تواصل معنا

آخر الأخبار

لحوم حمراء مجهولة المصدر ومواد غذائية منتهية الصلاحية تتسلل إلى الموائد.. هل يأكل الطنجاويون «طعامًا فاسدًا» في رمضان؟

حملات‭ ‬المداهمة‭ ‬تضبط‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬الخطيرة‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الثمن‭ ‬الرخيص‭ ‬والكميات‭ ‬الكبيرة

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬سنة،‭ ‬تتحوَّل‭ ‬أسواق‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬تعجُّ‭ ‬بالحركة‭ ‬الاستثنائية،‭ ‬حيث‭ ‬يتضاعف‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والأطعمة‭ ‬المعلبة،‭ ‬التي‭ ‬تُشكّل‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬الموائد‭ ‬الرمضانية‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬الموسمي‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬اختلالات،‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬حملات‭ ‬المراقبة‭ ‬المتتالية‭ ‬عن‭ ‬عودة‭ ‬مظاهر‭ ‬ترويج‭ ‬موادّ‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬يطرح‭ ‬علامات‭ ‬استفهام‭ ‬بشأن‭ ‬شبكات‭ ‬التزوّد‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬وحدود‭ ‬الردع‭ ‬الزجري،‭ ‬وتدفع‭ ‬للتساؤل‭ ‬بقلق‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يأكله‭ ‬الطنجاويون‭ ‬في‭ ‬رمضان؟

*اللحوم‭ ‬الحمراء‭.. ‬الخطر‭ ‬الأكبر

لا‭ ‬يكاد‭ ‬يحلّ‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬حتى‭ ‬يقف‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬تزايد‭ ‬معدّلات‭ ‬حجز‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬غير‭ ‬المتوافقة‭ ‬مع‭ ‬الضوابط‭ ‬الصحية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أيضًا‭ ‬هذه‭ ‬السنة،‭ ‬ففي‭ ‬23‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬وتزامنًا‭ ‬مع‭ ‬خامس‭ ‬أيام‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬أفضت‭ ‬عملية‭ ‬تفتيش‭ ‬ميدانية‭ ‬بحي‭ ‬المصلى‭ ‬إلى‭ ‬حجز‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬كيلوغرامًا‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء،‭ ‬التي‭ ‬تبيَّن‭ ‬أنَّها‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬لمعايير‭ ‬السلامة‭ ‬الصحية‭.‬

المعطيات‭ ‬المتوفرة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الكميات‭ ‬المضبوطة‭ ‬جُلِبت‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬أسبوعية‭ ‬خارج‭ ‬المسارات‭ ‬النظامية،‭ ‬ولم‭ ‬تخضع‭ ‬للفحص‭ ‬البيطري‭ ‬الإجباري‭ ‬داخل‭ ‬المجازر‭ ‬المعتمدة،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الختم‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬مراقبتها‭. ‬وبمجرد‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬المخالفات،‭ ‬جرى‭ ‬تفعيل‭ ‬مسطرة‭ ‬الحجز‭ ‬والإتلاف‭ ‬وفق‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬المعمول‭ ‬بها،‭ ‬مع‭ ‬تحرير‭ ‬محاضر‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬المتورطين‭ ‬تمهيدًا‭ ‬لاتِّخاذ‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬من‭ ‬تدابير‭.‬

وقبل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬بأسابيعَ‭ ‬قليلة،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬يناير‭ ‬الماضي،‭ ‬سجلت‭ ‬عملية‭ ‬أخرى‭ ‬بمنطقة‭ ‬‮«‬أهلا‮»‬‭ ‬حصيلة‭ ‬أكبر،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوزت‭ ‬الكمية‭ ‬المحجوزة‭ ‬140‭ ‬كيلوغرامًا‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬غير‭ ‬الصالحة‭ ‬للاستهلاك‭. ‬التحقيقات‭ ‬الأولية‭ ‬آنذاك‭ ‬كشفت‭ ‬أنَّ‭ ‬مصدر‭ ‬اللحوم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مجازر‭ ‬غير‭ ‬مرخصة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬شروط‭ ‬النقل‭ ‬والتخزين‭ ‬كانت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المعايير‭ ‬الصحية،‭ ‬بما‭ ‬يشكل‭ ‬خطرًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬على‭ ‬صحّة‭ ‬المستهلكين،‭ ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬حينها‭ ‬إتلاف‭ ‬الكميات‭ ‬المضبوطة‭ ‬وتحرير‭ ‬محاضر‭ ‬بالمخالفات‭.‬

