ثقافة
عمي علي.. حين تنتصر الكلمة الطنجاوية على التفاهة بابتسامة
في وقتٍ أصبحت فيه التفاهة مادة يومية تتصدّر المشهد الثقافي وتستحوذ على حيزٍ واسعٍ من المحتوى المتداول في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تُختزل الثقافة في مشاهد عابرة وخطابات فارغة، تبرز بين الحين والآخر استثناءاتٌ جميلةٌ تحاول إعادة الاعتبار للفنّ والمعرفة، وتعيد قطار الثقافة إلى سكته الحقيقية، ولو بوسائل بسيطة لكنها صادقة.
في مدينة طنجة، وخلال الأشهر الأخيرة من سنة 2025، برزت على منصات التواصل الاجتماعي شخصية إفتراضية تحمل اسم «عمي علي»، استطاعت في وقت وجيز أن تجذب انتباه المتابعين، وأن تفرض نفسها كظاهرة ثقافية رقمية مختلفة.
شخصية تبدو -في ظاهرها- هزلية وخفيفة الظل، لكنها تحمل في عمقها مشروعًا ثقافيًا واضح المعالم، يرتكز على إعادة إحياء المصطلحات الطنجاوية القديمة، وشرحها بأسلوب بسيط وساخر يصل إلى مختلف الفئات العمرية بسهولة وسلاسة.
«عمي علي» ليست مجرد شخصية إفتراضية عابرة، بل هي مرآة لذاكرة المدينة ولسان حال جيل عاش تحوّلات طنجة الاجتماعية واللغوية، من خلال حلقات قصيرة، يقدّم «عمي علي» كلماتٍ وعباراتٍ كانت متداولة في الأزقة والأسواق والمقاهي الطنجاوية، ويُوضّح معانيها وسياقات استعمالها، في قالب فكاهي يجعل المتلقي يضحك، وفي الوقت نفسه يستحضر جزءًا من هوية المدينة التي بدأت تتوارى أمام زحف اللهجات الدخيلة وثقافة الاستهلاك السريع.
هذه السلسلة هي من إبداع الصحفي والروائي الطنجاوي الشاب عبد الواحد استيتو، الذي اختار أن يخاطب الجمهور بلغة قريبة منهم، مستثمرًا قوة الصورة وسرعة الانتشار التي توفرها المنصات الرقمية، دون السقوط في فخ المحتوى السطحي، وقد أكَّد صاحب السلسلة أن «عمي علي» حقّق أزيد من 12 مليون مشاهدة، وهو رقم يعكس حجم التفاعل والقبول الذي لقيته هذه التجربة لدى الساكنة، وخصوصًا فئة الشباب.
نجاح «عمي علي» يكشف أن الجمهور، رغم ما يُقال عن هيمنة التفاهة، لا يزال متعطشًا لمحتوى يحمل معنى وقيمةً، شريطة أن يُقدَّم بأسلوب ذكي وغير متعالٍ. فاللغة الهزلية هنا لم تكن غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لإيصال رسالة ثقافية، مفادها بأنَّ الهوية المحلية يمكن أن تعيش وتستمر، حتَّى داخل الفضاء الرقمي السريع والمتقلب.
وسط ضجيج المحتوى الفارغ، تأتي تجربة «عمي علي» لتُؤكّد أنَّ الثقافة لا تحتاج دائمًا إلى منصات ضخمة أو خطابات معقدة، بل إلى فكرة صادقة، وإلى مبدعٍ يعرف كيف يصالح الناس مع ذاكرتهم، ويجعلهم يبتسمون وهم يستعيدون جزءًا من أنفسهم.
هكذا، تتحول شخصية بسيطة إلى فعل مقاومة ثقافية ناعم، يعيد للكلمة الطنجاوية بعضًا من بريقها، ويثبت أن الفنَّ حين يكون قريبًا من الناس، يكون أقدر على البقاء والانتشار.


