آخر الأخبار
ديبلوماسية المدن.. كيف رسخت المبادرات المحلية مكاسب القرار الأممي حول الصحراء
بعيدًا عن صخب الدبلوماسية الرسمية، تشكّلت خلال السنوات الأخيرة واجهة هادئة ولكن فعّالة من العمل الميداني، قادتها المدن والجماعات الترابية المغربية داخل القارة الإفريقية، لترسم خريطة تأثير جديدة أسهمت في ترسيخ الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، تزامنًا مع القرار الأممي الأخير الذي كرَّس هذه السيادة بوصفها أمرًا واقعًا سياسيًّا وقانونيًّا.
فبينما ظلّت الأنظار موجّهة نحو القنوات الدبلوماسية التقليدية، كانت جماعات ترابية وهيئات محلية مغربية تنسج شبكة علاقات متينة مع مدن من الكاميرون والسنغال وكوت ديفوار ومدغشقر، ضمن برامج توأمة وتعاون لا مركزي جعلت من «دبلوماسية المدن» ذراعًا موازية للموقف الرسمي المغربي، تشتغل بصمت ولكن بفعالية على الأرض.
يقول منير ليموري، رئيس الجمعية المغربية لرؤساء الجماعات ونائب رئيس منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة بإفريقيا، دبلوماسية المدن ليست مكمّلة للدبلوماسية التقليدية، بل هي مكوّن ميداني من ممارسة السيادة». ويضيف أن ما تنجزه الجماعات المغربية من برامج تعاون «يمثّل تجسيدًا عمليًا لنموذج الحكم الذاتي كما يُمارس على الأرض، وكما تتفاعل معه المدن الإفريقية ضِمن شراكات لا نزاع فيها».
ومن موقعه كعمدة لمدينة طنجة، يشير ليموري إلى ما راكمته الجماعة من مبادرات عملية في هذا السياق، بينها اتفاقيات توأمة مع مدن إفريقية واستقبال وفود رسمية ضِمن التعاون جنوب-جنوب، موضحًا أن هذا الاشتغال الترابي «أسهم في ترسيخ صورة المغرب كفاعل تنموي متكامل داخل قارته، لا كطرف سياسي في نزاع مفتعل».
ويرى مراقبون، أنَّ هذه الدينامية المحلية أسهمت في بناء ثقة متبادلة بين المدن الإفريقية ونظيراتها المغربية، لتتحول العلاقات من منطق الترافع السياسي إلى منطق الشراكة والتعاون التنموي، وهو ما جعل الاعتراف الواقعي بالمقترح المغربي يتوسّع خارج الأروقة الرسمية، عبر قنوات عملية تجسّد الشراكة على الأرض.
وتشير المعطيات، إلى أن العديد من الجماعات المغربية انخرطت، ضِمن الجمعية المغربية لرؤساء الجماعات، ضمن شبكات قارية تُعنى بالحوكمة والتخطيط الترابي وتبادل الخبرات، ما أتاح لها موقعًا مؤثرًا داخل المنظومة المؤسساتية الإفريقية. هذا الحضور الميداني جعل المدن المغربية تُنظر إليها اليوم بوصفها شريكًا تنمويًّا فعليًّا يمتلك تجربة ناجحة في الحكامة المحلية يمكن تقاسمها، وليس فقط بلدًا يحمل موقفًا سياسيًا من قضية الصحراء.
ويقرأ محللون هذا الحضور ضمن التحول الأوسع في طريقة تفاعل المنتظم الدولي مع الملف، حيث تزامنت الجهود اللامركزية مع نجاحات الدبلوماسية الرسمية في الأمم المتحدة، لتقدّم صورة متكاملة عن النموذج المغربي في إدارة أقاليمه الجنوبية.
وفي خلفية هذه الدينامية، يتردّد صدى ما ورد في الخطاب الملكي الأخير: «ما تعرفه أقاليمنا الجنوبية من تنمية شاملة وأمن واستقرار هو بفضل تضحيات جميع المغاربة». وهي رسالة تختزل مسارًا متكاملًا من العمل، شاركت فيه مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي على السواء، لترسيخ مغربية الصحراء على الأرض كما في الوعي الدولي.