تكرار‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬متقاربة،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬الاستعداد‭ ‬لرمضان،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬معزولًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬السوق،‭ ‬فالشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬يشهد‭ ‬عادة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملموسًا‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬اللحوم،‭ ‬سواء‭ ‬لتحضير‭ ‬أطباق‭ ‬تقليدية‭ ‬أو‭ ‬لتلبية‭ ‬دعوات‭ ‬الإفطار‭ ‬الجماعي،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ضغطًا‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬ويفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سلوكيات‭ ‬انتهازية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعويض‭ ‬النقص‭ ‬أو‭ ‬تعظيم‭ ‬الأرباح‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬شروط‭ ‬السلامة‭.‬

ويعزو‭ ‬بعض‭ ‬المهنيين‭ ‬الظاهرة‭ ‬إلى‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬بين‭ ‬اللحوم‭ ‬المراقبة‭ ‬داخل‭ ‬المجازر‭ ‬المعتمدة‭ ‬وتلك‭ ‬المتأتية‭ ‬من‭ ‬الذبيحة‭ ‬السرية،‭ ‬حيث‭ ‬تغري‭ ‬الكلفة‭ ‬المنخفضة‭ ‬بعض‭ ‬الوسطاء‭ ‬والتجار‭ ‬بالمغامرة‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني،‭ ‬والمقامرة‭ ‬بصحة‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يبحثون‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬عن‭ ‬كمية‭ ‬أكبر‭ ‬بثمن‭ ‬أقل،‭ ‬متجاهلين‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬المصدر‭.‬

والملاحظ‭ ‬أنَّ‭ ‬العمليات‭ ‬الأخيرة‭ ‬نفَّذتها‭ ‬لجان‭ ‬مختلطة‭ ‬ضمَّت‭ ‬ممثلين‭ ‬عن‭ ‬قسم‭ ‬الشؤون‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتنسيق‭ ‬بعمالة‭ ‬طنجة،‭ ‬وفرق‭ ‬المراقبة‭ ‬التابعة‭ ‬لـ«المكتب‭ ‬الوطني‭ ‬للسلامة‭ ‬الصحية‭ ‬للمنتجات‭ ‬الغذائية‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مصالح‭ ‬حفظ‭ ‬الصحة‭ ‬بالجماعة،‭ ‬وبدعم‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬المساعدة،‭ ‬وهذا‭ ‬التنسيق‭ ‬يعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬مؤسساتيًا‭ ‬بخطورة‭ ‬المرحلة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬وتيرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬يترافق‭ ‬أحيانًا‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬محاولات‭ ‬تمرير‭ ‬سلع‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬للضوابط‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭.‬

ويفرض‭ ‬القانون‭ ‬المغربي‭ ‬إلزامية‭ ‬إخضاع‭ ‬اللحوم‭ ‬الموجهة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬لمراقبة‭ ‬بيطرية‭ ‬دقيقة‭ ‬داخل‭ ‬مجازر‭ ‬مرخصة،‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬خاتم‭ ‬رسمي‭ ‬يثبت‭ ‬سلامتها،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬مسالك‭ ‬التزود‭ ‬الموازية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬أسبوعية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬وحدات‭ ‬ذبح‭ ‬غير‭ ‬معتمدة،‭ ‬تظلُّ‭ ‬ثغرةً‭ ‬تستغلها‭ ‬بعض‭ ‬الجهات،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬الكافي‭ ‬لدى‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬المستهلكين‭ ‬بأهمية‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬اللحوم‭ ‬والختم‭ ‬الصحي،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الموائد‭ ‬دون‭ ‬إثارة‭ ‬شكوك‭ ‬فورية‭.‬

