سياسة
عين على أبناء طنجة الحلقة الثالثة: محمد بولعيش أو «بابا بولعيش» ابن طنجة البار.. 74 سنة من النضال السياسي والحقوقي
لا يختلف اثنان أنَّ طنجة ليست كجُلِّ المدن الأخرى، فهي مدينة الاستثناء في هَذَا الوطن، كيف لا وهي الَّتِي أنجبت على امتداد عقود جيلًا من النخب المُثقّفة والسياسيَّة، ومن رجال المقاومة الوطنية سواء أكانوا أعضاءً بالحركة الوطنية أم بجيش التحرير، وأيضًا أنجبت مئات الأكاديميين والخبراء، وأيضا من الفاعلين السياسيّين، كما أنجبت عددًا من الرياضيّين وغيرهم من الباحثين والمختصّين في مجالات مختلفة ومتعدّدة، لكن من الصعب أو النادر أن تجد شخصًا كرَّس نفسَه لخدمة وطنه في صمت، إذ لا يحب أن تُسلّط عليه الأضواء، رغم أنّه يمتلك من الخبرة ما تجعله مختصًا في التنظيمات الحزبيّة والنقابيّة، بل أصبح قادرًا على حلّ وفكّ جُلّ الاختلافات والصراعات، كما يستطيع -بسهولة كبيرة- تحليل الوضع السياسيّ والاقتصاديّ لبلادنا، ويطرح كمواطن حلولًا منطقيةً تستمدُّ مقوماتُها من الواقعِ المغربيِّ، وكل هَذَا مُؤطّر بكلّ ما هو علميّ ومنطقيّ.
كما من الصعب أن تجد شخصًا مُحنّكًا سياسيًّا، ومثقّفًا، يترجم عددًا من الكتب من الفرنسية إلى العربية، وقادرًا على كتابة سيرته الذاتية الَّتِي تلخص وضعنا السياسيّ الحالي، بل نجح وبرع في أن يكون سفيرًا لمفهوم المجالية، فهو من أصرّ على أن يكون مُنصتًا للشباب متواصلًا ومُشجّعًا لهم، حتّى أصبح يلقب عند الشباب اليساري بـ«بابا بولعيش»، إذ أصبح أبًا لكلّ الشباب التقدّمي الطامح إلى مغرب آخر ممكن، مغرب الحُرّية والكرامة والعدالة الاجتماعيّة.
حُسن تواضعه وتواصله وإصغاؤه أيضًا للآخرين، جعل منه رمزًا من رموز اليسار المغربي كيف لا وهو الشخص الَّذِي عاصر مراحل مختلفة، وساهم في عملية توحيد اليسار، وسبق له أن أُعتقل بسبب مواقفه السياسية، بل كان سفيرًا للعمل النقابي في مرحلة السبعينيّات.
فرغم انتقاله -منذ عقود- إلى مدينة دار البيضاء للعمل هناك والاستقرار أسريًّا، فإنّه ظلَّ مرتبطًا بمدينة طنجة وجدانيا، كيف لا وهو الَّذِي راكم تجاربَ جدّ مهمّة ترسّخت بذهنه، ولا يمكن له أن ينساها، في أي حال من الأحوال، فثقافة الاختلاف الَّتِي تتميز بها ساكنة طنجة، أصبحت جزءًا مهمًّا من حياته.
اليوم وفي إطار سياسة جريدة «لاديبيش»، الَّتِي تحاول رصد كلّ الشخصيات الشماليّة والطنجاويّة الناجحة بامتياز وتقدير في مجالها، ارتأت أن تتوقّف عند رجلٍ كلّما تقدّم في السنّ إلا وازداد حكمةً ونضجًا وعطاءً لمدينته ووطنه، وراكم نجاحاتٍ ذاتيّةً يشهد بهد العدو قبل الصديق.
- ينحدر من طنجة العالية.. 73 سنة من الكفاح والنضال السياسي لم تحرمه من تكوين أسرة متماسكة ومنسجمة

إنّه الأستاذ والمناضل الكبير، محمد بولعيش، من مواليد 1951 بمدينة طنجة العالية، إذ نشأ بحي «علي باي» المنتمي لمقاطعة بني مكادة بطنجة، أكبر مقاطعة بالمغرب، وينحدر من منطقة «قرية بولعيش» من فحص أنجرة، وهو النسب أو العائلة الموجودة بكثرة بشمال المغرب، خصوصًا إقليم طنجة أصيلة فحص أنجرة، وأيضًا بمنطقة بليونش، يتميّز بشخصية بشوشة وفي نفس الوقت بطباع حادّ، فهو لا يتنازل عن قناعته ومبادئه مهما حصل ووقع.
