تواصل معنا

الجهة

طنجة تواجه عشوائية البناء.. والي الجهة يقود ثورة العمران بالدرون والقانون

شهدت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬توسعات‭ ‬عمرانية‭ ‬غير‭ ‬منظمة،‭ ‬وتفشّت‭ ‬ظاهرة‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأحياء‭ ‬والمناطق‭ ‬المحيطية،‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وجمالية‭ ‬المدينة،‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭. ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬استغلت‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التراخي‭ ‬القانوني‭ ‬لتتوسع،‭ ‬لكنها‭ ‬اليوم‭ ‬تُواجه‭ ‬تدخلات‭ ‬حازمة‭ ‬وجدية‭ ‬بقيادة‭ ‬والي‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬يونس‭ ‬التازي،‭ ‬الَّذِي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬الانضباط‭ ‬العمراني‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬أجندته‭.‬

في‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجيته،‭ ‬عمد‭ ‬الوالي‭ ‬إلى‭ ‬دمج‭ ‬القانون‭ ‬مع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬‮«‬الدرون‮»‬‭ ‬أداة‭ ‬فعّالة‭ ‬لمراقبة‭ ‬الأراضي‭ ‬وكشف‭ ‬المخالفات‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭ ‬وعلني،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬للسلطات‭ ‬بإيقاف‭ ‬أشغال‭ ‬البناء‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفاقم‭. ‬وفي‭ ‬تصريح‭ ‬خاص‭ ‬لـ«لاديبيش‮»‬،‭ ‬أكَّد‭ ‬التازي‭: ‬‮«‬مهمتنا‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬إعادة‭ ‬الانضباط‭ ‬ومراقبة‭ ‬كل‭ ‬التجاوزات‭ ‬بلا‭ ‬استثناء،‭ ‬باستخدام‭ ‬كل‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬لضمان‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنين‭ ‬وحماية‭ ‬المدينة‮»‬‭.‬

وتُظهر‭ ‬التجربة،‭ ‬أنَّ‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬مغوغة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬العوامة،‭ ‬وبوخالف‭ ‬كانت‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضًا‭ ‬للتجاوزات‭ ‬العمرانية،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬استغلال‭ ‬الفراغ‭ ‬القانوني‭ ‬سابقًا‭ ‬لإضافة‭ ‬طوابق‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬وحدات‭ ‬جديدة‭ ‬دون‭ ‬تراخيص‭. ‬وأوضح‭ ‬أحد‭ ‬المسؤولين‭ ‬المحليين‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المرحلة‭ ‬السابقة‭ ‬شهدت‭ ‬غياب‭ ‬متابعة‭ ‬فعالة،‭ ‬والآن‭ ‬الوالي‭ ‬التازي‭ ‬أرسى‭ ‬استراتيجية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الرصد‭ ‬المستمر‭ ‬والإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬الفورية‮»‬‭.‬

ويُعدُّ‭ ‬استخدام‭ ‬الدرون‭ ‬تحولًا‭ ‬نوعيًّا‭ ‬في‭ ‬المراقبة،‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬تصوير‭ ‬الأراضي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬وتوثيق‭ ‬المخالفات‭ ‬بدقة،‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬ربطها‭ ‬بخرائط‭ ‬رقمية‭ ‬لتسهيل‭ ‬متابعة‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭. ‬وأشار‭ ‬مهندس‭ ‬حضري‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬مكافحة‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭: ‬‮«‬الدرون‭ ‬سمح‭ ‬لنا‭ ‬بالكشف‭ ‬عن‭ ‬مخالفات‭ ‬كانت‭ ‬مستعصية‭ ‬على‭ ‬المراقبة‭ ‬التقليدية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬التضاريس‭ ‬الصعبة‭ ‬والمناطق‭ ‬المحاذية‭ ‬للغابات‭ ‬أو‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‮»‬‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬المراقبة‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬عمل‭ ‬التازي‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية،‭ ‬لضمان‭ ‬تنفيذ‭ ‬القانون‭ ‬بشكل‭ ‬متكامل،‭ ‬مع‭ ‬تكثيف‭ ‬الحملات‭ ‬الميدانية‭ ‬المشتركة‭ ‬وإصدار‭ ‬أوامر‭ ‬فورية‭ ‬لإيقاف‭ ‬الأشغال‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬ومتابعة‭ ‬المخالفين‭ ‬قضائيًا‭. ‬ويشير‭ ‬التازي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاستراتيجية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬العقوبات،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬التوعية‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬المواطنين‭ ‬لضمان‭ ‬احترام‭ ‬القانون‮»‬‭.‬