اللافت‭ ‬أن‭ ‬الحملات‭ ‬المكثفة‭ ‬خلال‭ ‬رمضان‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬لحوم‭ ‬الأبقار‭ ‬والأغنام،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬مختلف‭ ‬المواد‭ ‬سريعة‭ ‬التلف،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬اللحوم‭ ‬تبقى‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسيةً‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬التسمّم‭ ‬الغذائي‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬

ويحذر‭ ‬أطباء‭ ‬ومهنيون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬سوء‭ ‬شروط‭ ‬التبريد‭ ‬أو‭ ‬الذبح‭ ‬خارج‭ ‬المعايير‭ ‬قد‭ ‬يُؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬تكاثر‭ ‬بكتيريا‭ ‬خطيرة،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬مضاعفات‭ ‬صحية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬والحوامل،‭ ‬وفي‭ ‬مدينة‭ ‬بحجم‭ ‬طنجة،‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬دينامية‭ ‬ديمغرافية‭ ‬وسياحية‭ ‬متنامية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أيَّ‭ ‬خللٍ‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬السلامة‭ ‬الغذائية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬أوسع‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تُؤكّد‭ ‬مصادر‭ ‬مهنية،‭ ‬أن‭ ‬تشديد‭ ‬المراقبة‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬هامش‭ ‬المناورة‭ ‬أمام‭ ‬شبكات‭ ‬الذبيحة‭ ‬السرية‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنوات‭ ‬سابقة،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬المعركة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مفتوحة‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب،‭ ‬ارتفعت‭ ‬شهية‭ ‬بعض‭ ‬المتلاعبين‭.‬

ويبرز‭ ‬هنا‭ ‬دور‭ ‬المقاربة‭ ‬الاستباقية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تكثيف‭ ‬الدوريات‭ ‬قبل‭ ‬رمضان‭ ‬بأسابيع،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬حملات‭ ‬تحسيسية‭ ‬مُوجّهة‭ ‬للمستهلكين‭ ‬لحثهم‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬اللحوم‭ ‬من‭ ‬محلات‭ ‬معروفة‭ ‬والتأكُّد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬الختم‭ ‬البيطري‭.‬

كما‭ ‬يطرح‭ ‬تكرار‭ ‬ضبط‭ ‬كمّيات‭ ‬مهمّة‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الفاسدة‭ ‬سؤالًا‭ ‬بشأن‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬ومراقبة‭ ‬نقط‭ ‬الذبح‭ ‬خارج‭ ‬المدار‭ ‬الحضري،‭ ‬فبعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬آليات‭ ‬التتبّع،‭ ‬من‭ ‬المزرعة‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬البيع،‭ ‬وتغليظ‭ ‬العقوبات‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬المخالفين،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬كلفة‭ ‬المخاطرة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬المحتملة‭. ‬ويرى‭ ‬متتبّعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬أن‭ ‬المقاربة‭ ‬الزجرية،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتكامل‭ ‬مع‭ ‬إصلاحات‭ ‬بنيوية‭ ‬تشمل‭ ‬تأهيل‭ ‬المجازر،‭ ‬وضبط‭ ‬الأسواق‭ ‬الأسبوعية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬الوسطاء‭. ‬وتكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬رمضان،‭ ‬وخلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬الصيام،‭ ‬عن‭ ‬منحى‭ ‬مقلق‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬محاولات‭ ‬متجدّدة‭ ‬لترويج‭ ‬موادّ‭ ‬غذائية‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭.‬

ورغم‭ ‬تدخل‭ ‬اللجان‭ ‬المشتركة‭ ‬وحجز‭ ‬مئات‭ ‬الكيلوغرامات‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬وإتلافها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الرهان‭ ‬يظل‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬استدامة‭ ‬المراقبة‭ ‬خارج‭ ‬الطابع‭ ‬الموسمي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬وعي‭ ‬المستهلك‭ ‬بدوره‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬صحته،‭ ‬فسلامة‭ ‬المائدة‭ ‬الرمضانية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬وفرة‭ ‬العرض،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬قبل‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬باحترام‭ ‬المعايير‭ ‬الصحية‭ ‬والالتزام‭ ‬الصارم‭ ‬بالقانون‭.‬

