سياسة
طنجة العالمية تواجه الانتقادات الانتقائية.. قراءة في أداء حزب العدالة والتنمية المعاقب انتخابيًا من طرف المغاربة
في ظلّ التفاعلات السياسية والاجتماعية المتسارعة، تبرز مدينة طنجة بوصفها محورًا لجدل متواصل بين القوى السياسية، إذ تتقاطع الإنجازات المحلية مع الانتقادات الحزبية بطريقة أثارت انتباه الرأي العام. آخر هذه النقاشات يتعلق بما أسمته بعض الأطراف، وتحديدًا حزب العدالة والتنمية، «ازدواجية المعايير» في تقييم الأداء الإداري المحلي، واتهامها بالاعتماد على ما وصفته بـ«تهركاويت»، أي معالجة الأمور بشكل انتقائي أو موسمي وفق مصالح سياسية ضيقة.
تأتي هذه الانتقادات على خلفية سلسلة من الإنجازات الَّتِي سجلتها طنجة، في السنوات الأخيرة، أبرزها فوز المدينة بجائزة أفضل مشروع في المؤتمر العالمي للحكومات المنفتحة في مجال إفريقيا والشرق الأوسط، الَّتِي تعكس الجهود المبذولة لتطوير الإدارة المحلية، وتعزيز الشفافية، وإشراك المجتمع المدني في تدبير الشأن العام. وقد أشار عددٌ من المراقبين إلى أن هذا التتويج يؤكد قدرة السلطات المحلية على التكيف مع المعايير الدولية في الحكم الرشيد، وتعزيز موقع طنجة كونها مدينة عالمية تسعى إلى الابتكار في الخِدْمات العمومية والإدارة الذكية.
غير أنَّ حزب العدالة والتنمية، رغم أنه كان أحد الفاعلين الرئيسيين في المشهد السياسي المحلي خلال السنوات الماضية، اختار أن يسلك مسار النقد الانتقائي، منتقدًا بعض القرارات والإنجازات دون الالتفات إلى الجهود الإيجابية المبذولة.
ويظهر من خلال هذا النقد ما وصفه بعض المتابعين بـ«ازدواجية المعايير»، إذ إنَّ الحزب ذاته، خلال فترات سابقة، لم يتخذ مواقف مماثلة تجاه مخالفات أو تجاوزات ارتكبها أشخاص لا ينتمون إليه ولم يتم مساءلتهم بالشكل نفسه، رغم أن بعض هذه التجاوزات كانت أكثر جسامة وتأثيرًا في النسيج الإداري المحلي. ويعلق محللون سياسيون بأن هذا النهج يعكس «تهركاويت» في طريقة المقاربة، أي معالجة القضايا وفق مزاج سياسي أكثر من الالتزام بالقواعد والمعايير الثابتة.
كما يشير النقاد إلى أن هذه الانتقادات جاءت على خلفية ما شهدته مُدّة ولاية محمد الشرقاوي، الَّذِي وصل إلى منصب رئاسة مقاطعة طنجة المدينة بمساندة وتحالفات حزبية مختلفة، بما فيها دعم من جهات سياسية متعددة.
ويقول أحد المراقبين إن «العدالة والتنمية كانت جزءًا من المشهد السياسي الَّذِي أسهم في وصول الشرقاوي إلى منصبه، ومع ذلك اليوم يختار الحزب انتقاد الإدارة المحلية بنفس الأسلوب الانتقائي الَّذِي يصفه بالتهركاويت».
ويضيف المراقب أن هذا الموقف يعكس ازدواجية في تقييم الأداء السياسي والإداري، إذ يُنظر إلى إنجازات المدينة، مثل التتويج الدولي أو تحسين الخدمات المحلية، من زاوية حزبية ضيقة بدل الاعتراف بالمجهودات المبذولة لصالح المواطنين.
من جانب آخر، يثير أسلوب النقد الانتقائي تساؤلات حول الدور الحقيقي الَّذِي ينبغي أن تلعبه الأحزاب السياسية في تعزيز الشفافية والرقابة على الأداء الحكومي. فالانتقاد السياسي لا يقتصر على توجيه التهم، بل يتطلب تقييم موضوعي ومتكامل لكل الإنجازات والإخفاقات، بما يعكس حرص الحزب على المصلحة العامة وليس على المكاسب السياسية الآنية. وفي هذا السياق، يشير خبراء في الشأن المحلي إلى أن الحزب، الَّذِي كان جزءًا من التحالفات السابقة، كان بإمكانه ممارسة الرقابة بطرق منهجية وعملية بدل الانخراط في انتقادات موسمية تعكس مصالح انتخابية أو حزبية بحتة. تأتي هذه الانتقادات في وقت كانت طنجة تحقق فيه إنجازات ملموسة في مجال التنمية المستدامة والخدمات الرقمية والإدارية.
