تواصل معنا

الجهة

حين تنتصر في المحكمة.. وتخسر في الواقع

‭ ‬يُعدُّ‭ ‬ملف‭ ‬نزع‭ ‬الملكية‭ ‬لأراضي‭ ‬سهل‭ ‬وادي‭ ‬مرتيل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القضايا‭ ‬العقارية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬ويرتبط‭ ‬أساسًا‭ ‬بمشروع‭ ‬تهيئة‭ ‬ضفتي‭ ‬وادي‭ ‬مرتيل،‭ ‬الذي‭ ‬أُطلق‭ ‬سنة‭ ‬2015‭. ‬ويهدف‭ ‬إلى‭:  (‬تهيئة‭ ‬ضفتي‭ ‬واد‭ ‬مرتيل،‭ ‬وفتح‭ ‬مناطق‭ ‬للتعمير،‭ ‬وخلق‭ ‬فضاءات‭ ‬للسكن‭ ‬والترفيه‭ ‬والاستثمار‭).‬

وقد‭ ‬تطلب‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬نزع‭ ‬ملكية‭ ‬نحو‭ ‬1200‭ ‬قطعة‭ ‬أرضية‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬تقارب‭ ‬1600‭ ‬هكتار‭. ‬ويشكّل‭ ‬نزع‭ ‬الملكية‭ ‬لأجل‭ ‬المنفعة‭ ‬العامة‭ ‬إحدى‭ ‬أدوات‭ ‬الدولة‭ ‬لتأمين‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬يظل‭ ‬مشروطًا‭ ‬قانونًا‭ ‬بضمان‭ ‬تعويض‭ ‬عادل‭ ‬وفوري‭. ‬

في‭ ‬حين‭ ‬أنَّ‭ ‬التجربة‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬سهل‭ ‬وادي‭ ‬مرتيل،‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والتطبيق،‭ ‬خاصّةً‭ ‬حين‭ ‬تصدر‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬نهائية‭ ‬لصالح‭ ‬المتضرّرين‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُنفذ‭ ‬في‭ ‬آجال‭ ‬معقولة‭. ‬وتطرح‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬إشكالًا‭ ‬مركزيًّا‭: ‬ما‭ ‬آثار‭ ‬تأخّر‭ ‬تنفيذ‭ ‬التعويضات‭ ‬بعد‭ ‬استنفاد‭ ‬المساطر‭ ‬القضائية؟‭ ‬وهل‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬مبدأ‭ ‬دولة‭ ‬القانون؟‭ ‬

