سياسة
سـمـاسرة الانتخابات.. «جــيـش الظــــل» الذي يــوزع الأصـوات ويصـنع الخريطة السياسية
مع اقتراب أي استحقاق انتخابي في المغرب، تعود إلى الواجهة وجوهٌ مألوفةٌ لدى الناخبين والمرشحين على حد سواء: سماسرة الانتخابات. هؤلاء الذين يُعرفون في الشارع بقدرتهم الخارقة على جلب الأصوات وحسم المعارك الانتخابية، ليسوا مجرد أفرادٍ معزولين، بل شبكة متشابكة من الوسطاء الصغار والكبار الذين يتحركون بين الدواوير والأحياء الشعبية، يحملون على ظهورهم «سوقا» كاملة للأصوات تُباع وتشترى كما تباع السلع في الأسواق الأسبوعية.
في طنجة مثلًا، كما في مدن أخرى، يسبق نشاط السماسرة الحملات الرسمية بوقت طويل. فهم يتنقلون في الأزقة والدوائر الانتخابية، يطرقون الأبواب، ويحصون العائلات اسمًا باسم، وعددًا بعدد. يقدّمون وعودًا للبعض، ويغري بعضهم الآخر بمبالغ مالية أو وعود بالتشغيل أو تسوية ملفات عالقة لدى الإدارات.
كل ذلك يتم في صمت، تحت غطاء «الخدمات الانتخابية»، وبعلم ضمني من بعض المرشحين الذين يدركون جيّدًا أن الطريق إلى البرلمان أو الجماعة تمر عبر «الشناقة».
شبكة السماسرة تعمل وفق تراتبية أشبه بمافيات منظمة. هناك السمسار الكبير أو ما يسمى في الأوساط الانتخابية بـ«المعلّم»، الذي يرتبط مباشرة بالمرشح أو وكيله الانتخابي، ويتكفل بتوزيع الأموال وتحديد الدوائر التي يجب استهدافها. تحت إمرته يعمل العشرات من الوسطاء الصغار، بعضهم من أبناء الحي الذين يعرفون تفاصيل سكانه وحاجياتهم، وبعضهم من «البلطجية» الذين يتكفلون بالضغط والتهديد أحيانا.
وفي قاع الهرم، نجد «الناقلين» الذين يجمعون الناخبين يوم التصويت، وينقلونهم إلى المكاتب مقابل مبالغ محددة أو وعود آنية.
ورغم الضربات التي وُجهت إلى هذه الشبكات خلال السنوات الأخيرة، إذ زُج ببعض السماسرة المعروفين في السجون بتهم تتعلق بالفساد الانتخابي، فإنَّ الظاهرة لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها بأساليب أكثر حذرًا.
فاليوم، لم يعد شراء الأصوات يتم بشكل فجّ كما في السابق، بل عبر وسطاء متعددين يوزعون الأموال على شكل مساعدات اجتماعية أو خدمات إدارية أو «قفة انتخابية» تتسرب في صمت إلى بيوت الأسر المعوزة.
بعض المرشحين يفضلون تغليف العملية بطابع «إحساني»، فيوزعون الأضاحي والموادّ الغذائية والأموال النقدية تحت غطاء العمل الخيري.
هل نقص عدد السماسرة فعلا بسبب دخول بعضهم السجن؟ الجواب، وَفْق متتبعين، ليس بهذه البساطة. صحيح أنَّ بعض الأسماء الثقيلة التي كانت تثير الرعب في الأحياء لم تعد تظهر، إمّا لأنها تلاحقت قضائيا أو لأنَّها فقدت الثقة لدى المرشحين بعد انكشاف ألاعيبها.
لكن السوق الانتخابية لم تُغلق، بل تركت فراًغا سرعان ما ملأته وجوهٌ جديدةٌ أكثر دهاءً وأقل شهرةً، تتحرك في الظلّ وتتفادى الأضواء. فالطلب على خِدْماتهم لم يتراجع، بل يزداد كلما اقتربت الحملات، لأنَّ جزءًا كبيرًا من السياسيين ما زال يؤمن بأن «الصندوق لا يملأ بالبرامج، بل بالناس الذين يعرفون كيف يحركون الناخبين».
في الأحياء الشعبية بطنجة، يُحكى الكثير عن سماسرة أصبحوا «أباطرة» حقيقيين، جمعوا ثروات طائلة من خلال الوساطة الانتخابية. بعضهم بنى منازلَ فاخرةً واشترى سيارات رباعية الدفع بفضل الأموال التي تُصرف عليهم من جيوب المرشحين الذين يرون فيهم استثمارًا مضمون العائد. فالعلاقة هنا تجارية بحتة: السمسار يقدم عددًا من الأصوات مقابل مبلغ محدد، وإذا أخلّ بالاتفاق أو خسر المرشح، فقد يجد نفسه مطاردًا أو محرومًا من التعامل مستقبلًا.
ورغم محاولات السلطات القضائية والتقارير الرسمية فضح هذه الممارسات، فإنَّ ضعف الرقابة يوم الاقتراع وغياب ردع حقيقي يجعل الظاهرة تتجدد باستمرار. أغلب الملفات التي تصل إلى المحاكم لا تتجاوز حالات معزولة يتم التضحية بها لإعطاء الانطباع بأنَّ هناك مواجهةً للظاهرة. أمَّا الشبكات الكبرى، فتظلُّ بمنأى عن المتابعة لأنَّها تعرف كيف تُغلّف نشاطها بـ«شرعية شكلية»، مستفيدةً من ثغرات قانونية ومن ضعف التبليغ من قبل المواطنين الذين يخشون الانتقام أو يفضلون الاستفادة من «النصيب الانتخابي» في صمت.
أحد المنتخبين السابقين بطنجة اعترف في جلسة خاصة أنَّ «من دون السماسرة لا يمكن أن تفوز»، مضيفًا أنَّ «الحملات الإعلامية والشعارات لا تساوي شيئًا إذا لم يكن لديك رجال يتحركون في الأرض، يعرفون مَن يصوّت ومَن لا يصوّت، ومن يحتاج إلى قفةٍ ومن يحتاج إلى 200 درهم ليتوجه إلى المكتب». هذه الصراحة تكشف أنَّ المعركة الانتخابية في المغرب ما زالت “في جزء كبير منها” رهينةً بيد جيش الظل الذي لا يظهر في الصور الرسمية ولا في التصريحات الحزبية، لكنَّه يُحدّد بشكلٍ حاسمٍ خريطة المجالس والبرلمان.
المثير أنَّ بعض السماسرة الذين دخلوا السجن عادوا إلى الساحة من جديد بعد قضاء محكوميتهم، بل إنَّ اعتقالهم زادهم «شهرة» وجعلهم أكثر طلبًا من قبل مرشحين يبحثون عمَّن «لا يهاب» المتابعات. هؤلاء يستغلون فراغ الإطار القانوني الذي يُحدّد بوضوح مسؤوليات الأحزاب والمرشحين في محاربة الظاهرة، ليُقدّموا أنفسهم كأدواتٍ لا يمكن الاستغناء عنها. وفي المقابل، هناك جيلٌ جديدٌ من السماسرة الشباب الذين يستعملون تطبيقات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديثة لتوسيع شبكاتهم، فيجمعون الأرقام الهاتفية للناخبين ويوزعون التعليمات والوعود عبر مجموعات «واتساب» و«فيسبوك»، بدل الطرق التقليدية.
لكن الثابت أنَّ الظاهرة، رغم التنديد بها في كل موسم انتخابي، ما زالت راسخةً، لأنَّ القاعدة الذهبية التي يتداولها السياسيون تقول: «مَن لا يملك جيشًا من السماسرة، لا مكان له في المنافسة». وهكذا يستمرّ المشهدُ الانتخابيُّ في الدوران داخل الحلقة نفسها: مرشحون يدفعون، سماسرة يوزعون، وناخبون يبيعون أصواتِهم عن قناعة أو تحت الحاجة، لتظلَّ الديمقراطية مجرد واجهة شكلية تُخفي تحتها سوقًا سرية تُباع فيها الإرادات البشرية بأبخس الأثمان.
في النهاية، يمكن القول، إنَّ دخول بعض السماسرة السجن لم يُضعف الظاهرة بقدر ما غيّر جلدها. الوجوه تغيَّرت، والأساليب تطوَّرت، لكن الجوهر بقي هو نفسه: أصوات المواطنين تتحول إلى سلعة، والديمقراطية تتحوَّل إلى عملية تجارية مربحة يتحكم فيها جيش الظل الذي لا يراه أحد، لكنه يرسم الخرائط ويحدد من يدخل قبة البرلمان ومن يبقى خارجها. والنتيجة، مجالس تمثيلية تخرج من صناديقَ مُثقلةٍ بالشكوك، وحياة سياسية تستمرُّ في إعادة إنتاج الرداءة، ما دام السمسار الانتخابي هو البطل الحقيقي في المشهد.