إنَّ مشروع المدينة الذكية، الَّذِي شمل تحسين المواصلات، تطوير البنية التحتية الرقمية، ورفع مستوى الخدمات العمومية، أسهم إسهامًا مباشرًا في تعزيز مكانة المدينة على المستوى الدولي، وجعلها نموذجًا يحتذى به في الحكومات المحلية المنفتحة. وقد جاء فوز المدينة بجائزة أفضل مشروع في المؤتمر العالمي للحكومات المنفتحة ليؤكد هذا النهج، ويضع طنجة في صدارة المدن الإفريقية والشرق أوسطية الَّتِي تتبنى الابتكار والشفافية في الإدارة المحلية.
مع ذلك، فإن أسلوب النقد الانتقائي الَّذِي اعتمده حزب العدالة والتنمية لم يتوقف عند مجرد التشكيك في الإنجازات، بل امتد إلى محاولة التشكيك في شرعية بعض المشاريع والتحركات السياسية السابقة، بما يثير القلق حول النيّات الحقيقية لهذه الانتقادات. ويقول أحد المحللين السياسيين: «إذا كان الهدف هو حماية المصلحة العامة، فيجب على الحزب أن يكون متسقًا في انتقاداته، وإلا فإن هذا الأسلوب يضر بالمصداقية ويخلق انطباعًا بأن الانتقادات مرتبطة بالتحالفات السابقة أو الحسابات الانتخابية أكثر من كونها حرصًا على الصالح العام».
وفي هذا السياق، يشير مسؤول محلي مطلع إلى أن التقييم الموضوعي لمشاريع المدينة يظهر أن العدالة والتنمية لم تتخذ أي موقف مماثل تجاه مخالفات أو تجاوزات ارتكبها أشخاص خارج الحزب خلال الولاية السابقة، ما يعزز فكرة ازدواجية المعايير. وأضاف المسؤول: «من الصعب تجاهل الإنجازات الَّتِي تحققت، خاصة على المستوى الدولي، فالمواطنون هم المستفيدون الحقيقيون، وليس الانتماءات الحزبية».
هذا التباين في المواقف يُسلّط الضوء على تحديات الانتقاد السياسي المتوازن، ويبرز الحاجة إلى أن يكون النقد السياسي مبنيًا على معايير واضحة وشفافة، وليس على مصالح ضيقة أو حسابات انتخابية. فالمواطن، بحسب الخبراء، يحتاج إلى رؤية واضحة للإنجازات والاختلالات على حد سواء، وأن يكون قادرًا على تقييم الأداء وفق معايير موضوعية، بعيدًا عن النزاعات الحزبية أو الانتقائية السياسية.
في مقابل هذه الانتقادات، يبدو أن السلطات المحلية بقيادة الوالي والمجلس الجماعي اختارت التركيز على الإنجازات العملية، والعمل على تطوير مشاريع ملموسة تعود بالنفع على المدينة وسكانها، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية أو الضغوط السياسية. ويقول أحد المسؤولين: «المدينة تحتاج إلى استقرار واستمرار المشاريع، وليس إلى صراع سياسي يؤدي إلى شلل التنمية. ما يهمنا هو تحسين حياة المواطنين وتعزيز مكانة طنجة عالميًا».
ويرى مراقبون أن أسلوب «تهركاويت» في الانتقاد السياسي، الَّذِي يعتمد على انتقائية الهجوم والتجاهل المتعمد للإنجازات السابقة، قد يضرُّ بالمشهد السياسي ويضعف من الثقة في الأحزاب. بينما يظل الرهان على الأداء الفعلي للمسؤولين المحليين والمشاريع الَّتِي تخدم المواطنين الطريقة الأكثر تأثيرًا في تعزيز المصداقية والسمعة الإدارية للمدينة. وفي هذا السياق، تعكس تجربة طنجة أن تقييم الإنجازات يجب أن يكون شاملًا وموضوعيًا، وأن يعكس الاهتمام بالمصلحة العامة لا الانتماءات الحزبية.
كما يؤكد خبراء، أنَّ الإنجازات الدولية لطنجة، مثل فوزها بجائزة أفضل مشروع في المؤتمر العالمي للحكومات المنفتحة، يجب أن تُنظر إليها باعتبارها نموذجًا يُحتذى به على المستوى الإفريقي والشرق أوسطي، وليس وسيلة لشن حملة انتقادات سياسية انتقائية. ويضيف أحد الخبراء: «هذه الجوائز تعكس التزام المدينة بالشفافية والابتكار، وهذا ما يحتاجه المواطنون، وليس الصراعات الحزبية الَّتِي تخفي الإنجازات وراء شعارات انتخابية».
الجدير بالذكر، أن هذه التجربة تبرز أن مدينة طنجة تُواجه تحديًا مزدوجًا: تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانتها العالمية، وفي الوقت ذاته التعامل مع الانتقادات السياسية الانتقائية الَّتِي قد تهدف إلى المصالح الحزبية أكثر من الصالح العام. وفي هذا الإطار، يبدو أن التركيز على الإنجازات الملموسة، والالتزام بالمعايير الدولية في الإدارة المحلية، سيظل السمة المميزة لمسار طنجة نحو تطوير المدينة وتحقيق طموحات سكانها، بينما يظل النقد السياسي أداة قابلة للتوجيه وفق معايير شفافة وعادلة بعيدًا عن ازدواجية المعايير.


