آخر الأخبار
مشاريع مجلس الجهة.. بين التأخر والتعثر والإهمال الذي دفع الوالي إلى الانفجار
الأرقام تؤكد أن 73 مشروعًا بقي معلقًا.. والتعاقد بين الجهة والدولة يفرض تنزيل أوراش بـ5,8 ملايير درهم
على الرغم من أن جميع دورات مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، خلال الولاية الانتدابية الحالية، تشهد تقريبًا برمجة مشاريع جديدة بمئات الملايين من الدراهم، فإنَّ كثيرًا من الانتقادات تلاحق تلك الأوراش، إذ يرى سياسيّون وفاعلون مدنيون أن بعضها يظل حبرًا على ورق، وبعضها الآخر يسير بوتيرة بطيئة جدًّا، في ظل عدم قدرة الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع على مواكبتها بشكل فعّال.
هذا الانتقاد صدر على لسان والي الجهة يونس التازي نفسه، وضمنيًا اعترف رئيس الجهة بوجود خللٍ حقيقيٍّ في منظومة المشاريع، لكن من خلال هذا الملف نحاول الوقوف على حقيقة الأمر بالأرقام والمعطيات والمقارنات، لنحاول الوقوف على مكامن الخلل وحدود المسؤوليات.
مشاريع كثيرة وتأثير محدود
في دورة أكتوبر العادية لسنة 2025، نجد أن مجلس الجهة صادق على ميزانية السنة المالية الحالية 2026، التي تخطت حاجز 938 مليون درهم، بفضل تحسُّن المداخيل الذاتية، وخصوصًا حصة الجهة من المداخيل الضريبية والرسوم على الخِدْمات المُقدّمة في الموانئ، لكن مع ذلك تمّت المصادقة على طلب قروض جديدة من صندوق التجهيز الجماعي.
الغرض الأساسي من تلك القروض هو إنجاز مجموعة من المشاريع التي تهمّ الأمن المائي والربط بشبكة الكهرباء، وبالعودة إلى القائمة المعلنة، خلال هذه الدورة، نجد أنها تهمّ أيضًا المجال الاقتصادي والتنمية الترابية وإنجاز الطرق في عمالات طنجة-أصيلة والفحص – أنجرة والمضيق-الفنيدق وشفشاون والحسيمة، وهي كلها مجالات تطرح سؤال الفعالية بخصوص تلك المشاريع.
إقليم الفحص-أنجرة مثلا ما زال يعاني خصاصًا كبيرًا في مجال الطرق، يتَّضح بشكل ملموس في مجال جماعة القصر الصغير، التي يتمُّ استعمال محاورها الطرقية بشكل كبيرة نتيجة احتضانها المركب المينائي طنجة-المتوسط، في ظل تأخر مشروع تثنية الطريق الوطنية رقم (16) بين طنجة والقصر الصغير التي لم تصل إلى الآن لنهايتها، مع تخصيص غلاف مالي للشطر الأخير من المشروع الممتد على مسافة 11 كيلومترًا، بقيمة 242 مليون درهم.
وبالعودة إلى سنة 2023، نجد أن مجلس الجهة كان طرفًا في عقد البرنامج 2023 – 2027 الذي يربطه بوزارة التجهيز والماء، من أجل تنفيذ المشاريع الطرقية وتأهيل البنيات التحتية بقيمة مليار و775 مليون درهم، الذي تمت المصادقة عليه في دورة يوليوز العادية، بما يشمل 13 مشروعًا من بينها مشروع تثنية طريق طنجة القصر الصغير على مسافة 25 كيلومترًا، إلى جانب الطريق الجهوية 417 بين «كروشي الجيلالية» و«كروشي بلانكو» على مسافة أكثر من 50 كيلومترًا.
وفي المحصلة، فإنَّ مشاريع البرنامج تشمل جماعات طنجة والقصر الصغير والعرائش وتطوان وأمسا وشفشاون والحسيمة ووزان وواد لاو وقيادة الجبهة، غير أنَّ البطء في التنفيذ يبقى هو السمة المميّزة لتلك المشاريع إلى حدود الساعة، ومع ذلك فقد خُصّص اعتماد مالي جديد بقيمة مليار درهم، من أجل بناء وصيانة الطرق غير المصنفة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بعدها بسنتين، وتحديدًا في دورة يوليوز 2025، التي يفترض، وَفْق بنود الاتفاقية أن يُحدّد الإطار المؤسّساتي للإنجاز والتتبع والتقييم الخاص بها، والإمكانات البشرية والمادية لتمويل وإنجاز المشاريع المسطرة في أجل أقصاه 2027.
