طنجة النقاش بشأن ملف ترشيحها للتسجيل ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في سياق دينامية متنامية يقودها فاعلون مدنيون وأكاديميون ومؤسساتيون، بهدف إعادة إحياء هذا الورش الثقافي والاستراتيجي الذي ظلّ مطروحًا منذ سنوات، دون أن يبلغ مرحلة الاعتماد النهائي.
وفي هذا الإطار، احتضنت المدينة يوم 7 ماي 2026 لقاءً علميًّا وتشاوريًّا موسعًا، نُظّم بمبادرة من مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، وبدعم من شركاء مؤسساتيين وأكاديميين ومدنيين، لمناقشة سبل تحيين ملف ترشيح طنجة وتعزيزه للتسجيل ضمن التراث العالمي، وعكس هذا اللقاء، الذي عرف مشاركة أكثر من ستين خبيرًا وباحثًا ومهندسًا وفاعلًا جمعويًّا، إلى جانب ممثلي مؤسسات معنية بمجالات الثقافة والتراث والتعمير والتنمية الترابية، تنامى الوعي بأهمية إعادة بناء ملف متكامل يستجيب لمعايير اليونسكو، ويعكس الخصوصية التاريخية والحضارية للمدينة.
ويأتي هذا التحرك في وقت تعرف فيه طنجة تحوُّلات عمرانية وتنموية متسارعة، بالتوازي مع استعداد المغرب لاستحقاقات دولية كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030، ما يعزز الحاجة إلى تثمين البعد الثقافي والتاريخي للمدينة، ليس فقط باعتباره مكونًا من مكونات الهُوية المحلية، بل أيضًا كرافعة للإشعاع الدولي والتنمية المستدامة.
وخلال الجلسة الافتتاحية للقاء، شدَّد المتدخلون على أن طنجة تتوفر على مؤهلات استثنائية تؤهلها للانضمام إلى قائمة التراث العالمي، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الفريد باعتبارها نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا، وبين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، فضلًا عن تاريخها الطويل الذي جعل منها فضاءً للتفاعل الحضاري والثقافي والديني عبر قرون.
وأكَّد المشاركون، أنَّ المدينة لا تختزل فقط في بعدها العمراني أو التاريخي، بل تُمثّل نموذجًا حضاريًّا متكاملًا يجمع بين التراث المادي واللامادي، حيث تضمُّ المدينة العتيقة والأسوار التاريخية والمباني ذات الطابع الدولي، إلى جانب فضاءات طبيعية مصنفة ذات قيمة بيئية وجمالية، من قبيل كاب سبارطيل وغابة الرميلات ومتنزه بيرديكاريس، وهي عناصر تمنح طنجة خصوصيةً مُركّبةً تجمع بين التاريخ والطبيعة والانفتاح الثقافي.
ويُعدُّ ملف ترشيح طنجة للتراث العالمي من المشاريع، التي شهدت محاولات سابقة خلال العقود الماضية، غير أن تلك المبادرات لم تصل إلى مرحلة الحسم النهائي، بسبب تعقيدات مرتبطة بإعداد الملف وفق المعايير الدقيقة التي تعتمدها اليونسكو، إضافة إلى الحاجة إلى تنسيق مؤسساتي واسع وضمان استدامة حماية المآثر والمواقع المرشحة.
وفي هذا السياق، شكَّل اللقاء العلمي الأخير مناسبة لاستحضار التجارب السابقة المرتبطة بمسار ترشيح طنجة، وتحليل مكامن القوة والضعف التي طبعت تلك المحاولات، إلى جانب الاطّلاع على تجارب مدن مغربية أخرى نجحت أو تسعى بدورها إلى تعزيز حضورها ضمن منظومة التراث العالمي، من بينها تطوان والدار البيضاء.
كما ركزت الورشات الموضوعاتية «التي تخللت اللقاء» على مناقشة عددٍ من المحاور الأساسية المرتبطة بإعداد الملف، وفي مقدمتها تحديد «القيمة العالمية الاستثنائية» لطنجة، وهي أحد الشروط الجوهرية التي تعتمدها اليونسكو لقبول أي موقع ضمن قائمتها، وتمّ خلال النقاش تأكيد ضرورة بلورة تصور علمي دقيق يبرز الخصائص الفريدة للمدينة، سواء من حيث تاريخها السياسي والدبلوماسي، أو من خلال بُعدها الثقافي والإنساني والكوسموبوليتي.
وتناول المشاركون أيضًا إشكالية تحديد المجالات والمواقع التي يمكن أن يشملها التصنيف، حيث برز اتّجاه يدعو إلى اعتماد مقاربة شمولية لا تقتصر فقط على المدينة العتيقة، وإنَّما تشمل كذلك المحيط الطبيعي والمعالم المرتبطة بتاريخ طنجة الدولي، بما يعكس تنوُّع مكونات الشخصية العمرانية والثقافية للمدينة.
