مجتمع
مهن غادرت مع صناديق الاقتراع.. حـين تطـوي الانتخـابات أشرعتها وتـتـرك «أصحاب الصنائع الموسمية» للانتظار
مع إسدال الستار على كل استحقاق انتخابي وطني، وطرق صندوق الاقتراع لآخِر أوراق التصويت، لا تنتهي فقط الحمى السياسية بين الأحزاب والرموز، بل تنتهي معها حياة كاملة كانت تنبض في الأزقة والساحات العامة.
حياة قوامها مهن موسمية وانتعاشة اقتصادية عابرة، وُلدت مع انطلاق الحملة الانتخابية، ولم تلبث أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بمجرد إعلان النتائج الرسمية وصمت ميكروفونات المهرجانات الخطابية.
في أزقة المدن العتيقة وشوارعها الكبرى، كانت «الانتخابات» بمنزلة غيث ينتظره المئات من الشباب والمهنيين الذين يعانون وطأة البطالة أو ركود الأسواق.
لكنَّ المشهد اليوم ينقلب رأسا على عقب؛ فالشوارع التي كانت تعج قبل أيام بالألوان والشعارات المتنافسة، أضحت تسترجع هدوءها الساكن، مخلّفة وراءها أسئلةً حارقة لدى فئات وجدت في الاستحقاق الانتخابي «فرصة عمل» مؤقتة سرعان ما انقضت.
من بين أبرز هذه المهن التي طُويت صفحاتها، يبرز «خطاطو وموزعو الملصقات». هؤلاء الذين سهروا الليالي في إعداد المطبوعات ولصق الجداريات وتوزيع مناشير البرامج السياسية على المارة وفي المحلات. بالنسبة لهم، كانت فترة الحملة خريطة طريق لدخل يومي أنعش جيوبهم، لكن الانتهاء من عملية الاقتراع يعيدهم فورًا إلى نقطة الصفر، حيث تسقط البطاقات وتُمحى الصور من الجدران.
وعلى المنوال نفسه، تتوقف «طواقم المكبرات الصوتية وسائقو سيارات الدعاية». أولئك الذين جابوا الأحياء طولا وعرضًا، يعزفون الأناشيد الشعارية ويذيعون الخطب عبر مكبرات الصوت المنصوبة فوق أسطح السيارات. بانقضاء يوم الاقتراع، تُفكك أجهزة الصوت، وتُنزع المكبّرات، وتعود السيارات إلى حركتها العادية، ليجد أصحابها أنفسهم أمام فراغ تام بعد أيام من النشاط الدؤوب.
ولا ينحصر الأمر في الشارع؛ بل يمتد إلى مهن تنظيمية وفنية أخرى، كـ«مؤجري ومجهزي الخيام ومنصات الخطابات»، الذين اشتغلت ورشهم بطاقتها القصوى لإعداد مقرات الحملات وصالات الاجتماعات. ومع إغلاق المكاتب، حزمت هذه الفئات معداتها، وطوت خيامها لتلتحق بركب المنتظرين لمناسبات قادمة. ناهيك عن «الحراس الأمنيين المؤقتين» و«أطقم التموين والإطعام» التي كانت تؤمن الوجبات اليومية للفرق الميدانية للمرشحين.
إنها مفارقة الاستحقاقات الانتخابية؛ ففي الوقت الذي يتجه فيه الفائزون نحو المقاعد والمناصب لاستلام مهامهم الجديدة، يعود «جنود الظل» الذين أثثوا المشهد الانتخابي إلى روتينهم اليومي، محملين ببعض المكتسبات المالية العابرة ومواجهين واقعًا لا يرحم من انتظارات الحياة اليومية.
تطوى أوراق الاقتراع، وتنسحب العاصفة السياسية، وتبدأ المدن تنظيف شوارعها من بقايا الأوراق الملونة، فيما يظل السؤال المعلق في أذهان هؤلاء المياومين: كيف يمكن تحويل هذه الطاقات الشابة والمهنية من مجرد استثمار موقوت في المواسم السياسية، إلى موئل دائم في الدورة الاقتصادية الوطنية؟


