تواصل معنا

سياسة

الإشاعة تشعل «ميركاتو» السياسة وتربك حسابات الأحزاب

في‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬الميركاتو‭ ‬السياسي‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الإشاعة‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬عابر‭ ‬يُتداول‭ ‬في‭ ‬الكواليس،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬وتوجيه،‭ ‬تُستعمل‭ ‬بعناية‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬الحزبية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لخلخلة‭ ‬توازناتها‭ ‬الهشة‭.‬

فمع‭ ‬اقتراب‭ ‬كل‭ ‬محطة‭ ‬انتخابية‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬حكومي،‭ ‬تنفجر‭ ‬‮«‬بورصة‭ ‬الانتقالات‮»‬‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬تسريبات‭ ‬غير‭ ‬مؤكدة،‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تحركات‭ ‬في‭ ‬الظل‮»‬‭ ‬و«اتصالات‭ ‬سرية‮»‬‭ ‬و«صفقات‭ ‬وشيكة‮»‬،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وبعض‭ ‬المنابر،‭ ‬دون‭ ‬سندٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬أو‭ ‬مصادر‭ ‬معلومة‭. ‬والنتيجة‭ ‬تكون‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الترقب‭ ‬المشوب‭ ‬بالشك،‭ ‬تُغذيها‭ ‬روايات‭ ‬متضاربة،‭ ‬يصعب‭ ‬التمييز‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والمناورة‭.‬

مصادر‭ ‬متتبعة‭ ‬للشأن‭ ‬الحزبي‭ ‬تؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإشاعات‭ ‬يُفبرك‭ ‬بطريقة‭ ‬ممنهجة،‭ ‬إما‭ ‬لتجريب‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬داخل‭ ‬القواعد‭ ‬الحزبية،‭ ‬وإما‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬قيادات‭ ‬مترددة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لإحراج‭ ‬خصوم‭ ‬سياسيين‭ ‬عبر‭ ‬الزج‭ ‬بأسمائهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬صفقات‭ ‬انتقال‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬بعد،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مطروحة‭ ‬أصلا‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬تداعيات‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التشويش‭ ‬الإعلامي،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬برمته،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الفاعل‭ ‬الحزبي‭ ‬متهمًا‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬بـ«الترحال‮»‬‭ ‬و«الانتهازية‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬رسمي‭. ‬كما‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬جوٍّ‭ ‬من‭ ‬البلبلة‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات،‭ ‬وتفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬صراعات‭ ‬داخلية‭ ‬تغذيها‭ ‬الشكوك‭ ‬وسوء‭ ‬الفهم‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يختار‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭ ‬الصمت‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬الإشاعات،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الرد‭ ‬عليها‭ ‬يمنحها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تستحق‭ ‬من‭ ‬القيمة‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬يلجأ‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬نفي‭ ‬متأخر‭ ‬أو‭ ‬ملتبس،‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬منسوب‭ ‬الغموض‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يبدده‭.‬

وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬يبقى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف،‭ ‬يتلقى‭ ‬سيلًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأخبار‭ ‬غير‭ ‬المؤكدة‮»‬‭ ‬دون‭ ‬أدوات‭ ‬كافية‭ ‬للتمحيص،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬تواصل‭ ‬مؤسساتي‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأحزاب،‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ ‬فراغًا‭ ‬تملؤه‭ ‬الإشاعة‭ ‬بسرعة‭ ‬قياسية‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الإشاعة‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عرضٍ‭ ‬جانبيٍّ‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الانتقالات‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬فاعلًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬فيه،‭ ‬يُعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأوراق‭ ‬أحيانا،‭ ‬ويُربك‭ ‬الحسابات‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬لحظة‭ ‬الحقيقة،‭ ‬التي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تأتي‭ ‬متأخرة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬القصة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬استهلكت‭ ‬كل‭ ‬أغراضها‭.‬

تابعنا على الفيسبوك