*الأغذية‭ ‬المعلبة‭.. ‬طلب‭ ‬كثير‭ ‬وخطر‭ ‬كبير

وتعزَّزت‭ ‬الصورة‭ ‬ذاتها‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬رمضان،‭ ‬حين‭ ‬كشفت‭ ‬تدخلات‭ ‬ميدانية‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬امتدادات‭ ‬أوسع‭ ‬لشبكات‭ ‬الاتّجار‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬ضواحي‭ ‬طنجة،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬اللحوم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬للمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬المعلبة‭.‬

ففي‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬تمكَّنت‭ ‬عناصر‭ ‬الدرك‭ ‬الملكي‭ ‬بسرية‭ ‬اكزناية‭ ‬من‭ ‬مداهمة‭ ‬مستودع‭ ‬يُستعمل‭ ‬بوصفه‭ ‬نقطة‭ ‬لتجميع‭ ‬وتوزيع‭ ‬سلع‭ ‬مهربة‭ ‬وأخرى‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية،‭ ‬كانت‭ ‬مُوجّهة‭ ‬للترويج‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية،‭ ‬العملية‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬توقيف‭ ‬أربعة‭ ‬أشخاص‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تلبّس،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬المستودع‭ ‬ومساعداه،‭ ‬بعد‭ ‬ضبط‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬المخزنة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تفتقر‭ ‬لأبسط‭ ‬شروط‭ ‬السلامة‭ ‬الصحية‭.‬

المعطيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالملف‭ ‬أظهرت‭ ‬أنَّ‭ ‬السلع‭ ‬المحجوزة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فقط‭ ‬خارج‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مسالك‭ ‬الاستيراد‭ ‬أو‭ ‬التوزيع،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬جزءًا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬منها‭ ‬كان‭ ‬يُشكّل‭ ‬خطرًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬على‭ ‬المستهلكين‭ ‬بسبب‭ ‬انتهاء‭ ‬مدة‭ ‬صلاحيته‭ ‬أو‭ ‬تعرُّضه‭ ‬لظروف‭ ‬تخزين‭ ‬غير‭ ‬ملائمة‭. ‬وبأمر‭ ‬من‭ ‬النيابة‭ ‬العامة،‭ ‬جرى‭ ‬إشعار‭ ‬مصالح‭ ‬المكتب‭ ‬الوطني‭ ‬للسلامة‭ ‬الصحية‭ ‬للمنتجات‭ ‬الغذائية‭ ‬لمعاينة‭ ‬المحجوزات‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬إتلافها،‭ ‬فيما‭ ‬وُضع‭ ‬الموقوفون‭ ‬تحت‭ ‬تدابير‭ ‬الحراسة‭ ‬النظرية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬بحث‭ ‬قضائي‭ ‬يروم‭ ‬تحديد‭ ‬باقي‭ ‬الامتدادات‭ ‬المحتملة‭ ‬للشبكة‭.‬

هذه‭ ‬الواقعة،‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬بأشهرَ‭ ‬قليلةٍ،‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬موازية‭ ‬لتخزين‭ ‬السلع‭ ‬الفاسدة‭ ‬أو‭ ‬المهربة،‭ ‬وهي‭ ‬بنية‭ ‬تنشط‭ ‬بوتيرة‭ ‬أعلى‭ ‬كلما‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬قبيل‭ ‬وخلال‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل،‭ ‬فوجود‭ ‬مستودعات‭ ‬سرية‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬قانونية‭ ‬يسمح‭ ‬بتجميع‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬وإعادة‭ ‬ضخّها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬البيع‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تقلَّص‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬المستهلك‭ ‬على‭ ‬التحقُّق‭ ‬من‭ ‬جودة‭ ‬ما‭ ‬يقتنيه‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬رمضان‭ ‬2026،‭ ‬انتقلت‭ ‬المقاربة‭ ‬من‭ ‬التدخلات‭ ‬الأمنية‭ ‬الصرفة‭ ‬إلى‭ ‬تعبئة‭ ‬إدارية‭ ‬موسعة،‭ ‬ففي‭ ‬يناير،‭ ‬كثَّفت‭ ‬اللجنة‭ ‬الإقليمية‭ ‬المختلطة‭ ‬المكلفة‭ ‬بمراقبة‭ ‬الأسعار‭ ‬وجودة‭ ‬المنتوجات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عمالة‭ ‬طنجة‭ – ‬أصيلة‭ ‬خرجاتها‭ ‬الميدانية،‭ ‬مستهدفة‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬الكبرى‭ ‬والأسواق‭ ‬التقليدية‭ ‬ومسالك‭ ‬التوزيع،‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة،‭ ‬التي‭ ‬تضمُّ‭ ‬ممثلين‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإدارية‭ ‬والصحية،‭ ‬وضعت‭ ‬ضمن‭ ‬أولوياتها‭ ‬تتبّع‭ ‬وضعية‭ ‬التموين،‭ ‬وضبط‭ ‬الأسعار،‭ ‬والتصدّي‭ ‬لكلّ‭ ‬أشكال‭ ‬المضاربة‭ ‬أو‭ ‬الاحتكار‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتفاقم‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬رمضان‭.‬

وخلال‭ ‬جولة‭ ‬رقابية‭ ‬بالسوق‭ ‬الكبير‭ ‬المعروف‭ ‬محليًّا‭ ‬بمنطقة‭ ‬‮«‬السوق‭ ‬دبرا‮»‬‭ ‬بساحة‭ ‬9‭ ‬أبريل،‭ ‬جرى‭ ‬تفقُّد‭ ‬عدد‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المحلات،‭ ‬شملت‭ ‬بائعي‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والبيضاء،‭ ‬والخضر‭ ‬والفواكه،‭ ‬وتجار‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭ ‬بالتقسيط‭ ‬والجملة،‭ ‬وأسفرت‭ ‬المعاينات‭ ‬عن‭ ‬حجز‭ ‬وإتلاف‭ ‬موادّ‭ ‬تُبيّن‭ ‬أنَّها‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬إما‭ ‬بسبب‭ ‬تجاوز‭ ‬تاريخ‭ ‬الصلاحية‭ ‬أو‭ ‬نتيجة‭ ‬تخزينها‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬معايير‭ ‬النظافة‭ ‬وسلسلة‭ ‬التبريد،‭ ‬وهذه‭ ‬العمليات‭ ‬تُؤكّد‭ ‬أنَّ‭ ‬الخلل‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اللحوم‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬أصنافٍ‭ ‬مُتعدّدةً‭ ‬يزداد‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها‭ ‬خلال‭ ‬رمضان‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬شددت‭ ‬المصالح‭ ‬الصحية‭ ‬الجهوية‭ ‬على‭ ‬أنَّها‭ ‬تعمل‭ ‬يوميًّا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اللجنة‭ ‬الإقليمية،‭ ‬مع‭ ‬تركيز‭ ‬خاص‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬تواريخ‭ ‬الصلاحية‭ ‬وظروف‭ ‬الحفظ،‭ ‬إدراكًا‭ ‬لحساسية‭ ‬المرحلة،‭ ‬كما‭ ‬احتضنت‭ ‬ولاية‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬اجتماعًا‭ ‬تنسيقيًّا‭ ‬ترأسه‭ ‬والي‭ ‬الجهة‭ ‬يونس‭ ‬التازي،‭ ‬خُصص‭ ‬لتدارس‭ ‬آليات‭ ‬ضمان‭ ‬تموين‭ ‬منتظم‭ ‬للأسواق‭ ‬والتصدي‭ ‬للممارسات‭ ‬المنافية‭ ‬للقانون،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬مزدوج،‭ ‬تأمين‭ ‬وفرة‭ ‬العرض‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومنع‭ ‬تسلل‭ ‬المنتجات‭ ‬الفاسدة‭ ‬أو‭ ‬المضاربات‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