كما‭ ‬تضم‭ ‬جهود‭ ‬الوالي‭ ‬برامج‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬الأحياء‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬مشروعات‭ ‬سكنية‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬الخدمات‭ ‬والمرافق‭ ‬العامة،‭ ‬بهدف‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬حضرية‭ ‬متوازنة‭ ‬ومستدامة‭. ‬وأكد‭ ‬تقرير‭ ‬المديرية‭ ‬الجهوية‭ ‬للتعمير‭ ‬أن‭ ‬الحملات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬‮«‬انخفاض‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬وتحرير‭ ‬أراضٍ‭ ‬وإزالة‭ ‬توسعات‭ ‬مخالفة‮»‬‭.‬

تفاعل‭ ‬السكان‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬كان‭ ‬إيجابيًّا،‭ ‬إذ‭ ‬عبّر‭ ‬العديد‭ ‬منهم‭ ‬عن‭ ‬ارتياحهم‭ ‬للرقابة‭ ‬الجديدة‭ ‬والثقة‭ ‬المتزايدة‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬المحلية‭.‬‭ ‬تقول‭ ‬سيدة‭ ‬من‭ ‬حي‭ ‬مغوغة‭: ‬‮«‬أشعر‭ ‬الآن‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬رقابة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وأنَّ‭ ‬المسؤولين‭ ‬يسعون‭ ‬لحماية‭ ‬حقوقنا‭ ‬وتوفير‭ ‬الخِدْمات،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬إصدار‭ ‬أوامر‭ ‬إدارية‮»‬‭.‬

ويواجه‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬تحدياته،‭ ‬إذ‭ ‬يحاول‭ ‬بعض‭ ‬المخالفين‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬غياب‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬المؤقت،‭ ‬لكن‭ ‬النهج‭ ‬الجديد‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الرصد‭ ‬الذكي‭ ‬والتعاون‭ ‬المؤسسي‭ ‬والشفافية‭ ‬أسهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭.‬

ويرى‭ ‬الخبراء،‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬طنجة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نموذجًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬لمكافحة‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬المدن‭ ‬المغربية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توظيف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬ومبادئ‭ ‬الإدارة‭ ‬المتكاملة،‭ ‬الَّتِي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬القانون،‭ ‬والتخطيط‭ ‬العمراني،‭ ‬والمشاركة‭ ‬المجتمعية‭. ‬يقول‭ ‬أستاذ‭ ‬هندسة‭ ‬حضرية‭: ‬‮«‬مكافحة‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬تتطلب‭ ‬خطة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المراقبة‭ ‬الذكية،‭ ‬العقوبات‭ ‬الرادعة،‭ ‬والتخطيط‭ ‬العمراني‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬تجربة‭ ‬الوالي‭ ‬التازي‭ ‬نموذج‭ ‬حي‭ ‬لكيفية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‮»‬‭.‬

كما‭ ‬تشمل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬حملات‭ ‬توعوية‭ ‬للمواطنين‭ ‬وإشراك‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬الأراضي‭ ‬والإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬التجاوزات،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬مصداقية‭ ‬الإجراءات‭ ‬ويخلق‭ ‬شراكة‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬والسكان‭. ‬ويضيف‭ ‬التازي‭: ‬‮«‬هدفنا‭ ‬ليس‭ ‬معاقبة‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬حماية‭ ‬المدينة‭ ‬والمواطنين‭ ‬وضمان‭ ‬بيئة‭ ‬حضرية‭ ‬صحية‭ ‬ومستدامة‮»‬‭.‬

الجدير‭ ‬بالذكر،‭ ‬أن‭ ‬مكافحة‭ ‬البناء‭ ‬العشوائي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬جدّية‭ ‬واحترافية،‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬والقانون،‭ ‬والمشاركة‭ ‬المجتمعية‭.‬

إنَّ‭ ‬تجربة‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬يونس‭ ‬التازي،‭ ‬تُؤكّد‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬العمراني‭ ‬ممكن‭ ‬حتّى‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الفوضى،‭ ‬وأن‭ ‬الإدارة‭ ‬الذكية‭ ‬والمراقبة‭ ‬الدقيقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الانضباط‭ ‬وتضمن‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك