القانون والناس
واقع الكراء من الباطن.. أي قانون يحمي صاحبه؟
قبل أزمة «كورونا» الَّتِي أثَّرت بشكلٍ سلبيٍّ في جميع طبقات المجتمع، خصوصًا المتوسطة، انتشرت ظاهرةُ القروض لإنشاء مشاريع صغرى للشباب بدعم من السلطات والمجتمع السياسي للنهوض باقتصاد المملكة وخفض معدل البطالة، خاصّةً وسط الشباب، الأمر الَّذِي أسفر عن طلب قروض من مختلف مؤسَّسات الفروض الصغرى أو البنوك دون الإلمام بما سيؤول إليه وضعية المشروع، وأغلبهم اكترى محلاتٍ تجاريةً لهَذِهِ المشاريع.
وحيث إنَّ العقود من أهمّ التصرَّفات الَّتِي يتم القيام بها، ويفترض فيها -من زاوية المبدأ- أن تُعبّر عن إرادة أطرافها بشأن إنشاء أو تعديل أو إنهاء المراكز القانونيّة، ولعلّ أهم هَذِهِ العقود من زاوية التطبيقات العملية، عقد الكراء سواء كان مدنيًا أم تجاريًا.
باستقرائنا المادة (627) من ظهير الالتزامات والعقود المغربي، فإنّه ينص على أنَّه: «عقد بمقتضاه يمنح أحد طرفيه للآخر منفعة منقول أو عقار، خلال مدة معينة في مقابل أجرة محدّدة يلتزم الطرف الآخر بدفعها له». مما يتبين لنا أنَّ أطراف عقد الكراء الأساسيين، هما المكري والمكتري، الَّذِي خصّص له المُشرّع قانون (16-49) حماية عملية تجلت بالأساس في بثّ بعض جوانب الحماية، الَّتِي وفرها لطرفي العقد بصفة عامة والمكتري على سبيل التخصيص، الَّتِي تُعدُّ من مداخل تجاوز الأزمة الكرائية ومنها أزمة السكن.
فما هي إذن أهمّ جوانب الحماية، الَّتِي تضمنها القانون رقم (49.16) لصالح المكتري في عقد الكراء التجاري؟ عند إبرامه وعند سريانه وكذا عند إنهائه، من بين هَذِهِ الحماية كراء المحل من الباطن.
يُعدُّ الكراء من الباطن أحد أهمّ المؤسَّسات القانونيّة، الَّتِي تقوم على عناصر أصلية وأخرى فرعية، حيث نجدُ أنَّ المكتري الأصلي يصبح مكريًا فرعيًّا لمكتري فرعي من الباطن، غير أنَّ المادّة (24) من قانون (16-49) نصّت على وجوب إخبار المكري الأصلي بهَذَا التصرف حتى يكون ذا أثر.
وقد عزَّز القانون الجديد حماية المكتري، من خلال إعطائه حقّ الإشعار من طرف المكري، حين يعتزم القيام بأي إجراء في مواجهة الأول تحت طائلة عدم مواجهته به، بالإضافة إلى أنَّ المكتري الفرعي لا يمكنه التمسّك بأي شيء ضد المكتري الأصليّ، وهَذَا الأمر سيكون -لا محالة- له حماية للمصالح المالية للمكري الأصلي، أما فيما يخص حماية المكتري عند ممارسته بعضَ الأنشطة المكملة.
بالرجوع إلى المادة (22) نجد أنَّ المُشرّعَ سمح للمكتري بأن يمارس بعض الأنشطة المكملة أو المرتبطة بمجال عمله، وقد عزَّز هَذِهِ المسألة بحماية مركزه تتمثّل على وجوب إشعار المكري بموافقته على الممارسة، واعتبر سكوته موافقةً ضمنيةً، بعد انصرام شهرين من التوصّل، وتعزيزًا لأوجه الحماية، فإنّه في حالة رفض المكري هَذَا الأمر، أمكن للمكتري الرجوع إلى رئيس المحكمة بصفته قاضيًا للأمور المستعجلة، لإذنه له بممارسة النشاط أو الأنشطة، وما هَذَا الأمر إلا تكريس لحُرّية ممارسة النشاط التجاري ومسألة تطوير الأصل التجاري.
فبمَّ يخص الحق في تفويت الحق في الإيجار؟
كما لا يخفى على أحد أنَّ الحق في الإيجار يُعدُّ أحد أهم العناصر المعنوية للأصل التجاري حسب المادة (90) من مدونة التجارة الَّتِي تنص: «يشمل الأصل التجاري وجوبًا على… والحق في الكراء…»، وأنَّ الأصلَ التجاريَّ أخضعه المُشرّعُ المغربيُّ في مدونة التجارة للعديد من العمليات والتصرفات القانونية كالرهن والبيع.
وفي هَذَا الإطار وتماشيًا مع روح قانون التجارة، نصَّ أيضًا في المادة (25) من قانون (16-49) على أنّه: «يحق للمكتري في المادة (25) من (16-49) على «يحق للمكتري تفويت حق الكراء مع بقية عناصر الأصل التجاري أو مستقلًا عنه». وتتمثل هَذِهِ الحماية في كون، أنَّ التوثيق يجب أن يتمَّ بعقدٍ رسميٍّ أو عرفيّ ثابت التاريخ حسب المادة (25) الفقرة ما قبل الأخيرة، مع الإحالة إلى وجوب تضمين البيانات الواردة في المادة (81) من قانون ثم الموادّ (83 و189) من مدونة التجارة.
ومناط هَذَا الحق هو حماية مصلحة المكتري، باعتباره صاحب الأصل التجاري، هَذَا الأخير الَّذِي يتطلب أن يستمرَ؛ نظرًا لما يكون معه من التزامات على عاتق التاجر، منها حماية الدائنين والممولين الأساسيين للأصل التجاري.
إذن إذا كانت هَذِهِ بعض جوانب حماية المكتري في مرحلة ما قبل التعاقد، وخلال نفاذ العقد فماذا عن مصيره من خلال إنهائه؟


