تواصل معنا

مجتمع

مهنة لما لا مهنة له.. ظاهرة التسول اقتحمت «المؤسسات العمومية» بطنجة

لا يختلف اثنان أنَّ مدينة طنجة، الضاربة في القدم الَّتِي تُعدُّ مهد الحضارات، كيف لا وهي الَّتِي استقبلت الحضارة الإفريقيّة والرومانيّة والقرطاجيّة وغيرها، بدأت في السنوات الأخيرة تُسجّل ارتفاعًا مهولًا في نسبة المتسولين الَّتِي شملت جميع الفئات العمرية ومختلف الأجناس، إذ أصبح البعض يعتبرها مهنة وموردًا للرزق، يجب أن يُحافظ عليه، الأمر الَّذِي يعتبره البعض بالعادي، ما دام المدينة تعرف انفتاحًا كبيرًا وتوسعًا جغرافيًّا.

فأينما وليت وجهك في مدينة البوغاز، أو طنجيس أو طنجى، إلا ورصدت عيناك ظواهر كثيرة للمتسوّلين والمتسولات بثاني قطب اقتصادي بالمغرب، لدرجة تجعلك تشعر أنّك في مدينة مجردة بشكل نهائي من هويتها وثقافتها وحضارتها، فلا يمكن أن تطأ قدماك حيا أو شارعا بطنجة إلا ووجدت عددًا من المتسوّلين والمتسوّلات يرحبون بك، ويطالبونك بتوفير بعض الدريهمات لسد حاجياتهم، وقوتهم اليومي.

فالعديد أصبح يتوجّه إلى مدينة طنجة للاستقرار بها -بشكل نهائي- من أجل امتهانه مهنة التسوّل الَّتِي يدأب على ممارستها -بشكل دائم ويومي ومنتظم- إذ يُحدد طريقة التسول وهي بمنزلة طريقة الاشتغال، كما يحدد المكان المناسب والتوقيت المناسب أيضًا، الأمر الَّذِي يوضّح لممتهن التسول خارطة الطريق وتجعله يعرف أيضًا -وبشكل تقريبي- متوسط دخله اليومي، وهو في الغالب يفوق دخل مُوظّفي السلم الـ10، الَّذِي يبدأ أجرهم انطلاقًا من 5000 درهم في الشهر.

  • التسول يقتحم «المؤسسات العمومية» بطنجة

غير أنَّ الخطير في الأمر هو انتقال ظاهرة التسول، من الأحياء وبعض الشوارع إلى المؤسّسات العمومية، خصوصًا بعض المستشفيات بمدينة طنجة مثل: «المستشفى الجهوي محمد الخامس/ مستشفى بو عراقية المختص في داء السل/ وغيرها من المستشفيات…» إذ تجد داخل المستشفى أشخاصًا يستعطفون المرضى أو زوار المكان للحصول على النقود، فهَذِهِ الأماكن للأسف بدأت تطبع تدريجيًا مع هَذِهِ الظاهرة الَّتِي تنخر مجتمعنا، من طرف أشخاص أصبحوا يتقنون «مهنة التسول»، إذ يُسافرون من مدن بعيدة ليمارسوا هَذِهِ «المهنة» بمدينة طنجة.

جريدة «لاديبيش» رصدت أشخاصًا داخل بهو بعض المستشفيات بمدينة طنجة، يشتغلون فرصة انتظار المرضى لدورهم من أجل الفحص الطبي، لاستجدائهم واستعطافهم، خصوصًا أنَّهم يتظاهرون بالمرض، ويخترعون بعض القصص.

إنَّ اختراق مثل هَذِهِ الأماكن، لا يقتصر فقط على المستشفيات العمومية، بل حتّى على بعض المستشفيات الخاصة بمدينة طنجة، إذ تجد بعض المتسولين بقرب من محيطهم، ينتظرون زوّار هَذِهِ الأماكن لكي «يسلبوا» بطريقتهم بعضَ النقود. وأصبحنا، بطريقة -لا تدعو للشك في مدينة طنجة الجميلة مدينة السياحة والاقتصاد- نرصد حالات التسول أمام أبواب المساجد، خصوصًا عند صلاة ظهر يوم الجمعة وصلاة العصر من كل يوم، وفي بعض الأحيان داخل بعض المساجد مباشرة من انتهاء الصلاة، وبالمحطات النقل العمومي وأمام المؤسّسات التعليميَّة والأسواق وغيرها، بل أيضًا بعددٍ من الشواطئ، الأمر الَّذِي أصبح يُزعج المواطنين ويؤرق راحتهم.

  • اختراق المستشفيات والمساجد والشواطئ

ففي فترة الصيف وأنت تحاول الاستجمام في عددٍ من الشواطئ بمدينة طنجة العالية، لا يمكن إلا أن ترصد عيناك وكلّ يوم بعض الحالات لأشخاص يقفون أمامك يقطعون راحتك ومُطالبين منك أن تُساعدهم على ظروفهم، الغريب في الأمر أن هَؤُلَاءِ الأشخاص ستراهم كلَّ يوم وستسمع قصصهم ومبرراتهم الذاتية كلَّ يوم، الأمر الَّذِي يجعلك تكتشف أن هَؤُلَاءِ يمارسون مهنتهم أكثر من أي شيء آخر.