الأرقام تؤكد التأخر
القيام بقراءة موضوعية لسيرورة مشاريع مجلس الجهة، يتطلَّب العودة إلى العديد من الأرقام والمعطيات، ولا يوجد أفضل من تلك الصادرة عن عمر مورو، رئيس المجلس، التي تعود لشهر يناير من سنة 2025، بمناسبة مرور 3 سنوات من عمر الولاية الانتدابية للمجلس الحالي، التي انطلقت في أكتوبر من سنة 2024.
وحسب تقرير عرضه مورو، فإنَّ مجلس الجهة تعاقد بشأن أكثر من 160 مشروعًا فقط من أصل 233 مشروعًا مبرمجًا ضمن برنامج التنمية الجهوية 2022 – 2027، أي أنَّه إلى غاية منتصف الولاية على الأقل ظل 73 مشروعًا معلقا، في حين أنَّه وإلى غاية دورة يوليوز 2024، صُودق على هذه المشاريع كلها عبر 323 اتفاقية، تشمل اتفاقيات إطار واتفاقيات خاصة.
ويبلغ الغلاف المالي للمشاريع المصادق عليها ضمن هذه الاتِّفاقيات نحو 17,42 مليار درهم، أي ما يفوق 88% من الميزانية الإجمالية للبرنامج، المُقدّرة بـ19,65 مليار درهم، وفيما يخص المساهمة المالية لمجلس الجهة في هذه الاتفاقيات، فقد تجاوز مجموع الالتزامات 6,26 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 92% من المساهمة الماليّة المتوقّعة ضِمن برنامج التنمية الجهوية 2022 – 2027، والمحددة في 6,77 مليار درهم.
لكن وعلى مستوى الإنجاز المالي، فقد قامت الجهة إلى حدود بداية سنة 2025، وفق الأرقام التي عرضها مورو دائما، بصرف 2,65 مليار درهم ضِمن الاتفاقيات الموقعة، ما يُمثّل 42% من الالتزامات المالية المتخذة و29% من نسبة التقدُّم التقني الإجمالي للمشاريع، وهو جانب من الجوانب التي تُفسّر تذمر العديد من الأقاليم من تعثر المشاريع الخاصة بها.
عمر مورو، سيعود بعد ذلك بأشهر، وتحديدًا خلال دورة يوليوز 2025، أن تنزيل برنامج التنمية الجهوية 2024-2027 حقَّق «نسبا متقدمة في مجال جميع المشاريع»، دون الكشف عن أرقام محددة بخصوص تلك النسب، على الرغم من أن هذا التصريح سبق إتمام العام الرابع من ولاية مجلس الجهة الحالي، غير أنَّ ذلك يخفي معطى آخر، مفاده بأنَّ المشاريع الأكثر تقدُّمًا هي التي تكون فيها الجهة شريكا للدولة، وليست المشاريع الذاتية للمجلس.
وحسب مورو، فإنَّ أهم محاور برنامج التنمية الجهوية الذي انطلق في 2024، أصبحت اليوم تتوفر على الإطارات التعاقدية اللازمة لإنجازها، لكنه عاد وأضاف أن عقد البرنامج بين الدولة والجهة في صدارتها، الذي جرت المصادقة عليه خلال الدورة بصيغة معدلة استجابة لملاحظات وزارة الداخلية التي تُعدُّ الشريك الرئيسي والمحوري في تنزيل الجهوية المتقدّمة.
تعثر الأوراش على أرض الواقع
العديد من المشاريع التي من شأنها أن تخلق دينامية اقتصادية واجتماعية في مجال مختلف أقاليم وعمالات الجهة، التي تم الإعلان عنها رسميًّا من طرف رئيس المجلس، ما زالت إلى حدود اللحظة مجهولة المصير، على الرغم من أنها حظيت في البداية باهتمام إعلامي، قبل أن يتم السكوت عنها بشكل شبه تام بعد ذلك.
وفي ظل العدد الكبير من المشاريع المبرمة والمصادق عليها، يبقى السؤال الذي يطارد مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ليس هو الكم بل الفعالية وسرعة الإنجاز، فإذا كان من البديهي أن تصادق أحزاب الأغلبية والمعارضة على العديد من المشاريع بالإجماع، على اعتبار أنها نظريًّا تدخل ضِمن المصلحة العامة وفي نطاق ممارسة الجهة لاختصاصاتها الدستورية والقانونية، فإن معطيات واقعية تؤكد أن العديد منها تتحول في نهاية المطاف إلى حبر على ورق.
في دورة يوليوز 2025 مثلا، كشفت المستشارة عن حزب الاتِّحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فاطمة الزهراء الشيخي، أن المشاريع المبرمجة من طرف مجلس الجهة لفائدة إقليم تطوان، ثاني أكبر الأقاليم من حيث التعداد السكاني، تظل مجرد «سرد للاتفاقيات»، مبرزة أن تلك المداخلة هي الثالثة من نوعها خلال الولاية الانتدابية الحالية، التي تنبه فيها إلى هذه المشكلة، وتحتاج العديد من الأوراش إلى تدخل مباشر من الوالي يونس التازي لتجاوز التأخر الذي تعيشه.
المحور المكون من إقليم تطوان وعمالة المضيق-الفنيدق، هو أحد أكثر الفضاءات الجغرافية التي تطرح سؤال النجاعة حول مشاريع مجلس الجهة، على اعتبار أنه يعاني تبعات وقف التهريب المعيشي منذ سنة 2019، الذي كان نشاطًا اقتصاديًّا رئيسيًّا يمكن آلاف الأسر من مصدر دخل دائم بالرغم من طابعه غير القانوني، لذلك جاءت منطقة الأنشطة الاقتصادية في الفنيدق لتحاول تدارك هذا الأمر، وتخلق للساكنة المحلية منصة تجارية بديلة.
على أرض الواقع، ما زال هذا المشروع، الذي وقع مجلس جهة طنجة -تطوان-الحسيمة اتفاقية الشراكة الخاصة به في فبراير من سنة 2020، إلى جانب فاعلين عموميين آخرين، بعيدًا عن تحقيق المراد منه، فقد دُشِّن في مارس 2022، لكن لم يسجل أول عملية تصدير لمنتجاته إلا في يوليوز من سنة 2025، في حين لا تزيد عدد فرص الشغل المباشرة التي خلقها هذا الفضاء طَوال أزيد من 3 سنوات عن 300، وفق معطيات رسمية، رغم الحديث عن استقرار 50 شركة هناك.
ورغم ذلك، نجد أن مجلس الجهة صادق في دورة استثنائية على اتفاقية من أجل إنجاز وتمويل الشطر الثاني لمنطقة الأنشطة الاقتصادية والصناعة والحرفية بمنطقة «حيضرة» بجماعة الفنيدق، في ظل استمرار سؤال النجاعة، وحاجة سكان مدن تطوان والمضيق والفنيدق ومارتيل إلى نموذج اقتصادي جديد ينهي حالة البطالة المزمنة التي تعيشها هذه المنطقة التي خسرت قوتها الصناعية ثم ديناميتها التجارية.
مسألة تعثُّر مشاريع مجلس الجهة، سنجدها تتكرر أيضًا في مجال إقليم الحسيمة، فعلى سبيل المثال صادق المجلس الحالي على مشروع إحداث منصة لوجيستية بجماعة إيمزورن خلال دورة أكتوبر 2030، التي من شأنها خلق دينامية اقتصادية مهمة في مجال المنطقة ككل، لكن المشروع لم يرَ النور إلى غاية الآن، وهو ما ينسحب أيضًا على مشروع تهيئة متنزه «تدغين»، الذي صُودق عليه في يوليوز من سنة 2021 في آخر عمر ولاية المجلس السابق، لكن المجلس الحالي لم يقم بأي شيء لتفعيل اتفاقية الشراكة الخاصة به.
عدالة مجالية مفقودة
مجلس الجهة في عهد عمر مورو، يركز كثيرًا على العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية، على اعتبار أن المشاريع التي صادق عليه استطاعت تحقيق هذا الهدف بشكل كبير، مما يبرز من خلال التقرير الخاص بمنتصف الولاية الانتدابية، الذي تحدث عن تخصيص أزيد من 840 مليون درهم لتطوير شبكات الطرق والربط بشبكتي الماء والكهرباء، بالإضافة إلى مشاريع الطرق التي تجاوزت 560 كيلومترا إلى غاية 2024، وغيرها من المشاريع.
غير أنَّ التفصيل في هذه المشاريع يُؤكّد انتقادات المعارضة والمجتمع المدني، بخصوص تكريس التفاوتات المجالية بين العمالات الأوفر حظًّا والأقل حظًّا، وهو أمر يُؤكده برنامج التنمية الجهوية الذي عُرض على أعضاء المجلس سنة 2023، الذي يُسهم المجلس في محوره الاقتصادي بـ2,7 ملايير درهم من أصل 12,73 مليار درهم هو الغلاف المالي الإجمالي، غير أن توزيع هذه الميزانية كشف عن تركيز التنمية في عمالة طنجة-أصيلة باعتبارها واجهة الجهة، مقابل ترك الفتات لباقي المناطق.
