تواصل معنا

مجتمع

طنجة.. تصاعد موجة الجرائم الخطيرة يعيد سؤال الأمن إلى الواجهة

تحوَّلت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الحواضر‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ومشروعاتها‭ ‬الاقتصاديَّة‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬جعلتها‭ ‬قبلة‭ ‬للاستثمار‭ ‬والسياحة‭. ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬اللامعة،‭ ‬بدأت‭ ‬تطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬ظاهرةٌ‭ ‬مقلقةٌ‭ ‬تتعلق‭ ‬بتصاعد‭ ‬موجة‭ ‬الجرائم‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬حديث‭ ‬الشارع،‭ ‬وموضوعًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إذ‭ ‬يتداول‭ ‬السكان‭ ‬أخبارَ‭ ‬حوادث‭ ‬اعتداء‭ ‬بالسلاح‭ ‬الأبيض،‭ ‬سرقات،‭ ‬وجرائم‭ ‬قتل‭ ‬بشعة،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬حارقة‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬المنظومة‭ ‬الأمنيَّة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الوضع‭.‬

خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضيَّة‭ ‬فقط،‭ ‬عاشت‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬خلّفت‭ ‬صدمة‭ ‬واسعة،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬سرقة‭ ‬تحت‭ ‬التهديد‭ ‬بالسلاح‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬وبئر‭ ‬الشفا‭ ‬وطنجة‭ ‬الباليَّة،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬إجراميَّة‭ ‬متخصّصة‭ ‬في‭ ‬ترويج‭ ‬المخدرات‭ ‬القويَّة‭ ‬و«القرقوبي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تستغل‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعيَّة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحياء‭ ‬لاستقطاب‭ ‬القاصرين‭. ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬وقائع‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تأخذ‭ ‬منحى‭ ‬تصاعديًّا‭ ‬يثير‭ ‬مخاوف‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬لدى‭ ‬السكان‭.‬

الأحياء‭ ‬الشعبيَّة‭ ‬بطنجة‭ ‬تبدو‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضةً‭ ‬لهذه‭ ‬الموجة،‭ ‬إذ‭ ‬تُسجّل‭ ‬يوميا‭ ‬اعتداءات‭ ‬بالسكاكين‭ ‬ومحاولات‭ ‬سرقة،‭ ‬وسط‭ ‬شكاوى‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يؤكدون‭ ‬أنَّ‭ ‬الخوف‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬اليوميَّة‭. ‬كثيرون‭ ‬باتوا‭ ‬يتجنبون‭ ‬الخروج‭ ‬ليلا‭ ‬أو‭ ‬المرور‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأزقة‭ ‬بعد‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭. ‬

وتقول‭ ‬شهادات‭ ‬متطابقة،‭ ‬إنَّ‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬المدججين‭ ‬بالسكاكين‭ ‬يزرعون‭ ‬الرعب‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬التدخلات‭ ‬الأمنيَّة‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬نهائيًا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العصابات‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يربط‭ ‬تنامي‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬بتفشي‭ ‬تعاطي‭ ‬الأقراص‭ ‬المهلوسة‭ ‬والمخدرات‭ ‬القويَّة‭ ‬التي‭ ‬تغزو‭ ‬الأحياء،‭ ‬فإنَّ‭ ‬آخرين‭ ‬يرون‭ ‬أنَّ‭ ‬الأسباب‭ ‬أعمق،‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬الفقر‭ ‬والبطالة‭ ‬والهشاشة‭ ‬الاجتماعيَّة‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬فئاتٍ‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬الانحراف‭. ‬

طنجة‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬عمل،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تُوفّر‭ ‬لهم‭ ‬بدائل‭ ‬اقتصاديَّة‭ ‬واجتماعيَّة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬كثيرين‭ ‬ينزلقون‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الجريمة‭ ‬كوسيلة‭ ‬للبقاء‭.‬