وفي المقابل، لم يخل اللقاء من إثارة عددٍ من التحدِّيات التي قد تواجه هذا المسار، خاصّةً في ظل استمرار بعض الممارسات التي تُهدّد أجزاءً من التُراث المعماري والتاريخي للمدينة، سواء بسبب التحوُّلات العمرانية أو ضعف آليات الحماية والتثمين، ونبَّه متدخلون إلى أنَّ نجاح ملف الترشيح لا يرتبط فقط بإعداد وثائق تقنية، بل يتطلَّب أيضًا التزامًا فعليًّا بحماية الموروث الثقافي وضمان استدامته للأجيال المقبلة.
وشدد المشاركون على أنَّ المقاربة التشاركية تظلُّ العنصر الحاسم في إنجاح المشروع، من خلال إشراك مختلف الفاعلين، بما في ذلك المؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية والقطاعات الحكومية والجامعة والخبراء والمجتمع المدني، كما اعتبروا أنَّ التنسيق المؤسساتي وتوحيد الرؤية يُشكّلان شرطًا أساسيًّا لإعداد ملف قوي ومتكامل يستجيب للمعايير الدولية المعتمدة.
ويرى متابعون للشأن المحلي، أنَّ الدينامية الجديدة «التي يعرفها ملف طنجة» قد تمنح المشروع دفعةً إضافيةً، خاصّةً في ظل تنامي الوعي بأهمية الاقتصاد الثقافي ودور التراث في تعزيز الجاذبية السياحية والاستثمارية للمدن، كما أن تصنيف طنجة ضمن قائمة التراث العالمي «من شأنه» أن يفتح آفاقًا جديدة أمام المدينة، سواء على مستوى الحماية القانونية للمآثر، أو من خلال تعزيز حضورها ضمن الشبكات الثقافية الدولية.
ومع ذلك، يبقى الطريق نحو نيل تصنيف اليونسكو مسارًا طويلًا ومُعقّدًا، يتطلَّب استيفاء شروط دقيقة تتعلق بالحفاظ على أصالة المواقع، وضمان تدبيرها المستدام، وإثبات قيمتها الإنسانية العالمية، وبين الطموح المشروع والتحديات القائمة، تبدو طنجة اليوم أمام فرصةً جديدةً لإعادة تقديم نفسها باعتبارها مدينة ذات إشعاع حضاري عالمي، قادرة على تحويل رصيدها التاريخي والثقافي إلى مشروع استراتيجي للمستقبل.
*ماذا ستستفيد طنجة؟
ويُشكّل إدراج المدن ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو أحد أقوى أشكال الاعتراف الدولي بالقيمة التاريخية والثقافية والعمرانية للمجالات الحضرية، لكنَّه «في الوقت نفسه» يتجاوز البعدَ الرمزي نحو آثار اقتصادية وتنموية وسياحية وسياسية عميقة، فالتصنيف لا يمنح فقط «علامة جودة» ثقافية للمدينة، بل يضعها ضمن شبكة عالمية من المواقع التي تعتبرها الإنسانية ذات «قيمة عالمية استثنائية». وينعكس ذلك مباشرة على قدرة المدينة على جذب الاستثمارات والسياح والتمويلات الدولية، وعلى تعزيز صورتها في الخارج كوجهة ذات هُوية متفرّدة وقابلة للتسويق الثقافي والحضاري، وتُؤكّد منظمة اليونسكو، أن المواقع المصنفة تستفيد من ارتفاع الوعي العالمي بها، ومن زيادة النشاط السياحي المرتبط بها، إضافة إلى إمكانية الولوج إلى برامج الدعم التقني والمالي الخاصة بالحفاظ على التراث.
وتظهر التجارب الدولية أن المدن التي تحصل على هذا التصنيف غالبًا ما تتحوّل إلى أقطاب جذبٍ سياحيٍّ وثقافيٍّ، لأنَّ «علامة اليونسكو» تمتلك وزنًا كبيرًا لدى السيّاح والمؤسسات الدولية وشركات الأسفار، بل حتى لدى المستثمرين في قطاعات الثقافة والضيافة والخِدْمات، وتُوضّح برامج السياحة المستدامة التابعة لليونسكو أن التراث العالمي أصبح موردًا اقتصاديًّا مهمًّا للمدن، شريطة أن تتم إدارة التدفقات السياحية بشكل متوازن يحافظ على القيمة التاريخية للموقع، ويمنع تحوُّله إلى مجرد فضاء للاستهلاك التجاري السريع.
