تواصل معنا

سياسة

عبد القادر الطاهر.. «المهندس الصامت» الذي يراهن عليه «لشكر» لاستعادة أمجاد «الوردة» في عاصمة البوغاز

رجل‭ ‬‮«‬الملفات‭ ‬التقنية‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬قفز‭ ‬من‭ ‬خرائط‭ ‬الهندسة‭ ‬إلى‭ ‬حقول‭ ‬الألغام‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬مُفضّلًا‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬على‭ ‬‮«‬الخطب‭ ‬الرنانة‮»‬‭ ‬لإحراج‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬البيئة‭ ‬والإعلام‭ ‬الجهوي

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يغرق‭ ‬فيه‭ ‬المشهدُ‭ ‬السياسيُّ‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬صخب‭ ‬‮«‬الشعبويَّة‮»‬‭ ‬وصراعات‭ ‬التموقّع‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬يختار‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الطاهر،‭ ‬النائب‭ ‬البرلماني‭ ‬عن‭ ‬حزب‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الاشتراكي‭ ‬للقوات‭ ‬الشعبية،‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬زاوية‭ ‬‮«‬العمل‭ ‬الصامت‮»‬‭.‬

الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يوصف‭ ‬داخل‭ ‬الكواليس‭ ‬الحزبية‭ ‬بـ«دينامو‭ ‬الشمال‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬طينة‭ ‬السياسيين‭ ‬الذين‭ ‬يعشقون‭ ‬الأضواء‭ ‬والكاميرات،‭ ‬بل‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬‮«‬التكنوقراط‭ ‬الحزبيين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬‮«‬حقيبة‭ ‬المهندس‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان،‭ ‬مسلحين‭ ‬بلغة‭ ‬الأرقام‭ ‬والتقارير‭ ‬السوداء‭ ‬لإحراج‭ ‬الوزراء‭.‬

*من‭ ‬الهندسة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬وجع‭ ‬الرأس‮»‬‭ ‬السياسي

لم‭ ‬يكن‭ ‬انتقال‭ ‬الطاهر‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الهندسة‭ ‬الصارم‭ ‬والدقيق‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬المليء‭ ‬بالرمال‭ ‬المتحركة‭ ‬مجرد‭ ‬نزهة‭. ‬فابن‭ ‬‮«‬البوغاز‮»‬‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬تحدّي‭ ‬المزاوجة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الصرامة‭ ‬التقنية‮»‬‭ ‬و«المرونة‭ ‬السياسية‮»‬‭.‬

داخل‭ ‬قبة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬يُسمع‭ ‬للطاهر‭ ‬صراخ‭ ‬أو‭ ‬مزايدات،‭ ‬لكن‭ ‬مداخلاته‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬بمنزلة‭ ‬‮«‬مبضع‭ ‬جراح‮»‬‭ ‬يوضع‭ ‬على‭ ‬الجرح‭ ‬مباشرة‭.‬

يتذكّر‭ ‬المتتبعون‭ ‬كيف‭ ‬فجَّر‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الاشتراكي‭ ‬الهادئ‮»‬‭ ‬قنبلة‭ ‬‮«‬الليك‭ ‬سيفيا‮»‬‭ (‬عصارة‭ ‬النفايات‭) ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الحكومة،‭ ‬محذرًا‭ ‬بلغة‭ ‬علمية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التأويل‭ ‬من‭ ‬كارثة‭ ‬بيئيَّة‭ ‬وشيكة‭ ‬تُهدّد‭ ‬سواحل‭ ‬طنجة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬الجميع‭ ‬منشغلًا‭ ‬بالحسابات‭ ‬الانتخابية‭ ‬الضيقة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الطاهر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬يمارس‭ ‬المعارضة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المعارضة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يمارس‭ ‬‮«‬السياسة‭ ‬بالعلم‮»‬،‭ ‬مطالبًا‭ ‬بحلول‭ ‬تقنية‭ ‬لمطرح‭ ‬النفايات‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قنبلة‭ ‬موقوتة‮»‬‭.‬