الظاهرة‭ ‬أثارت‭ ‬أيضًا‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬فعاليَّة‭ ‬المقاربة‭ ‬الأمنيَّة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬الحملات‭ ‬المكثفة‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمنيَّة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يتفجّر‭ ‬فيها‭ ‬ملف‭ ‬إجرامي‭ ‬يثير‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬فغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُعتقل‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المتورّطين‭ ‬ويقدمون‭ ‬للعدالة،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تعود‭ ‬الجرائم‭ ‬لتطفو‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬تبدو‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬دفع‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬أنَّ‭ ‬الحل‭ ‬الأمني‭ ‬وحده‭ ‬غير‭ ‬كافٍ،‭ ‬وأن‭ ‬المطلوب‭ ‬رؤية‭ ‬شموليَّة‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة‭ ‬عبر‭ ‬التعليم،‭ ‬والتشغيل،‭ ‬ومحاربة‭ ‬الهشاشة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤوليَّة‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬أبنائها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الانهيار‭ ‬القيمي‭ ‬الذي‭ ‬يضرب‭ ‬المجتمع‭.‬

فالكثير‭ ‬من‭ ‬الجانحين‭ ‬والمتورّطين‭ ‬في‭ ‬الجرائم‭ ‬الأخيرة‭ ‬هم‭ ‬قاصرون‭ ‬أو‭ ‬شباب‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر،‭ ‬تركوا‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬مبكرًا‭ ‬ووجدوا‭ ‬أنفسَهم‭ ‬عرضةً‭ ‬لتأثير‭ ‬الشارع‭ ‬وتجار‭ ‬المخدرات‭. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬التأطير‭ ‬الأسري‭ ‬والتربوي،‭ ‬يتحوَّل‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلى‭ ‬قنابل‭ ‬موقوتة‭ ‬تهدد‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭.‬

الإعلام‭ ‬المحلي‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بدورها‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬الظاهرة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬الجرائم‭ ‬تُوثق‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة‭ ‬وتنتشر‭ ‬بسرعة‭ ‬البرق،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الإحساس‭ ‬بعدم‭ ‬الأمان‭ ‬يتزايد‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التوثيق‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنيَّة‭ ‬أمام‭ ‬ضغط‭ ‬أكبر‭ ‬للتحرك‭ ‬وتقديم‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭.‬

طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍّ‭ ‬حقيقي‭. ‬فهي‭ ‬مدينة‭ ‬تكبر‭ ‬بسرعة‭ ‬وتستقطب‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تواجه‭ ‬تصاعدًا‭ ‬مقلقًا‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬الجريمة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يُؤثّر‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬كمدينة‭ ‬جذب‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسياحي‭.‬

وإذا‭ ‬لم‭ ‬تُتخذ‭ ‬إجراءات‭ ‬جذريَّة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحلول‭ ‬الترقيعيَّة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الوضع‭ ‬مرشحٌ‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭. ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تكثيف‭ ‬الحملات‭ ‬الأمنيَّة،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬إرساء‭ ‬سياسات‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬واقتصاديَّة‭ ‬تستهدف‭ ‬الشباب،‭ ‬وتوفير‭ ‬مراكز‭ ‬تأهيل‭ ‬وإدماج،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الأحياء‭ ‬المهمشة‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬لتفريخ‭ ‬الجريمة‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬سكان‭ ‬طنجة‭ ‬رهائن‭ ‬لإحساس‭ ‬دائم‭ ‬بالقلق،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬الجريمة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتهم‭ ‬اليوميَّة،‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬الصباح‭ ‬إلى‭ ‬أحاديث‭ ‬المقاهي‭ ‬والمجالس‭ ‬الخاصة‭. ‬المشهد‭ ‬يختزل‭ ‬مفارقة‭ ‬صارخة‭: ‬مدينة‭ ‬تحلم‭ ‬بالحداثة‭ ‬والتطور،‭ ‬لكنها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تصارع‭ ‬أشباح‭ ‬الانحراف‭ ‬والجريمة‭ ‬في‭ ‬شوارعها‭ ‬وأزقتها‭.‬

تابعنا على الفيسبوك