وتستفيد المدن المُصنّفة أيضًا من تحسين بنيتها التحتية وخدماتها العمومية؛ لأنَّ الحفاظ على التصنيف يفرض على السلطات المحلية والدولية الاستثمار في الترميم والصيانة والتأهيل الحضري وتحسين الولوج والنقل والإنارة والمرافق الثقافية.
وتشير وثائق اليونسكو إلى أنَّ التأثير الاقتصادي للتصنيف لا يرتبط فقط بارتفاع عدد الزوار، بل كذلك بما ينتجه ذلك من وظائفَ مباشرةٍ وغير مباشرة في قطاعات الفنادق والمطاعم والإرشاد السياحي والصناعات التقليدية والنقل والخِدْمات الثقافية، كما أنَّ هذا الحراك يدفع إلى خلق دينامية اقتصادية محلية مرتبطة بالاقتصاد الثقافي والإبداعي.
وفي الجانب الاجتماعي، يمنح التصنيف سكان المدن شعورًا متزايدًا بالانتماء والفخر الجماعي؛ لأنَّ الاعتراف الدولي بالمدينة يعني ضمنيًّا الاعتراف بتاريخها وخصوصيتها الثقافية ودورها الحضاري، وترى اليونسكو أنَّ التراث يُمثّل رافعة لتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء الإحساس المشترك بالهوية، كما أنَّه يُسهم في تقوية الروابط بين الأجيال من خلال حماية الذاكرة العمرانية والثقافية للمدن التاريخية.
غير أن هذا التصنيف لا يخلو أيضًا من تحدِّيات وإكراهات، إذ تصبح المدينة مطالبة باحترام معايير صارمة في البناء والتعمير والتدبير الحضري؛ لأنَّ أي اختلالات قد تعرض الموقع لخطر فقدان التصنيف أو إدراجه ضمن قائمة التراث المهدد.
وقد شهدت عدة مدن عالمية تحذيرات من اليونسكو بسبب مشاريع عمرانية أو سياحية اعتبرت مُهدّدة للقيمة التراثية للمواقع المصنفة، ولهذا فإن نجاح التصنيف يرتبط بقدرة المدينة على تحقيق توازن دقيق بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الهوية التاريخية والمعمارية.
وبالنسبة لمدينة طنجة، تبدو أهمية مشروع إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي أكثر وضوحًا؛ لأنَّ المدينة تمتلك أصلًا مقومات تاريخية وثقافية وحضارية تجعلها مؤهلة لهذا الاعتراف الدولي، فهي ليست فقط مدينة ذات موقع جغرافي استثنائي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، بل هي أيضا فضاءٌ تاريخيٌّ تعاقبت عليه حضارات متعددة، من الفينيقيين والرومان إلى الحقبة الإسلامية ثم الفترة الدولية، مما منحها تنوّعًا عمرانيًّا وثقافيًّا نادرًا في المنطقة المغاربية.
ومن شأن حصول طنجة على تصنيف التراث العالمي أن يمنحها إشعاعًا دوليًّا إضافيًّا يتجاوز صورتها الحالية باعتبارها قطبًا اقتصاديًّا وصناعيًّا ولوجستيكيًّا، ليضيف إليها بُعدًا ثقافيًّا وسياحيًّا عالميًّا أكثر رسوخًا، فالمدينة تتوفر على مدينة عتيقة غنية بالمآثر والأسوار والأبواب التاريخية، وعلى تراث معماري مرتبط بالفترة الدولية، وعلى رصيد ثقافي وأدبي ارتبط بأسماءَ عالميةٍ في الفنّ والأدب والفكر، مما يمكن أن يجعلها وجهةً متميّزةً للسياحة الثقافية ذات القيمة المضافة العالية، بدل الاقتصار على السياحة العابرة أو الموسمية.
كما أن هذا التصنيف يمكن أن يُشكّل رافعةً قويةً لتسريع عمليات ترميم المدينة القديمة والمباني التاريخية بطنجة وتأهيلها، ودفع الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص نحو استثمارات أكبر في المجال الثقافي والتراثي، بما يشمل المتاحف والمسارات السياحية والبنيات الثقافية والفنون والصناعات التقليدية، ومن شأن ذلك أن يخلق فرصَ شغل جديدة مرتبطة بالاقتصاد الثقافي والسياحي، خاصّةً لفائدة الشباب والحرفيين والفاعلين المحليين.