الترابط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬الثلاث‭ “‬مداهمة‭ ‬مستودع‭ ‬للموادّ‭ ‬المهربة‭ ‬في‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وحجز‭ ‬كميات‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الفاسدة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬وفبراير،‭ ‬وتكثيف‭ ‬الجولات‭ ‬الرقابية‭ ‬قبيل‭ ‬رمضان‭” ‬يعكس‭ ‬دينامية‭ ‬موسمية‭ ‬تتكرر‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬فالشهر‭ ‬الفضيل،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬غذائية‭ ‬خاصّة‭ ‬وإقبال‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬السلع،‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬قد‭ ‬تستغلها‭ ‬شبكات‭ ‬منظمة‭ ‬أو‭ ‬تجار‭ ‬منفردون‭ ‬لتمرير‭ ‬بضائع‭ ‬لا‭ ‬تستوفي‭ ‬الشروط‭ ‬القانونية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الذبيحة‭ ‬السرية‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تخزين‭ ‬سلع‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية‭ ‬وإعادة‭ ‬عرضها‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬ضغط‭ ‬الطلب‭ ‬قد‭ ‬يغري‭ ‬بعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬بتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التوزيع‭ ‬دون‭ ‬احترام‭ ‬صارم‭ ‬لسلسلة‭ ‬التبريد‭ ‬أو‭ ‬شروط‭ ‬النقل،‭ ‬خصوصًا‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالموادّ‭ ‬سريعة‭ ‬التلف،‭ ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬يقظة‭ ‬دائمة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬بعض‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬إلى‭ ‬منفذ‭ ‬لتصريف‭ ‬مخزونات‭ ‬راكدة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬الإقبال‭ ‬وصعوبة‭ ‬المراقبة‭ ‬الشاملة‭ ‬لكل‭ ‬المعاملات‭ ‬اليومية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تُوحي‭ ‬التعبئة‭ ‬المؤسساتية‭ ‬الأخيرة‭ ‬بأنَّ‭ ‬السلطات‭ ‬باتت‭ ‬تعتمد‭ ‬مقاربة‭ ‬استباقية‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬أمني‭ ‬وصحي‭ ‬وإداري‭ ‬متكامل،‭ ‬وعلى‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬المراقبة‭ ‬ليشمل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬جودة‭ ‬المنتجات،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬شفافية‭ ‬الأسعار‭ ‬ومسالك‭ ‬التوزيع،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬ضبط‭ ‬كميات‭ ‬مهمّة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الفاسدة‭ ‬أو‭ ‬المُهرّبة‭ ‬يبرز‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬لم‭ ‬تُستأصل‭ ‬بعد،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الشبكات‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬هوامش‭ ‬الإفلات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يتيحها‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬الموسمي‭ ‬للأسواق‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬رمضان‭ ‬مناسبة‭ ‬لتعزيز‭ ‬قيم‭ ‬التضامن‭ ‬والتكافل،‭ ‬فإنّه‭ ‬يتحوَّل‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لنجاعة‭ ‬منظومة‭ ‬السلامة‭ ‬الغذائية،‭ ‬فالمعادلة‭ ‬الدقيقة‭ ‬بين‭ ‬وفرة‭ ‬التموين،‭ ‬واستقرار‭ ‬الأسعار،‭ ‬وضمان‭ ‬الجودة‭ ‬الصحية،‭ ‬تظل‭ ‬رهانًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬يتطلَّب‭ ‬يقظةً‭ ‬مُستمرّةً،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬اللجان‭ ‬المختلطة،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المستهلكين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬عبر‭ ‬التحقُّق‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬المنتجات‭ ‬وتواريخ‭ ‬صلاحيتها‭ ‬والإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬اختلالات‭ ‬محتملة‭.‬

*فخ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الثمن‭ ‬المناسب

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬مستودعات‭ ‬التخزين‭ ‬السري‭ ‬ومسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬غير‭ ‬القانونية،‭ ‬برزت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬ظاهرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬تتمثَّل‭ ‬في‭ ‬الانتشار‭ ‬المتزايد‭ ‬لمحلات‭ ‬بيع‭ ‬المنتجات‭ ‬المعلبة‭ ‬منخفضة‭ ‬الثمن‭ ‬ومجهولة‭ ‬المصدر‭ ‬أحيانًا،‭ ‬هذه‭ ‬الفضاءات،‭ ‬التي‭ ‬تُقدّم‭ ‬نفسها‭ ‬بوصفها‭ ‬بديلًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬للمتاجر‭ ‬الكبرى،‭ ‬تستقطب‭ ‬شريحةً‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬حيث‭ ‬يرتفع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتتضاعف‭ ‬لائحة‭ ‬المشتريات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمائدة‭ ‬الرمضانية‭.‬