بولعيش الَّذِي أطفى شمعته 73، شهر يناير الماضي، أب لثلاثة أبناء، وجد في نفس الوقت، أبناؤه يستقرون بفرنسا، وبلغوا من التحصيل العلميّ والأكاديميّ ما يكفي ليفرضوا أنفسهم بالمجتمع الأوروبيّ، فمنهم من أصبح طبيبًا ومنهم من أصبح مهندسًا، الأمر الَّذِي يدفعه دائمًا لمحاولة غرس وزرع فيهم قيم حبّ الوطن والأخلاق الحميدة وقيم التسامح والمواطنة الكريمة، فكل ما تربى عليه محمد بولعيش، لقّنه رفقة رفيقة دربه لفلذات كبده، حتّى يصبحوا خير خلف لخير سلف، فمحمد بولعيش يزرع هَذِهِ القيم بعفوية كبيرةٍ وسط كلّ معارفه وأصدقائه وأحبائه ورفاقه.
- نشأ في وسط محافظ ووطني
الوسط الأسري الَّذِي نشأ فيه، والمدينة الَّتِي انحدر منها خصوصا، مدينة ملتقى الثقافات ومهد الحاضرات وتلاقح القيم الإنسانيّة، ساهمت في تكوين شخصية قوّية للرجل، شخصية تقوّت بسبب انخراطه في العمل الجمعوي والحركة التلاميذية، واهتمامه بالقضايا الوطنيّة، والنضال من أجله، الَّذِي تمّ بمدينة طنجة خلال مرحلة الابتدائي والإعدادي، وأيضًا مرحلة الثانوي، فكيف لا وهو عايش نضالات الشعب المغربي في أوجه، خصوصًا في الستينيّات والسبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي إلى حدود أواخر الثمانينيّات وبداية التسعينيّات.
- بولعيش.. مسار علمي متميز
درس مرحلة الابتدائي من سنة 1958 إلى غاية 1963، بالمدرسة الابتدائية «بنين» ببني مكادة، والمسماة حاليًا بـ«موسى بن نصير»، فيما درس مرحلة الإعدادي بإعدادية ابن بطوطة من سنة 1963 إلى 1966، وكان دائمًا متفوقًا في دراسته.
محمد بولعيش الَّذِي عايش ثلاث ملوك، في حياته، درس مرحلة الثانوي من سنة 1966 إلى سنة 1969، فسنتين الأولتين درسهما بثانوية زينب النفزاوية بحي الخوسفاط، فيما درس سنة الباكالوريا بثانوية ابن الخطيب بكدية الدار البيضاء بحي المصلى بطنجة مدينة مسقط رأس عدد من الزعماء السياسيّين الوطنيين المغاربة، «عبد الرحمن اليوسفي» والزعيم «علي يعثة» وغيرهم، وهنا يتغيّر مسار الرجل وينطلق مساره العلميّ والأكاديميّ، فبولعيش كان يعرف ما يريد، فهو من جمع بين التحصيل العلمي والنضال من داخل المنظمة العتيدة للطلبة الاتّحاد الوطني لطلبة المغرب.
فقد حصل صاحب البورتريه على الإجازة في الأدب العربي دورة يونيو 1973 بميزة مستحسن بجامعة ظهر المهراز بفاس، وبعدها حصل على الكفاءة التربوية للتعليم الثانوي سنة 1974. خلال مساره الدراسي في مرحلة الثانوي، عايش جيلًا من التلاميذ الذين تحمّلوا مسؤولية سياسية كبيرة، وإن اختاروا القرب من الدولة، من بينهم «محمد بوهريز» عضو المكتب السياسي سابقًا لحزب التجمع الوطني للأحرار، وصلاح الدين مزوار الأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، الَّذِي كان يلعب كرة السلة خلال مرحلته التلاميذية.

