تواصل معنا

سياسة

أدمغة طنجة في «المهجر» وعقليات «الشكارة» في المجالس.. لماذا ترفض كفاءات «البوغاز» دخول مستنقع الانتخابات؟

دائما‭ ‬ما‭ ‬وُصفت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬خزان‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يَنضُب‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬والأطر‭ ‬التي‭ ‬بصمت‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬الجامعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬من‭ ‬مهندسين‭ ‬في‭ ‬وكالات‭ ‬فضاء‭ ‬عالمية‭ ‬إلى‭ ‬خبراء‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بـ«وول‭ ‬ستريت‮»‬،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬دكاترة‭ ‬يشار‭ ‬إليهم‭ ‬بالبنان‭ ‬في‭ ‬كبريات‭ ‬عواصم‭ ‬القرار‭ ‬العالمي‭.‬

لكن،‭ ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الإشعاع‭ ‬الدولي،‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يتردد‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬ساكنة‭ ‬‮«‬البوغاز‮»‬‭: ‬لماذا‭ ‬تغيب‭ ‬هذه‭ ‬الوجوه‭ ‬عن‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يرفض‭ ‬‮«‬علماء‭ ‬طنجة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬معترك‭ ‬الانتخابات‭ ‬تاركين‭ ‬الكراسي‭ ‬لـ«كائنات‮»‬‭ ‬انتخابية‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬مسايرة‭ ‬إيقاع‭ ‬المدينة‭ ‬‮«‬المونديالية»؟

إن‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬للمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المحلي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬‮«‬البيئة‭ ‬السياسية‮»‬‭ ‬الحالية‭ ‬تشكل‭ ‬أكبر‭ ‬طارد‭ ‬لهذه‭ ‬الكفاءات،‭ ‬فالعمل‭ ‬السياسي‭ ‬فيها‭ ‬أضحى‭ ‬‮«‬مغلقًا‮»‬‭ ‬ومحكومًا‭ ‬بمنطق‭ ‬الولاءات‭ ‬الضيّقة‭ ‬وسطوة‭ ‬‮«‬أصحاب‭ ‬الشكارة‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬إطار‭ ‬يحمل‭ ‬مشروعًا‭ ‬تنمويًّا‭ ‬حداثيًّا‭ ‬يصطدم‭ ‬بجدار‭ ‬سميك‭ ‬من‭ ‬البيروقراطية‭ ‬الحزبية‭. ‬فالكفاءات‭ ‬الطنجاوية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬تعودت‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬تسودها‭ ‬‮«‬الاستحقاقية‮»‬‭ ‬والوضوح،‭ ‬بينما‭ ‬يغلب‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الانتخابي‭ ‬المحلي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬‮«‬الغموض‮»‬‭ ‬والضرب‭ ‬تحت‭ ‬الحزام،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلى‭ ‬تفضيل‭ ‬خدمة‭ ‬مدينتهم‭ ‬عبر‭ ‬مبادرات‭ ‬مدنية‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬خاصة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مستنقع‮»‬‭ ‬الصراعات‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬العوامل‭ ‬السيكولوجية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬إكراهات‭ ‬واقعية‭ ‬وقانونية‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬القانون‭ ‬الانتخابي؛‭ ‬فالترشح‭ ‬يتطلّب‭ ‬إقامة‭ ‬فعلية‭ ‬وارتباطًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬بالدائرة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يستحيل‭ ‬على‭ ‬خبير‭ ‬يدير‭ ‬مشروعات‭ ‬دولية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬أو‭ ‬لندن‭ ‬أو‭ ‬دبي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الترسانة‭ ‬القانونية‭ ‬الحزبية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تفتقر‭ ‬لآليات‭ ‬مرنة‭ ‬تسمح‭ ‬لمغاربة‭ ‬العالم‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬مباشرةً،‭ ‬مما‭ ‬يحصر‭ ‬دورهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬الاستشارة‮»‬‭ ‬غير‭ ‬الملزمة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬التقرير‮»‬‭ ‬الفعلي،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬‮«‬الأعيان‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬أحكموا‭ ‬قبضتهم‭ ‬على‭ ‬الخارطة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬محوّلين‭ ‬الأحزاب‭ ‬إلى‭ ‬دكاكين‭ ‬موسمية‭ ‬تفتقر‭ ‬لأبسط‭ ‬آليات‭ ‬استقطاب‭ ‬النخب‭ ‬الواعدة‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الطلاق‭ ‬البائن‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطنجاوية‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬وتدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬بالمدينة،‭ ‬يكلف‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬للارتقاء‭ ‬لمصاف‭ ‬المدن‭ ‬الذكية‭. ‬

فبينما‭ ‬تضخ‭ ‬الدولة‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬يظلّ‭ ‬‮«‬العقل‭ ‬المدبر‮»‬‭ ‬لهذه‭ ‬المنشآت‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الجماعة‭ ‬والمقاطعات‭ ‬حبيس‭ ‬عقلية‭ ‬تقليدية‭ ‬متجاوزة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬‮«‬الرقمنة‮»‬‭ ‬وجلب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬يتقن‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬المهاجرون‭ ‬فك‭ ‬شفراتها‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬على‭ ‬قادة‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭: ‬متى‭ ‬سيُكسر‭ ‬هذا‭ ‬الحصار‭ ‬المضروب‭ ‬على‭ ‬الكفاءات؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬لوبيات‮»‬‭ ‬الانتخابات‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬‮«‬الأدمغة‮»‬‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لمصالحها‭ ‬ومواقعها‭ ‬التي‭ ‬عمَّرت‭ ‬طويلًا؟

تابعنا على الفيسبوك