وفي المقابل، فإنَّ أي توجه نحو التصنيف سيفرض على طنجة أيضًا تحدِّيات مرتبطة بضرورة حماية نسيجها التاريخي من الضغط العقاري والتوسع العمراني غير المنضبط، والحفاظ على الطابع المعماري للمدينة القديمة، ومنع المشاريع التي قد تُؤثّر في القيمة التراثية والبصرية للمجال التاريخي، ما يعني أن معركة التصنيف ليست فقط معركة للحصول على اعتراف دولي، بل هي أيضًا معركة لإعادة التفكير في نموذج التنمية الحضرية للمدينة، بما يضمن التوازن بين الحداثة والحفاظ على الذاكرة التاريخية.
وفي حال نجحت طنجة في دخول قائمة التراث العالمي، فإنَّ ذلك لن يكون مكسبًا رمزيًّا فقط، بل تحوّلًا استراتيجيًّا في تموقعها الدولي؛ لأنَّها ستنتقل من مدينة ذات ثقل اقتصادي إقليمي إلى مدينة ذات قيمة حضارية عالمية معترف بها أمميًا، مما سيمنحها قدرةً أكبرَ على استقطاب السياحة الثقافية والاستثمارات المرتبطة بالتُّراث والصناعات الإبداعية، ويُكرّس صورتها كواحدة من أهم الحواضر المتوسطية ذات الامتداد التاريخي والثقافي المتعدد.ِ
*خطوات لاستعادة القيمة الثقافية
وفي هذا السياق، تبدو الخطوات «التي راكمتها طنجة خلال السنوات الأخيرة» وكأنّها تُمهّد فعليًّا لمسار أوسع مرتبط بالطموح نحو الإدراج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليس فقط من زاوية الحفاظ على الموروث العمراني والتاريخي، ولكن أيضًا من خلال ترسيخ صورة المدينة باعتبارها فضاءً عالميًّا للإبداع والثقافة والتبادل الحضاري.
فاختيار طنجة، أواخر سنة 2025، للانضمام إلى شبكة المدن المبدعة التابعة لليونسكو في مجال الأدب، لم يكن مجرد تصنيفٍ ثقافيٍّ معزولٍ، بل اعترافًا أمميًّا بمسار تاريخي وثقافي طويل ارتبط بصورة المدينة باعتبارها ملتقى للكتاب والمفكرين والفنانين من مختلف أنحاء العالم.
ويكتسي هذا التصنيف أهمية خاصة بالنظر إلى محدودية عدد المدن المصنفة عالميًّا في مجال الأدب، مما يضع طنجة داخل دائرة النخب الثقافية الدولية، ويمنحها حضورًا أكبرَ ضمن شبكات التعاون الثقافي والإبداعي العالمية، كما أنَّ هذا التتويج يعكس تحوّلًا في طريقة تقديم المدينة لنفسها، من مجرد قطب اقتصادي ومينائي وسياحي، إلى حاضرة ذات عمق فكري وأدبي قادرة على توظيف الثقافة باعتبارها رافعةً للتنمية والانفتاح الدولي.
الأمر نفسه ينطبق على اختيار طنجة من قبل اليونسكو لاحتضان الاحتفال العالمي باليوم الدولي لموسيقى الجاز لسنة 2024، وهو حدث ذو رمزية ثقافية كبيرة؛ لأنَّ المنظمة الأممية لا تختار المدن المضيفة فقط بناءً على الجوانب اللوجستيكية، بل أيضًا استنادًا إلى وزنها الثقافي وقدرتها على تمثيل قيم التنوُّع والانفتاح والتلاقح الحضاري.
وقد شكَّل هذا الحدث مناسبة لإبراز البعد المتوسطي والإفريقي والعالمي للمدينة، خصوصًا من خلال الربط بين موسيقى الجاز والتراث الموسيقي المغربي، وعلى رأسه موسيقى كناوة، إلى جانب تسليط الضوء على التاريخ الفني والثقافي لطنجة باعتبارها فضاءً استقطبَ لعقود أسماء بارزة في الموسيقى والأدب والفنّ.
ومن زاوية أوسع، فإنَّ مثل هذه الاعترافات الدولية تُسهم تدريجيًّا في بناء «الملف الرمزي» للمدينة داخل المؤسَّسات الثقافية الأممية، وتمنح طنجة حضورًا متراكمًا داخل منظومة اليونسكو، وهو معطى بالغ الأهمية بالنسبة لأي مدينة تطمح مستقبلًا إلى تعزيز حظوظها في مسار الإدراج ضمن قائمة التراث العالمي، فالتصنيفات الثقافية الكبرى لا تبنى فقط على المعطى العمراني أو التاريخي، بل أيضًا على قدرة المدينة على إثبات استمرارية إشعاعها الثقافي والحضاري دوليًّا، وهو ما تبدو طنجة منشغلة اليوم بتكريسه بشكل متدرج وواضح.