- بولعيش ونضالات الحركة الطلابية الَّتِي انتهت باعتقاله
منذ التحاقه بالحرم الجامعي، ناضل محمد بولعيش من داخل الاتّحاد الوطني لطلبة المغرب، خصوصًا أنَّ الجامعة المغربية عرفت نضالات كثيرة بسبب المدّ اليساري الَّذِي عرفه المغرب، الَّذِي كان يتماشى مع المدّ اليساري في عدد من الدول العالميّة، نضالات جمعت بين كل ما يهم الملف المطلبي للطلبة وأيضا كلّ ما يهم الشأن العام للمغاربة، بالإضافة إلى النضال من أجل القضية الفلسطينيّة، الَّتِي اعتبرها الطلبة قضيةً وطنيّةً.
تحمّل المسؤولية في تعاضديتي المدرسة العليا للأستاذة وكلية الآداب على التوالي، كما حضر كمؤتمر في المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، المنعقد من 11 إلى 18 غشت من سنة 1972 بالرباط، تحت شعار «لكل نضال جماهيري صداه في الجامعة»، حيث عُدّ مؤتمرًا نوعيًّا، وللإشارة فقد تزامن مع محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الملك الراحل الحسن الثاني من طرف أفقير، يوم 16 غشت 1972، هَذَا وقد تعرّض محمد بولعيش لعملية الاعتقال في فبراير 1973 إلى غاية أكتوبر 1973.
- بولعيش مسار مهني متميز
رغم نضاليته المستمرة، فإنّه كان يعي جيّدًا حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، فلم يُضع الوقت نهائيًا، إذ لم يكرر أي سنة خلال مساره الدراسي، عكس عددٍ من زملائه آنذاك، كما أنّه فور انتهائه من المرحلة الجامعية، التحق بالوظيفة العموميةـ، حيث عُيّن أستاذًا للغة العربيّة بإعدادية ابن رشد بالدار البيضاء نهاية 1973، ثُمّ بثانوية الحسن الثاني في الدخول المدرسي 1980، ثُمّ ثانوية محمد. بن عبد الله بالبيضاء دائمًا سنة 1982 وانتهى بي المطاف بثانوية ليوطي منذ 1986 حتى تقاعده سنة 2011.
محمد بولعيش الَّذِي يتقن اللغة العربية، يمتلك أسلوبًا أنيقًا في التعبير وبسيطًا في إيصال رسائله، أسلوب خالٍ من الأخطاء الإملائيّة ومن ضعف الوصف، كان يتقن اللغة الفرنسيّة -بشكل كبير- فكلما نطق بلغة مولير، إلا واعتقدت أنّه فرنسي الأصل وليس مغربيًّا، نفس الأمر مع اللغة الإسبانية، فربما تربيته بحي «علي باي» الَّذِي كان ممتلئًا بالإسبان لدرجة أن سبعة أزقة أو أكثر مسماة بأسماء إسبانية، مكّنته من إتقان اللغة الإسبانية.
محمد بولعيش، الَّذِي عمل في مهنة التدريس لمدّة تزيد عن 38 سنة، تميّز خلال مساره المهني بعلاقة متميّزة بينه وبين كل من تتلمذ على يده، إذ تخرّج على يده المئات من التلاميذ وتقلّدوا مناصب مختلفة سواء في الأعمال الحرّة وفي مناصب بالمؤسّسات العمومية، ومنهم من أصبحوا أيضًا أساتذة، ذات العلاقة المتميزة كانت تجمعه مع زملائه وزميلاته ممَّن عملوا معه وإلى جانبه.
- نضالات ومهمات نقابية لمحمد بولعيش ألهمت مسار حياته وجعلته يلتقي برئيس الراحل «ياسر عرفات»

محمد بولعيش لم يترك أي شيء للصدفة، فهو كلما اقتنع بأمر إلا وانخرط فيه، حيث التحق بالاتّحاد المغربيّ للشغل، وكان أبرز المناضلين النقابيين آنذاك، ففي فترته عايش مجموعة من المناضلين اليساريّين، من بينهم الحقوقي عبد الحميد أمين المنتمي حاليًا لحزب النهج الديمقراطي، حيث مثّل المركزية النقابية عدّة مرات داخل المغرب وخارجه.