*نصير‭ ‬‮«‬الهامش‮»‬‭ ‬الإعلامي

وخلافًا‭ ‬للصورة‭ ‬النمطية‭ ‬عن‭ ‬البرلماني‭ ‬الذي‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬‮«‬اللوبيات‮»‬،‭ ‬فاجأ‭ ‬الطاهر‭ ‬الجميع‭ ‬بتبنيه‭ ‬ملفًا‭ ‬شائكًا‭ ‬لا‭ ‬يجلب‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬ولكنه‭ ‬يحمل‭ ‬عمقًا‭ ‬ديمقراطيًا‭: ‬ملف‭ ‬‮«‬الصحافة‭ ‬الجهوية‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬وقف‭ ‬‮«‬مهندس‭ ‬الوردة‮»‬‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬هيمنة‭ ‬المركز،‭ ‬مترافعًا‭ ‬بشراسة‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬المقاولات‭ ‬الإعلامية‭ ‬في‭ ‬الجهات‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬العادل‭ ‬للدعم‭ ‬العمومي‭ ‬وسوق‭ ‬الإشهار‭.‬

في‭ ‬مرافعاته،‭ ‬لا‭ ‬يستجدي‭ ‬الطاهر‭ ‬العطف،‭ ‬بل‭ ‬يُفكّك‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الريع‮»‬‭ ‬الإعلامي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬محور‭ ‬الرباط‭-‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬يستحوذ‭ ‬على‭ ‬كعكة‭ ‬الإشهار،‭ ‬تاركًا‭ ‬إعلام‭ ‬القرب‭ ‬يصارع‭ ‬الموت‭.‬

هذا‭ ‬الموقف‭ ‬جعله‭ ‬يكسب‭ ‬احترامًا‭ ‬واسعًا‭ ‬خارج‭ ‬الدائرة‭ ‬الحزبية‭ ‬الضيّقة،‭ ‬بوصفه‭ ‬صوتًا‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬صوت‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬مغرب‭ ‬الهامش‮»‬‭.‬

*رجـــل‭ ‬‮«‬لـشـكر‮»‬‭ ‬القــوي

سياسيًّا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬تحركات‭ ‬الطاهر‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الدينامية‭ ‬الداخلية‭ ‬لحزب‭ ‬‮«‬القوات‭ ‬الشعبية‮»‬‭. ‬فالثقة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬الرجل‭ ‬لدى‭ ‬القيادة‭ ‬الحالية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الكاتب‭ ‬الأول‭ ‬إدريس‭ ‬لشكر،‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ‭.‬

المصادر‭ ‬العليمة‭ ‬بخبايا‭ ‬‮«‬البيت‭ ‬الاتِّحادي‮»‬‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬تزكية‭ ‬الطاهر‭ ‬المبكرة‭ ‬ليكون‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬الحربة‮»‬‭ ‬ووكيل‭ ‬لائحة‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬تشريعيات‭ ‬2026،‭ ‬هي‭ ‬رسالة‭ ‬مُشفّرة‭ ‬للخصوم‭ ‬والحلفاء‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء‭: ‬الاتِّحاد‭ ‬يريد‭ ‬استعادة‭ ‬قلعة‭ ‬طنجة‭ ‬بـ«البروفايلات‮»‬‭ ‬الجادة‭ ‬والوازنة،‭ ‬وليس‭ ‬بالكائنات‭ ‬الانتخابية‭ ‬المستهلكة‭.‬

يبقى‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الطاهر،‭ ‬بملامحه‭ ‬الجادة‭ ‬وحقيبته‭ ‬المثقلة‭ ‬بالملفات،‭ ‬ظاهرة‭ ‬تستحق‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬سياسي‭ ‬يزداد‭ ‬رداءة،‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مهندس‮»‬‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬علمًا‭ ‬نافعًا‮»‬‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬فنّ‭ ‬للكذب‮»‬،‭ ‬فهل‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬ترميم‭ ‬ما‭ ‬أفسده‭ ‬الدهر‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المواطن‭ ‬الطنجاوي‭ ‬بصناديق‭ ‬الاقتراع؟‭ ‬الأيام‭ ‬وحدها‭ ‬كفيلة‭ ‬بالإجابة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك