آخر الأخبار
طنجة تودّع رأس السنة بهدوء غير مسبوق وتراجع لافت في مظاهر العنف
في السنوات الأخيرة، لم تعد ليلة رأس السنة بطنجة تلك الليلة الاستثنائية التي كانت ترتبط في الذاكرة الجماعية بصور الشجارات العنيفة، وحالات الكر والفر في الشوارع، والحصيلة الثقيلة للجرحى والوافدين على أقسام المستعجلات. المدينة التي اعتادت أن تستقبل العام الجديد على وقع الفوضى، بدت هذه السنة، كما في سابقتيها، أقرب إلى الهدوء، ما يطرح سؤالا مشروعًا حول ما إذا كانت طنجة قد دخلت فعلًا مرحلة جديدة، تحولت فيها ليلة رأس السنة من مناسبة محفوفة بالمخاطر إلى ليلة عادية تمر بأقل الخسائر.
المعطيات الأولية التي رافقت هذه الليلة تشير، مرة أخرى، إلى انخفاض ملحوظ في عدد الحالات التي استقبلتها أقسام المستعجلات بمستشفيات المدينة.
مصادر طبية أكَّدت أنَّ أغلب التدخلات انحصرت في إصابات عرضية خفيفة، أو حالات إغماء وإرهاق، دون تسجيل موجة عنف أو شجارات جماعية كما كان يحدث في سنوات سابقة. هذا المؤشر، الذي دأب المتتبّعون على اعتباره ميزانًا حقيقيًّا لما يجري في الشارع خلال هذه الليلة، يعكس تراجعًا واضحًا في منسوب العنف، ويُؤشّر على تحول تدريجي في طبيعة الاحتفال برأس السنة داخل المدينة.
في الشوارع، لم تُسجل أحداث استثنائية تُذكر، باستثناء تدخلات محدودة ظلت في إطارها الاعتيادي. أحياء كانت تصنف في السابق ضمن بؤر التوتر، مرت الساعات الحرجة فيها دون انفلات أمني، في ظل حضور مكثف للعناصر الأمنية منذ الساعات الأولى من مساء 31 دجنبر.
دوريات راجلة وأخرى متنقلة، ونقط مراقبة في بعض المحاور الحيوية، ومتابعة دقيقة لمحيط الفضاءات السياحية والحانات، كلها إجراءات باتت جزءًا من المشهد العام لليلة رأس السنة بطنجة.
هذا الحضور الأمني لم يكن وليد ردّ فعل على أحداث، بل جاء ضِمن مقاربة استباقية تقوم على منع وقوع الفوضى بدل التعامل معها بعد استفحالها. مقاربة أثبتت نجاعتها -خلال السنوات الأخيرة- حيث أسهمت في تقليص عدد التدخلات العنيفة، وخففت الضغط على المستشفيات والمصالح الأمنية على حد سواء. فالتجربة السابقة أظهرت أن ترك الأمور دون ضبط -خلال هذه الليلة- كان يؤدي إلى انفلاتات يصعب التحكم فيها، وهو ما دفع إلى اعتماد أسلوب الحضور المكثف والجاهزية المسبقة.
موازاةً مع ذلك، يلاحظ متتبعون تحسنًا نسبيًّا في سلوك شريحة واسعة من المحتفلين، خاصة من فئة الشباب. فالشجارات التي كانت تنشب لأسباب تافهة، وغالبًا تحت تأثير الكحول، تراجعت بشكل لافت، مقابل ميل متزايد إلى الاحتفال في نطاق ضيق، سواء داخل البيوت أو في فضاءات مؤطرة. هذا التحوُّل لا يمكن عزله عن تنامي الوعي لدى فئة من الشباب بكلفة العنف، سواء من حيث المخاطر الصحية أو التبعات القانونية، في ظل تشدد السلطات في التعامل مع كل ما يمس بالأمن العام.
غير أنَّ هذا التحسُّن لا يمكن تفسيره فقط بارتفاع منسوب الوعي، إذ يظل عامل الردع حاضرًا بقوة. فالتدخل السريع والحازم، وتطبيق القانون دون تساهل، بعث برسائل واضحة مفادها بأنَّ ليلة رأس السنة لم تعد مناسبة للتجاوز أو الإفلات من المحاسبة. هذا التوازن بين التحسيس والصرامة، وبين الوقاية والزجر، يبدو أنه أسهم في تغيير قواعد اللعبة داخل الفضاء العام الطنجاوي.
ومع ذلك، يبقى الحذر واجبًا في قراءة هذه المؤشرات، في انتظار صدور المعطيات الرسمية النهائية التي ستكشف عنها المصالح المختصة، سواء تعلق الأمر بعدد التدخلات الأمنية، أو الحالات المسجلة بالمستشفيات، أو الملفات المعروضة على النيابة العامة. لكن ما مؤكد، وفق المعطيات الأولية المتداولة، أن المدينة نجحت مرة أخرى في تفادي سيناريوهات الفوضى التي كانت تؤرق ساكنتها في سنوات مضت. اللافت في تجربة طنجة خلال هذه الليلة، هو أنها تعكس تحولًا أعمق من مجرد ظرفية عابرة.
فحين تتكرر مؤشرات الهدوء لسنتين أو ثلاث، يصبح من المشروع الحديث عن مسار جديد، وإن كان هشًّا وقابلًا للانتكاس. مسار تشكلت ملامحه من خلال تراجع منسوب الشجارات والعنف، وتنامي وعي المحتفلين، ونجاح المقاربة الأمنية الاستباقية، وهي عناصر مترابطة لا يمكن لأي واحد منها أن يحقق النتيجة وحده.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت طنجة قادرة على تثبيت هذا المنحى، وتحويله إلى قاعدة دائمة، لا مجرد استثناء مرتبط بظروف معينة. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن فقط في تأمين ليلة رأس السنة، بل في ترسيخ ثقافة احتفال مسؤولة، وفي معالجة الأسباب العميقة للعنف الحضري، التي تتجاوز هذه المناسبة إلى باقي أيام السنة.
إلى حدود الساعة، تبدو المؤشرات إيجابية، وتوحي بأنَّ طنجة تخطو بثبات نحو طي صفحة سوداء من تاريخ احتفالات رأس السنة. وإذا ما استمر هذا التراكم، فإن المدينة قد تنجح أخيرًا في مصالحة ساكنتها مع ليلة كانت إلى وقت قريب مرادفا للخوف والقلق، لتصبح مجرد لحظة عادية تمر بهدوء، كما هو الحال في مدن كثيرة.