فعلى المستوى العربي، مثَّل مركزيته النقابية بـ (اتحاد المعلمين العرب، الاتحاد الدولي للنقابات العربية..)، والتقى الرئيس السابق لدولة فلسطين المحتلة «ياسر عرفات» سنة 1989، أمّا اللقاء الثاني بأبي عمار أو بـ«محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني» الاسم الحقيقي لياسر عرفات كان سنة 1993 بتونس في ضيافة الاتّحاد العام التونسي للشغل بقرطاج في اجتماع المجلس الإداري لاتحاد المعلمين العرب، كما سبق له أن زار دولة البحرين وغيرها من الدول العربية الأخرى.
عمله النقابي كان بشكل مُتدرّج من القاعدة كمناضل عادي، إلى المسؤولية فالفرع ثم الجهة، فالأمانة الوطنية للجامعة الوطنيّة والمجلس الوطني للاتّحاد المغربي للشغل، الأمر الَّذِي جعله يتحمّل مسؤوليات أكثر، إذ مثل ذات المركزية النقابية عالميًا خصوصًا بدول أوروبا الشرقية أيام الاتّحاد السوفيتي.
في سنة 1996، قدّم محمد بولعيش استقالته النهائية من نقابة الاتّحاد المغربي للشغل، ليساهم بعد ذلك في تأسيس النقابة المستقلة للمهن التعليميّة في بداية 1997، وتحمل مسؤولية الكاتب العام إلى حدود سنة 2005.
- محمد بولعيش السياسي المحنك الَّذِي ساهم في تجارب توحيد اليسار المغربي
كما لا يخفى على أحد، فإنّ محمد بولعيش الَّذِي تأثر بالفكر اليساري وبالطرح العلماني، ناضل في صفوف حركة إلى الأمام، الَّتِي قدّمت العشرات بل المئات من المعتقلين السياسيّين، لأنّهم عارضوا آنذاك السياسية العامّة للحكم، كان من بين أبرز وأهمّ مُؤسّسي حزب الحركة من أجل الديمقراطية، إذ تحمّل في إطاره مسؤوليات في لجنه الوطنية (بمنزلة قيادة).
ففي سنة 2005 التحق بحزب اليسار الاشتراكي المُوحّد، الَّذِي تحول سنة 2005 في مؤتمره الاندماجي الثاني، إلى حزب الاشتراكي الموحد، وتحمّل المسؤولية، كعضو بالمجلس الوطني لذات الحزب من 2005 إلى غاية 2015، أي تحمل المسؤولية بالمؤتمرين الثاني والثالث.
وعلى اعتبار أن حزب الاشتراكي الموحد، كان يقوم على أساس حزب التيارات، فإن بولعيش كان من مؤسسي تيار الثورة الهادئة الَّذِي فاز ببعض المقاعد في المؤتمر الوطني الثاني، كما تمثّل رفاقه في المكتب السياسي الَّذِي عقد إبان حراك 20 فبراير سنة 2011، قبل أن يُقدّم رفقة عددٍ من رفاقه، محمد الوافي، وعبد الغني قباج سنة 2015، ليستكمل نضاله السياسي بعد ذلك داخل حركية اليسار المتعدد.
خلال الفترة الممتدة ما بين 2012 و2015، أصبح غالبية شباب الحزب المنتميّين لحركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية «حشدت» ينادونه بـ«بابا بولعيش»، حيث كان قريبًا من الشباب، وكان ينصت لهم جيّدًا، ويساهم في تأطير أنشطتهم، وشارك في المُخيّم الصيفي لشبيبة الحزب بطنجة 2012، وفي الجامعة الصيفية لسنة 2013 بمدينة فاس وبالهرهورة في ذات السنة، كما أطر للقاء حول العلمانية بمدينة طنجة سنة 2013 من تنظيم حشدت طنجة، وساهم في الجامعة الصيفية المقامة بأصيلة سنة 2014، وأطر ندوة وطنية للفصيل الطلابي للحزب سنة 2014، وندوة جهوية لشبيبة الحزب بجهة دار البيضاء سنة 2014 إلى جانب عضو المكتب السياسي الحالي عبد اللطيف المتوكل، كما أطّر بعض اللقاءات بجهة اشتوكة آيت باها.