في‭ ‬حالة‭ ‬سهل‭ ‬وادي‭ ‬مرتيل،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬العدالة‭ ‬دائمًا‭ ‬كما‭ ‬تُكتب‭ ‬في‭ ‬الأحكام،‭ ‬بل‭ ‬كما‭ ‬تُعاش‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬هناك،‭ ‬حيث‭ ‬نُزعت‭ ‬أراضٍ‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬المنفعة‭ ‬العامة‮»‬،‭ ‬يجد‭ ‬مئات‭ ‬المواطنين‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬قاسية‭: ‬لقد‭ ‬ربحوا‭ ‬قضاياهم‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‮…‬‭ ‬لكنّهم‭ ‬لم‭ ‬يتسلموا‭ ‬تعويضاتهم‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬التناقض؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لمواطن‭ ‬أن‭ ‬ينتصر‭ ‬قضائيًّا،‭ ‬ثم‭ ‬يظلّ‭ ‬لسنوات‭ ‬ينتظر‭ ‬تنفيذ‭ ‬حكم‭ ‬نهائي؟‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حالة‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬صورة‭ ‬مكثفة‭ ‬لاختلال‭ ‬أعمق‭ ‬يمسّ‭ ‬علاقة‭ ‬الدولة‭ ‬بالمواطن،‭ ‬ويمسّ‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬معنى‭ ‬العدالة‭ ‬نفسها‭. ‬لقد‭ ‬خسر‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬الملاك‭ ‬والفلاحين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السهل‭ ‬أراضيهم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مصدر‭ ‬عيشهم‭ ‬الوحيد‭. ‬الأرض‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬ملكية‭ ‬عقارية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬ذاكرة‭ ‬عائلية،‭ ‬وضمانة‭ ‬للاستقرار،‭ ‬وموردًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬بسيطًا‭ ‬لكنّه‭ ‬مستمرّ‭. ‬ومع‭ ‬نزعها،‭ ‬كان‭ ‬الأمل‭ ‬معقودًا‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬عادل‭ ‬وسريع،‭ ‬كما‭ ‬ينص‭ ‬القانون‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬العكس‭ ‬تمامًا‭: ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الانتظار،‭ ‬ووعود‭ ‬مؤجلة،‭ ‬وأحكام‭ ‬قضائية‭ ‬بقيت‭ ‬حبيسة‭ ‬الرفوف‭. ‬النتيجة‭ ‬كانت‭ ‬قاسية،‭ ‬أسر‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬فجأة‭ ‬بلا‭ ‬دخل‭. ‬ديون‭ ‬تراكمت،‭ ‬شباب‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬هشّة‭. ‬وبعض‭ ‬المتضرّرين‭ ‬‮«‬وهم‭ ‬يتنقلون‭ ‬بين‭ ‬الإدارات‭ ‬والمحاكم‮»‬‭ ‬بدأوا‭ ‬يفقدون‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬مواردهم،‭ ‬بل‭ ‬ثقتهم‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭. ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬المؤلمة‭: ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نهاية‭ ‬للمعاناة،‭ ‬مجرد‭ ‬مرحلة‭ ‬أخرى‭ ‬فيها‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬البعض‭ ‬بات‭ ‬يتساءل‭ ‬بمرارة‭: ‬ما‭ ‬قيمة‭ ‬حكم‭ ‬نهائي‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُنفذ؟‭ ‬وما‭ ‬جدوى‭ ‬التقاضي‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬نتائجه‭ ‬تبقى‭ ‬مُعلّقة؟‭ ‬إن‭ ‬نزع‭ ‬الملكية‭ ‬لأجل‭ ‬المنفعة‭ ‬العامة‭ ‬مبدأ‭ ‬مشروع،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أن‭ ‬تستغني‭ ‬عنه‭ ‬لإنجاز‭ ‬مشروعاتها‭ ‬الكبرى‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬يفقد‭ ‬معناه‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقانوني‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يُقترن‭ ‬بشرطين‭ ‬أساسيين‭: ‬الإنصاف،‭ ‬والسرعة‭ ‬في‭ ‬التعويض‭. ‬فالتنمية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬تعطيل‭ ‬حقوق‭ ‬الأفراد،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬تحميل‭ ‬فئة‭ ‬معيّنة‭ ‬كلفة‭ ‬مشروعات‭ ‬يُفترض‭ ‬أنها‭ ‬تخدم‭ ‬الجميع‭. ‬الأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تأخّر‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬لا‭ ‬يضرّ‭ ‬فقط‭ ‬بالمتضرّرين،‭ ‬بل‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬المؤسسات‭. ‬فحين‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬أن‭ ‬القضاء‭ ‬أنصفه‭ ‬نظريًّا،‭ ‬لكن‭ ‬الإدارة‭ ‬لم‭ ‬تنفذ،‭ ‬فإن‭ ‬الثقة‭ ‬تتآكل‭. ‬ومع‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة،‭ ‬يتراجع‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمن‭ ‬القانوني،‭ ‬وهو‭ ‬أساس‭ ‬أي‭ ‬استقرار‭ ‬اجتماعي‭. ‬إنَّ‭ ‬ملف‭ ‬سهل‭ ‬وادي‭ ‬مرتيل‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نزاع‭ ‬عقاري،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬واحترام‭ ‬الحقوق‭. ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬فرصة‭ ‬لتصحيح‭ ‬مسار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬استمر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬سلبي‭ ‬يُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الأزمات‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭. ‬اليوم،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬إصدار‭ ‬أحكام‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬الموجودة‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬وعود‭ ‬إضافية،‭ ‬بل‭ ‬إجراءات‭ ‬ملموسة‭ ‬تُنهي‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭. ‬فتعويض‭ ‬المتضرّرين‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التزامًا‭ ‬قانونيًّا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واجب‭ ‬أخلاقي،‭ ‬ورسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬تحترم‭ ‬تعهداتها‭. ‬لعلَّ‭ ‬أبسط‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬بالحكم،‭ ‬بل‭ ‬تتحقّق‭ ‬بالتنفيذ‭. ‬وكل‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مسطرة‭ ‬إدارية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬معاناة‭ ‬إنسانية‭ ‬تتجدَّد‭ ‬كلَّ‭ ‬يوم‭. ‬فهل‭ ‬تتحرَّك‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬لإنهاء‭ ‬هذا‭ ‬الملف؟‭ ‬وهل‭ ‬يُعاد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمواطنين‭ ‬لم‭ ‬يطلبوا‭ ‬إلا‭ ‬حقّهم‭ ‬في‭ ‬تعويض‭ ‬مستحقّ؟‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬جوابًا‭.. ‬ليس‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

بقلم‭:‬‭ ‬كـمـــال‭ ‬الغــازي

تابعنا على الفيسبوك