سياسة
المجـتمع المـدني أمــام امتـحان المصـداقية..هل يفقد دوره الانتخابي بعد فـشل وجـوه جمـعوية فـي تـدبـير الشأن المحـــلـــــي؟
لم يعد حضور المجتمع المدني في المشهد الانتخابي المغربي يحظى بالإجماع نفسه، الذي راكمه خلال سنوات سابقة، بعدما أفرزت الولاية الانتخابية الحالية عددًا من الإخفاقات المرتبطة بوجوهٍ جمعويَّةٍ اختارت ولوج العمل السياسي، قبل أن تُتهم بالعجز عن تدبير الشأن المحلي أو بالتخلّي عن جمعياتها فور الوصول إلى مواقع المسؤولية.
هذه التحوُّلات أعادت إلى الواجهة سؤال الدور الحقيقي للمجتمع المدني في الاستحقاقات المقبلة، خاصّةً بعد تآكل صورة «الفاعل الجمعوي النزيه» الذي دائما ما قُدّم كبديل أخلاقي عن السياسي التقليدي، وقوة اقتراحية قادرة على تأطير المواطنين والدفاع عن قضاياهم خارج منطق المصالح الحزبية الضيّقة.
معطيات متقاطعة من عدد من الجماعات الترابية تكشف أن جزءًا من الجمعويين الذين دخلوا غمار السياسة خلال هذه الولاية، إما جمّدوا أنشطتهم الجمعوية أو تركوا تسييرها لدوائر ضيقة، ما أفقد هذه الإطارات إشعاعها الميداني، وحوّل بعضها إلى مجرد واجهات انتخابية ظرفية تُستدعى عند الحاجة، ثم تُركن بعد انتهاء الاستحقاقات.
ويرى متتبعون، أنَّ هذا السلوك أسهم في إضعاف ثقة المواطنين في الخطاب الجمعوي، خصوصًا حين تبيَّن أنَّ بعض المنتخبين القادمين من رحم المجتمع المدني لم يُقدِّموا نموذجًا مغايرًا في التدبير، بل أعادوا إنتاج الممارسات نفسها التي كانوا ينتقدونها من موقعهم السابق كفاعلين جمعويين.
وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على تراجع قدرة المجتمع المدني على تأدية الأدوار التعبوية نفسها التي اضطلع بها في محطات انتخابية سابقة، سواء من حيث تأطير الناخبين، أو الدفع نحو المشاركة السياسية، أو مراقبة نزاهة العمليات الانتخابية. فضعف الموارد، وتآكل الثقة، وتداخل الأدوار بين الجمعوي والسياسي، كلها عوامل تُنذر بتحوُّل نوعي في طبيعة الحضور الجمعوي خلال الاستحقاقات المقبلة.
في المقابل، يذهب فاعلون مدنيون إلى أن تعميم صورة الفشل يظل حكمًا متسرعًا، معتبرين أنَّ ما وقع يعكس أزمة نماذج أكثر مما يعكس أزمة مجتمع مدني ككل. ويُؤكّد هؤلاء أنَّ الجمعيات الجادة التي حافظت على استقلاليتها ولم تنخرط في الحسابات الانتخابية الضيقة، لا تزال قادرة على لعب أدوار رقابية وتأطيريّة وازنة، شريطة توفير مناخ قانوني ومؤسّساتي يحمي استقلالها.
غير أن الإشكال، بحسب مصادر مطلعة، يكمن في غياب حدود واضحة بين العمل الجمعوي والعمل السياسي، ما فتح الباب أمام استغلال العمل المدني كرافعة انتخابيّة، وأفرغ خطاب «القرب» و«التطوع» من محتواه، وحوّل بعض الجمعيات إلى خزانات أصوات بدل كونها فضاءاتٍ للترافع المدني.
ومع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، يظل السؤال معلقًا حول ما إذا كان المجتمع المدني سيستعيد دوره التقليدي كفاعلٍ مُستقلٍ وناقد، أم أنه سيدخل مرحلة انكماش نسبي، تفرضها خيبات التجربة السابقة ورغبة جزء من الناخبين في إعادة تقييم الثقة الممنوحة لوجوه قادمة من العمل الجمعوي.
بين واقع التراجع وإمكانية التصحيح، يبدو أنَّ المجتمع المدني مقبل على لحظة محاسبة ذاتية، ستحدد ملامح حضوره في الاستحقاقات المقبلة، ليس فقط فاعلًا انتخابيًّا غير مباشر، بل ميزانًا أخلاقيًّا لسلامة الممارسة الديمقراطية برمتها.