- بولعيش النضال الحقوقي والجمعوي
لا يمكن لمناضل سياسي يساري تقدّمي مثل محمد بولعيش، الَّذِي يؤمن بالدولة العلمانية، حيث يعتبر لا دولة ديمقراطية بدون العلمانية، ألا يؤمن بالمواثيق الدولية للحقوق الإنسان وأن يدافع عنها، الأمر الَّذِي دفعه ليكون من مؤسّسي فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بفرع الدار البيضاء، وناضل في صفوف الجمعية لمدة ليست بالهينة.
كما كان من مناصري الحركة النسائية التقدّمية بالمغرب، ناهيك على انخراطه في العمل الجمعوي، حيث اشتغل في عددٍ من الأندية السينمائيّة بالدار البيضاء في السبعينيّات وبداية الثمانينيّات، ونشط بعددٍ من الجمعيات الثقافية بدور الشباب وجامعة مسرح الهواة.
- بولعيش المثقف العضوي والمترجم الفذ
نشر عددًا من المقالات في السياسة والنقابة والثقافة والسينما وعددًا من النصوص القصصية في بعض الجرائد والمجلات (البيان، الاتحاد الاشتراكي، المستقل، المواطنة، الأفق، اليسار الديمقراطي، اليسار الموحد، السؤال، الثقافة الجديدة، لاديبيش..)، كما نشر عددًا من مقالات الرأي والمقالات السياسية بعددٍ من المنابر الإعلامية الإلكترونية «شمال بوست، أنفاس، أنوال بريس، العرائش أنفو».
كما يُعدُّ محمد بولعيش من مؤسّسي مجلة بيت الحكمة المختصّة في الترجمة في العلوم الإنسانية مع الراحل مصطفى المسناوي ومصطفى كمال، كما ترجم مع صديقه الأستاذ محمد البكري، كتاب فرناندو بروفيل: دينامية الرأسمالية.

- بولعيش يؤرخ لمساره النضالي عبر سيرة ذاتية «السير على الأشواك»
يُعدُّ محمد بولعيش من أبرز نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي «الفايسبوك»، حيث يعتبر مدونًا يُعبّر عن مواقفه وآرائه في قضايا عديدة ومتعدّدة بشكل يومي، الأمر الَّذِي جعله يبدع في تجربة كتابة الأمثلة المغربية وربطها بالواقع المعاش، لكن في سنة 2016، بدأ يكتب بشكل يومي عبر حلقات وصلت لما يزيد عن 55 حلقة، يحكي فيها تجربته النضالية سياسيًّا وثقافيًّا وحقوقيًّا، وبدأ يسرده حياته منذ أن كان طفلًا، وكيف اعتقدت أمه أنّه مات ليعود للحياة مرّة ثانية وهو طفل وعن علاقته بوالده وبحيّه علي باي، وعن نضالاته بالحركة التلاميذيّة والطلّابيَّة. كما حكى عن تجربته المهنيّة والنقابيّة والحقوقيّة والسياسيّة وغيرها، الأمر الَّذِي دفع رفاقه إلى مطالبته بتحويلها إلى سيرة ذاتية مكتوبة ومطبوعة، حتّى تصبح وثيقةً رسميةً تُؤرّخ أيضًا لمرحلة سياسية في تاريخ المغرب المعاصر، الأمر الَّذِي أصبح نادرًا، حيث غالبية السياسيّين القدامى لم يكلفوا أنفسهم عناء تدوين تجاربهم وآرائهم، الأمر الَّذِي فعله، حيث اختار لسيرته الذاتية اسم «سير على الأشواك».

السيرة الذاتية حقّقت تفاعلًا كبيرًا على شبكات التواصل الاجتماعي، كما حقَّقت تفاعلًا تجاوز المنتظر على المستوى الواقع، إذ طُبعت 1000 نسخة وزعت بمجهود فردي على عددٍ من نقاط البيع بعددٍ من المدن المغربية مثل: طنجة/تطوان/الدار البيضاء/الرباط/مراكش/فاس /أكادير/الصويرة/ورزازات، ونُظّم عدد من حفلات التوقيع الَّتِي وصلت إلى سبعة، أولها كانت بمدينة طنجة سنة 2017، وفاق عدد الحاضرين لـ120 شخصًا، ثُمّ نظم حفل ثانٍ بمدينة تطوان، وحفل آخر على هامش المعرض الدولي للكتاب بالرباط.
