الجهة
عندما دبر “البيجيدي” جماعة طنجة.. “عشر عجاف” لـن تمحـوها البيــانــات والهــروب إلى الأمـــام
لم يكن مستغربًا أن يسعى حزب العدالة والتنميَّة بطنجة إلى تنقيح صورته التدبيريَّة محليًّا، عبر توجيه الانتقادات للعمدة الحالي وتحميله مسؤوليَّة تراجع الأداء.
فالحزب، الذي مرّ بفترة مد تمثيلي وازن خلال العقد الماضي، يحاول اليوم تقديم نفسه بوصفه فاعلًا مستبعدًا سرًا لا بوصفه مكونًا أساسيًّا سبق له تسيير الشأن المحلي في المدينة، غير أنَّ الذاكرة الجماعيَّة للطنجاويين لا تزال تحتفظ بالكثير من الماضي القريب، كما أنَّ أرشيف التسيير لا يمحى بمجرد تغير لعبة التوازنات الحزبيَّة.
ومنذ توليه رئاسة الجماعة بداية العقد الماضي، ارتكز خطاب الحزب على شعارات محاربة الفساد وتحسين الخِدْمات العموميَّة، لكن عدّة ملفات بقيت عالقة أو أُديرت بطريقة أثارت الكثير من الانتقادات في وقتها.
فمثلًا، أزمة النقل الحضري التي تفاقمت في الولاية السابقة، لم تُواكب بإجراءات حاسمة، في حين أثار تعامل المجلس مع الشركة المفوَّض لها آنذاك السخط لغياب الحزم والوضوح.
كما عرف الشارع الطنجي احتجاجات مواطنين على تردّي الخِدْمات، قابلها المجلس بصمت مؤسسي أو تبريرات غير دقيقة ومُحدّدة المصدر. أما مشروع “طنجة الكبرى”، فكان يفترض أن تُواكبه الجماعة بتفعيل اجتماعي وتنموي ميداني أكثر ديناميَّة، بحكم شراكتها في تتبع التنفيذ، غير أنَّ واقع تفعيل الأوراش المصاحبة عرف تباطؤًا، ما فُسّر حينها بأنَّه غياب الانسجام بين المكونات المحليَّة والمركزيَّة.
كما أثارت بعض ملفات التفويت، مثل تنظيم الأسواق الجماعيَّة، تساؤلاتٍ بشأن العدالة المجاليَّة في برمجة المشروعات، وبرزت ملاحظات على أداء المصالح التقنيَّة داخل الجماعة، التي رأى البعض أنها مارست نفوذًا لافتًا على قرارات المجلس، دون رقابة كافيَّة. في ظل هذا السياق، فإنَّ اللجوء إلى انتقاد المجلس الحالي دون المرور من تمحيص موضوعي للحصيلة السابقة يطرح سؤال الجاهزيَّة الأخلاقيَّة لتقييم حصيلة الآخرين في التدبير؛ بينما الخسارة الانتخابيَّة التي مُني بها الحزب سنة 2021، حين فقد رئاسة الجماعة بفارق واضح، كانت إشارة من الساكنة إلى ضرورة مراجعة الذات قبل تحميل الآخرين مسؤوليَّة التراجع.
أما المجلس الحالي، فمهما كانت ملاحظات المتتبعين على أدائه، فقد ورث واقعًا ماليًّا صعبًا، وميزانيَّة مثقلة بالتزامات سابقة، فضلًا عن ملفات متأخرة وبيئة عمرانيَّة غير متوازنة، ما يجعل تحميله وحده وزر التراكمات دون إقرار بجذورها قد يبدو خطابًا سياسويًا أكثر منه تحليلًا موضوعيًا.
إن تبني معارضة البيجيدي خطابًا تهويليًّا، دون تقديم بدائل عمليَّة أو ممارسة نقد ذاتي، لا يُسهم في تقويَّة الهامش الديمقراطي محليًّا، بل يزيد من حالة التيه السياسي لدى المواطنين، ويؤدي إلى المزيد من فقدان الثقة في العمليَّة الانتخابيَّة. ومن المُؤكّد أنَّ المجالس المنتخبة لا تملك منفردة مفاتيح القرار التنموي، غير أنَّ الأحزاب التي مارست مسؤوليَّة التسيير طوال سنوات لا يمكن أن تتملّص من محاسبة الذات.
وإذا كان حزب العدالة والتنميَّة يطمح إلى تغيير تموقعه مرة أخرى، فلربما سيكون من المفيد أن يقدّم قراءة سياسيَّة نقديَّة وشجاعة لتجربته التدبيريَّة، عوض الارتهان إلى المقارنات الظرفيَّة أو التبريرات المرحليَّة؛ لأنَّ التاريخ السياسي لا تصنعه البيانات والتصريحات الناريَّة، بل تحفظه الذاكرة اليوميَّة للسكان، الذين أصبحوا أكثر وعيًا بحقائق منظومة التدبير المحلي، وأقل قابليَّة للانخداع بلغة الخطابة.