وفي هَذَا الصدد، جريدة «لاديبيش» حاولت فهم هَذِهِ الظاهرة، حيث استقت تصريحًا من طرف أحمد بن الكرمة، مختص في علم الاجتماع ومساعد اجتماعي، إذ أكَّد لنا في تصريح خاص: أنَّ «ظاهرة التسوّل تجتاح شوارعَ وطننا العزيز عموما ومدينة طنجة على وجع الخصوص لغايات كسب الرزق، وتتمثّلُ هَذِهِ الظاهرة بمحاولة المتسوّل كسْبَ عطفِ الناس وكرمِهم، وينتهج المتسولون عادةً أساليبَ استعطاف منها: افتعال الإصابة بعاهات، أو إرسال الأطفال، ونظرًا لكثرة المتسوّلين فقد أصبحت ظاهرة وليست مجرّدَ حدثٍ عابر، فقد امتلأت جنبات الطرق والأماكن العامّة بهم، بالإضافة إلى ما سبق، فقد يكون التسوّل بواسطة تقديم خِدْمات بسيطة، كمسح زجاج السيارة أو حمل الأكياس».

  • هذه أسباب استفحال ظاهرة التسول وعواملها

ويضيف ذات المصرح، أنَّ عددًا من الدراسات، أشارت إلى أنَّ الغالبية العظمى من المتسوّلين هم من الأطفال، دون الرابعة عشر من عمرهم، ومن النساء وتُعزى أسبابُ ظاهرة التسوّل بالدرجة الأولى إلى الفقر وتفشّي البطالة وقلة الحيلة، وبالتالي يدلّ على تخلّف البلد، ويُشار إلى أنّ نظرة المجتمع للتسّول تختلفُ من مكان لآخر.

ويسترسل بن الكرمة القول، إذ أشارتْ الدراسات البحثيّة إلى أنّ ظاهرة التسوّل، أصبحت بمنزلة مهنة يحترفها الآلاف وطنيًا والمئات بدل العشرات بطنجة؛ نتيجة الفقر المدقع، وأوضحت الدراسة بأنّ فئة الأطفال هي الفئة الأكثرُ امتهانًا لهَذِهِ المهنة، خاصّة مَن هم أقلّ من 12 سنة تقريبًا. الجدير بالذكر أنّ الدراسة كانت قد أجرتْها الرابطة المغربيّة لحماية الطفولة عام 2004م على عدد من المدن، من بينها طنجة، وقد كشفت في هَذِهِ الدراسة عن الأسباب الدافعة لامتهان ظاهرة التسوّل، ومن أهمِّها المشاكلُ الاجتماعية.

من جهته أكَّد بن رحال، في هَذَا الصدد، وهو أحد أبناء مدينة طنجة، أنَّ المدينة في وقت سابق لم تكن تعرف هَذِهِ الظاهرة، وحتى إن وُجدت فهي قليلة جدًا، لكن مع التوسع العمراني والجغرافي بدأت طنجة تستقطب عددًا من الأشخاص الَّذِينَ يمتهنون التسوّل، كيف لا وهم يوفرون قوت يومهم بطريقة سهلة. ويضيف المتحدث ذاته، الَّذِي خصّ «لاديبيش» بتصريحه: «فيكفي أن تتقن فنّ التسول والاستعطاف، حتّى تحصل على مبالغ مالية يصعب عليك الحصول عليها في بعض مهن أخرى».

ويؤكد الشخص نفسه، أنّه يُفرضُ على المجتمع بذلُ أقصى الجهود للتخلّص من أي ظاهرة سلبيّة مستفحلة في ثناياه، لذلك فيتطلّبُ من المجتمع المغربيّ إيجاد حلول جذريّة لظاهرة التسوّل الشائنة، الَّتِي قد تعمقّت جذورها في المجتمع، وأصبحت مظهرًا مسيئًا للبلاد، أمّا الزوار والسائحون المتوافدون إلى طنجة، لذلك يجب على جُلّ فعاليات المجتمع المدني وبتنسيق مع السلطات انتهاج أساليب للتخلّص من الظاهرة، ومن أهمّها:

  • القضاء على الفقر قدر الإمكان، بتوفير فرص عمل لمن هم أهلٌ له.
  • التخلّص من التهميش.
  • دمج الطفل المتسوّل بالبيئة المدرسيّة والتربويّة وإعادة تأهيله.
  • إنشاء بنية تحتيّة للخِدْمات الاجتماعيّة للأفراد بما فيهم الطبقة الفقيرة. إقامة الأنشطة وبرامج التشغيل المدرّة للدخل.

ويؤكد أنَّ كُلّ هَذَا ممكن، والدليل أنَّ مدينة إفران المغربية دون متسولين، فلا يمكن لك أن ترصد متسولًا واحدًا إلا في حالات الاستثناء، الأمر الَّذِي يُؤكّد أن محاصرة هَذِهِ الظاهرة ممكن وممكن للغاية، يكفي الرغبة والإرادة السياسية ونهج أساليب تخلصك من مثل هَذِهِ الظواهر الاجتماعية.

إنَّ مع استقبال طنجة عددًا من الظواهر العالمية والدولية والإفريقية سواء على المستوى الرياضي مثل منافسات كأس افريقيا لكرة القدم أو منافسات كأس العالم للأندية أو منافسات كأس العالم 2030، الَّذِي سيُقام بالمغرب -وبشكل تشاركي- مع إسبانيا والبرتغال، أو من خلال احتضان عددٍ من المنافسات العالمية في رياضات أخرى، أو محطات سياسية، لا يمكن ترك هَذِهِ الظاهرة تتوسع وتتمدد بالمدينة الجميلة.

وقد أصبحت طنجة ملجأ للمتسوّلين ليس المغاربة فقط، بل حتّى للأجانب، خصوصًا أفارقة جنوب الصحراء وبعض اللاجئين السوريين، مع تسجيل حالات قليلة لبعض الأجانب المنحدرين من الدول الأوروبيّة المجاورة.

 

 

تابعنا على الفيسبوك