حفل توقيع السيرة الذاتية لمحمد بولعيش لم تتوقف هنا، بل نُظّم حفل توقيع سيرته الذاتية بكل من مدينة الصويرة وحفلي التوقيع بالدار البيضاء، أحدهم نظم من طرف رفاقه وأصدقائه، كما نُظّم حفل توقيع بعاصمة الأنوار «باريس» الفرنسيّة.
السيرة الذاتية لقيت متابعة إعلامية أيضًا، خصوصًا أنّها حكت عن تجربة خاصة بحي «علي باي» بطنجة وكيف تم تهديم هَذَا التمثال، إذ تطرقت مجموعة من المنابر الإعلامية الإلكترونية والورقية لهَذِهِ السيرة الذاتية الَّتِي حملت في طياتها جرأة كبيرة، خصوصًا أن صاحبها يسرد عددًا من المحطات كان يتوقف عند بعض الأشخاص من قياديين سياسيين ونقابيين بأسمائهم، وهو أمر غير معتاد كثيرًا.
- كاتب السيرة الذاتية «السير على الأشواك» يكرم بمسقط رأسه طنجة
على هامش التوقيع الأوّل لسيرته الذاتية، والمُنظّم من طرف إحدى المقاولات الإعلامية، الَّتِي تصدر عنها الجريدة الإلكترونية شمال بوست، كرَّم المنظمون صاحب السيرة الذاتية، وهو تكريم مفاجئ لم يكن مبرمجًا، ولقي استحسانًا كبيرًا من طرف عائلة وأسرة صاحب السيرة الذاتية محمد بولعيش، الذين حضروا بكثرة.
في ذات السنة أي سنة 2017، نظّمت إحدى الجمعيات الحقوقية بمدينة تطوان بشراكة مع نفس المقاولة الإعلامية، حفل توقيع السيرة الذاتية، وكُرّم خلالها أيضا بالحمامة البيضاء إلى جانب بعض الشخصيات الأخرى.
مرة أخرى يعود محمد بولعيش ليُكرّم بمسقط رأسه من طرف جريدتين إلكترونيتين، على هامش حفل توقيع رواية للروائي عبد الحميد البجوقي، حيث كُرّم محمد بولعيش إلى جانب عدد من الروائيين من بينهم، عبد النور مزين، عبد الواحد إستيتو وعبد الحميد البجوقي.
- محنة المرض.. قوّت شخصية بولعيش
بعد كل هَذَا العطاء والمجهود لمحمد بولعيش من أجل وطنه، وبعد العديد من المحن الَّتِي مر منها واستطاع أن يتجاوزها، مرّ بولعيش بمحنة المرض الَّتِي قوّت شخصيته أكثر وجعلته يتمرد على مرضه بالمفهوم الإيجابي، إذ واجهه بكل شراسة، ونجح على الأقل في استكمال عملية التدوين عبر صفحته الرسمية بالفايسوك وطرح آرائه في عددٍ من القضايا، بل محاولة فتح نقاشات عمومية، تتجاوز العالم الافتراضي.
إنَّ كل هَذِهِ المهمات الَّتِي تحمّلها الابن البار لمدينة طنجة، جعلت منه شخصًا هادئًا ناضجًا مستقيمًا، يُفكّر في الأشياء على المدى البعيد، حيث يكون مستعدًا دائمًا للتضحية من أجل تحقيق أهدافه، ولو كانت التضحية على حساب مصلحته، لا على حساب كرامته، وتفطّن جيّدًا أنّه لن يستطيع الوصول إلى ما يريد، وما يريد ليس له سقف أو حدود إلا بالعمل الجادّ وبالتكوين المستثمر والبحث الدائم وباحترام الآخرين والإنصات إليهم.


(إذا كانت للأناقة عنوان، فللعمل السياسي والنقابي والحقوقي عنوان، وعنوانه محمد بولعيش، وللعلاقات الإنسانية ولمفهوم المجايلة عنوان وعنوانه «بابا بولعيش»، وإذا كانت طنجة تميّزت بإنجاب أسماء ورموز تفوّقت في تخصصها، فطنجة فخورة بالسياسيّ والنقابيّ والحقوقيّ والجمعويّ «محمد بولعيش»، الَّذِي تميّز وتألق وتفوق في حبّه لمدينته طنجة وفي الوفاء لمدينة استقرّ فيها لأزيد من 50 سنة الدار البيضاء ولوطنه وعمله).