وبلغة الأرقام، فإنَّ طنجة حصلت، ضمن البرنامج، على 11 مشروعًا، بقيمة إجمالية وصلت إلى 3,2 مليار درهم، في حين حصلت شفشاون على 10 مشاريع، وهو رقم مقارب لما حصلت عليه عاصمة البوغاز من حيث العدد؛ غير أنَّ هناك فرقًا كبيرًا في الميزانية المرصودة، التي لا تزيد في الحالة الثانية على 600 مليون درهم، أما إقليم وزان فكان الأقل حظًّا بـ8 مشاريع فقط بقيمة 500 مليون درهم.
وكالة تنفيذ المشاريع التي أغضبت الوالي
حسب ما أُعلن رسميًّا، فإن عقد البرنامج بين الدولة ومجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وباقي المتدخلين، الخاص بالفترة ما بين 2024 و2027، الذي تمت المصادقة عليه خلال أشغال الدورة العادية لشهر مارس 2025، يضم 84 مشروعًا باستثمار إجمالي يصل إلى 5 مليارات و842 مليون درهم، منها ملياران و260 مليون درهم هي مساهمة الجهة، غير أن مسالة تنفيذ هذه التعاقدات لا تزال محل جدل كبيرٍ.
والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، كان يعرف هذا الخلل قبل تعيينه في مهامه الحالية، والسبب هو الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع التي تحوَّلت من آلية لتسريع الإنجاز إلى وسيلة لتعطيل الأوراش، وهذا الأمر تم إثباته رسميًّا في نهاية الولاية السابقة لمجلس الجهة، حين انعقدت لجنة الإشراف والمراقبة الخاصة بالوكالة، تحت رئاسة رئيسة الجهة السابقة فاطمة الحسّاني، وبحضور الوالي السابق محمد مهيدية، وحينها تم الكشف عن أن عدد المشاريع التي تم الانتهاء من إنجازها هو 40 فقط من أصل 110 مبرمجة منذ 2019، أي أن 70 مشروعًا ظل متعثرًا.
هذا المعطى يُفسّر لماذا كان الوالي التازي مصرًا على أن إنجاز مشاريع عقد البرنامج في مجال الجهة، يجب أن يتم بشكل كامل مع انتهاء الولاية الانتدابية للمجلس الحالي سنة 2027، مبرزًا أنَّ الوثيقة التي اعتُمدت في دورة مارس 2025 «توضح بشكل دقيق المشاريع المسطرة والتزامات الأطراف المتدخلة، كما يضع خارطة طريق لتنزيلها وتقييمها».
الوالي التازي سيعود بعد ذلك بأربعة أشهر، وبالضبط في دورة يوليوز 2025 العادية، ليُعبّر بشكل علني وأمام وسائل الإعلام من غضبه بسبب ضعف مردود الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، وأمام رئيس الجهة عمر مورو، خاطب الوالي مدير الوكالة، أديب أقلعي، قائلًا إنَّ هذه المؤسسة تعاني «نواقص حقيقية، وتشتغل بشكل انفرادي بعيدا عن التوجهات التي يتم تبنيها خلال دورات المجلس».
وأكَّد الوالي التازي، أنَّ العديد من المشاريع، التي تشرف الوكالة على إنجازها، لا تتماشى مع ما صُودق عليه، موجهًا خطابًا شديد اللهجة لمديرها الذي دعاه للتوقّف عن هذا «العبث»، مضيفًا أنَّ الأشخاص الذين لا يستطيعون تأدية عملهم على أكمل وجه عليهم المغادرة، وهو ما شكل إحراجًا لعمر مورو أيضًا، على اعتبار أن هذا الكلام سبق ترؤسه للجنة الإشراف والمراقبة.
وفي 24 أكتوبر 2025، جرى عقد اللجنة المذكورة بحضور مورو لكن في غياب الوالي التازي، الذي اكتفى ببعث الكاتب العام الطاهر حنين، في رسالة مفادها أن السلطة المحلية لديها تحفظات كثيرة على طريقة عمل هذه المؤسسة، وهو أمر يبدو أنَّ عمر مورو أصبح يعرفه جيّدًا، ويعي أنَّه مسؤول عنه مباشرةً، لذلك حث على ما أسماه «ضرورة التسريع في وتيرة تنفيذ المشاريع المبرمجة، بما ينسجم مع أولويات التنمية المندمجة والمستدامة بالجهة»، في اعتراف صريح بأن واقع الحال لا يبشر بالخير.