الإقبال‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المحلات‭ ‬خلال‭ ‬رمضان‭ ‬يجد‭ ‬تفسيره‭ ‬في‭ ‬عاملين‭ ‬أساسيين،‭ ‬الوفرة‭ ‬وانخفاض‭ ‬الأسعار،‭ ‬فالمستهلك‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬تشكيلةً‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬المعلبات،‭ ‬العصائر،‭ ‬البسكويتات،‭ ‬المعجنات،‭ ‬المواد‭ ‬الحليبية،‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية،‭ ‬والحلويات،‭ ‬بثمن‭ ‬يقل‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬عن‭ ‬نظيره‭ ‬في‭ ‬المساحات‭ ‬التجارية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وبالنسبة‭ ‬لأسر‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬متوسّطة‭ ‬الدخل،‭ ‬يشكل‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬السعري‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬ميزانية‭ ‬الشهر،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الموادّ‭ ‬الغذائية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬السريع‭ ‬يرافقه،‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬حالات،‭ ‬جدل‭ ‬حول‭ ‬مصدر‭ ‬السلع‭ ‬المعروضة‭ ‬ومدى‭ ‬احترامها‭ ‬للمعايير‭ ‬الصحية،‭ ‬فبعض‭ ‬المنتجات‭ ‬تثير‭ ‬شكوكًا‭ ‬بشأن‭ ‬مصداقية‭ ‬تواريخ‭ ‬انتهاء‭ ‬صلاحيتها،‭ ‬أو‭ ‬بشأن‭ ‬ظروف‭ ‬استيرادها‭ ‬ومسالك‭ ‬دخولها‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الوطنية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬طريقة‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬السلع‭ ‬وتخزينها‭ ‬داخل‭ ‬المستودعات‭ ‬أو‭ ‬نقاط‭ ‬البيع،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬باحترام‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬والرطوبة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬دائمًا‭ ‬مطابقة‭ ‬للضوابط‭ ‬المعمول‭ ‬بها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬المنتوج‭ ‬وسلامته‭.‬

وسبق‭ ‬لسلطات‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬أن‭ ‬شددت،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حملات‭ ‬مداهمة‭ ‬سابقة،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التزام‭ ‬هذه‭ ‬المحلات‭ ‬بعرض‭ ‬منتجات‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬المدة‭ ‬المتبقية‭ ‬من‭ ‬صلاحيتها‭ ‬عن‭ ‬شهرين،‭ ‬تفاديًا‭ ‬لتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬لتصريف‭ ‬مخزونات‭ ‬قريبة‭ ‬الانتهاء،‭ ‬كما‭ ‬تمّ‭ ‬خلال‭ ‬جولات‭ ‬مراقبة‭ ‬متفرقة‭ ‬حجز‭ ‬كميات‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬لعدم‭ ‬استجابتها‭ ‬لشروط‭ ‬السلامة‭ ‬الصحية،‭ ‬خصوصا‭ ‬الزيوت‭ ‬والمعلبات،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬انتهاء‭ ‬الصلاحية‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬التخزين‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬المعطيات‭ ‬الكافية‭ ‬حول‭ ‬المصدر‭.‬

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬الدور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تؤديه‭ ‬هذه‭ ‬المتاجر‭ ‬لفائدة‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬فهي‭ ‬توفر‭ ‬بديلا‭ ‬أقل‭ ‬كلفة،‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬العرض‭ ‬داخل‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬وشبه‭ ‬الحضرية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يظل‭ ‬رهينًا‭ ‬بالالتزام‭ ‬الصارم‭ ‬بضوابط‭ ‬الشحن‭ ‬والتخزين‭ ‬والعرض،‭ ‬وبخضوع‭ ‬هذه‭ ‬الفضاءات‭ ‬لمراقبة‭ ‬دورية‭ ‬ومنتظمة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المصالح‭ ‬المختصة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭ ‬وحماية‭ ‬صحته،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حسّاسة‭ ‬كرمضان‭ ‬حيث‭ ‬تتضاعف‭ ‬المخاطر‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬وتيرة‭ ‬الاستهلاك‭.‬

تابعنا على الفيسبوك