تواصل معنا

إقتصاد

ماذا لو عاد أبناء طنجة من النخب المهاجرة؟ سؤال يعيد رسم خريطة التنمية الممكنة

في‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭ ‬تتصاعد‭ ‬فيها‭ ‬النقاشات‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬التنمية‭ ‬بطنجة،‭ ‬يطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬سؤال‭ ‬ظل‭ ‬معلقًا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬عادت‭ ‬النخب‭ ‬الطنجاوية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالخارج‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬مدينتها؟‭ ‬سؤال‭ ‬يكتسب‭ ‬اليوم‭ ‬وزنًا‭ ‬أكبرَ،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المدينة،‭ ‬وتزايد‭ ‬شعور‭ ‬جزءٍ‭ ‬واسعٍ‭ ‬من‭ ‬ساكنتها‭ ‬بأن‭ ‬وتيرة‭ ‬التنمية‭ ‬بدأت‭ ‬تفقد‭ ‬بريق‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬

طنجة،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬للمغرب،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬غريبة‭ ‬يوما‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الهجرة‭. ‬فهذه‭ ‬المدينة،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬وحدودها‭ ‬المائية،‭ ‬صدّرت‭ ‬أجيالًا‭ ‬من‭ ‬الطلبة،‭ ‬الباحثين،‭ ‬المهندسين،‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال،‭ ‬المثقفين،‭ ‬والفنانين‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬والخليج،‭ ‬ممَّن‭ ‬راكموا‭ ‬خبراتٍ‭ ‬وتجاربَ‭ ‬تُعَدّ‭ ‬اليوم‭ ‬رأسمالا‭ ‬بشريًّا‭ ‬قد‭ ‬يُعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬المشهد‭ ‬التنموي،‭ ‬لو‭ ‬تم‭ ‬استثماره‭ ‬بالشكل‭ ‬السليم‭.‬

*رأسمال‭ ‬معرفي‭.. ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬المدينة

وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬غير‭ ‬رسمية،‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطنجاوية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالخارج‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬إطار‭ ‬موزعين‭ ‬بين‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬الدولية‭ ‬وشركات‭ ‬عالمية‭ ‬كبرى‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬حضورهم‭ ‬داخل‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭ ‬المحلي‭ ‬يبقى‭ ‬محدودًا،‭ ‬بل‭ ‬يكاد‭ ‬ينعدم‭ ‬باستثناء‭ ‬مبادرات‭ ‬فردية‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناسبات‭ ‬أو‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬للاستمرار‭.‬

النخب‭ ‬الطنجاوية‭ ‬التي‭ ‬هاجرت،‭ ‬جزء‭ ‬منها،‭ ‬بسبب‭ ‬أزمة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬المحلية،‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬العودة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خطوة‭ ‬جغرافية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬توفر‭ ‬شروط‭ ‬العمل‭ ‬والابتكار‭.‬

وهي‭ ‬شروط‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تصطدم‭ ‬ببيروقراطية‭ ‬متجذّرة،‭ ‬وضعف‭ ‬الحكامة،‭ ‬وتنازع‭ ‬الاختصاصات‭ ‬بين‭ ‬المؤسَّسات،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستقبال‭ ‬الخبرات‭ ‬العائدة‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭.‬

*طنجة‭.. ‬مدينة‭ ‬تتغير‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬مؤسساتها

الواقع‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬تعيش‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬مفارقة‭ ‬واضحة‭: ‬مشاريع‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والاستثمار،‭ ‬مقابل‭ ‬هشاشة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتأخّر‭ ‬في‭ ‬التنشيط‭ ‬الثقافي،‭ ‬وضعف‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬النخب‭ ‬المحلية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬التأطير‭ ‬والتسيير‭.‬

*عودة‭ ‬النخب‭ ‬المهاجرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُحدث‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الميزان‭ ‬المختل

فمهندس‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬أوروبية‭ ‬قد‭ ‬يُقدّم‭ ‬حلولًا‭ ‬لوجستية‭ ‬مبتكرة‭ ‬للمناطق‭ ‬الصناعية،‭ ‬وأستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬الأعمال‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المقاولات‭ ‬والجامعة،‭ ‬ومختص‭ ‬في‭ ‬الحكامة‭ ‬يمكنه‭ ‬وضع‭ ‬نماذج‭ ‬تدبيرية‭ ‬متقدمة‭ ‬للجماعات‭ ‬الترابية‭.‬

لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقّق‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ويتم‭ ‬تجاوز‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬الولاءات‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يسد‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬الكفاءات‭ ‬المستقلة،‭ ‬ويعطل‭ ‬كل‭ ‬محاولة‭ ‬لدمج‭ ‬الخبرات‭ ‬العائدة‭ ‬في‭ ‬ورش‭ ‬التنمية‭.‬

*هل‭ ‬تحتاج‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬للكفاءات‭ ‬الطنجاوية‭ ‬بالخارج»؟

عدّة‭ ‬فعاليات‭ ‬مدنية‭ ‬وسياسية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لإحداث‭ ‬آلية‭ ‬رسمية‭ ‬تُعيد‭ ‬وصل‭ ‬الخيط‭ ‬بين‭ ‬المدينة‭ ‬وأبنائها‭ ‬بالخارج‭.‬

مقترح‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬للكفاءات‭ ‬الطنجاوية‭ ‬بالخارج‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُعاد‭ ‬طرحه‭ ‬اليوم‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط،‭ ‬قد‭ ‬يشكل‭ ‬منصة‭ ‬لتنسيق‭ ‬المشاريع،‭ ‬وإطلاق‭ ‬أفكار‭ ‬مبتكرة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬الثقافة،‭ ‬التقطير‭ ‬الإداري،‭ ‬والتكوين‭ ‬المهني‭.‬

هيئات‭ ‬مماثلة‭ ‬أثبتت‭ ‬فعاليتها‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬متوسطية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬برشلونة‭ ‬ومرسيليا،‭ ‬حيث‭ ‬أدَّت‭ ‬الجاليات‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتعزيز‭ ‬الانفتاح‭ ‬الثقافي‭.‬

طنجة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬الشعارات،‭ ‬بقدر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬ثقة‭ ‬يعيد‭ ‬وصل‭ ‬المدينة‭ ‬بأبنائها‭ ‬المنتشرين‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭. ‬فعودة‭ ‬النخب‭ ‬ليست‭ ‬حلمًا‭ ‬رومانسيًّا،‭ ‬بل‭ ‬مشروعًا‭ ‬قابلًا‭ ‬للتحقّق‭ ‬إذا‭ ‬وُجدت‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية،‭ ‬وتم‭ ‬خلق‭ ‬فضاء‭ ‬مؤسساتي‭ ‬يستوعب‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬ويوجهها‭ ‬نحو‭ ‬أولويات‭ ‬حقيقية‭.‬

تابعنا على الفيسبوك