سياسة
“حمى” التزكيات الانتخابية في طنجة.. بين أدعياء النفوذ وموزعي المال السياسي
مع بداية هذه السنة يكون العد العكسي للانتخابات المحليَّة قد انطلق، وارتفعت معه درجة حرارة الساحة السياسيَّة بطنجة، إذ تسارعت وتيرة الصراعات حول التزكيات، واشتد التنافس بين عدة مكونات تسعى للحصول على مقاعد داخل المجالس الجماعيَّة والمقاطعات.
وبمجرد أن سمح بالتسجيل، أعلنت الأحزاب التقليديَّة عن نفسها بعد سبات طويل، وأشهرت ادعاءات الأحقيَّة والتفرد، فيما تبرز بين الفينة والأخرى وجوه جديدة تسوق نفسها بمطالب تغيير الواقع.
وكانت مصادر مطلعة لجريدة “لاديبيش” قد أشارت إلى أن المنافسة على التزكيات خرجت عن الإطار الحزبي البحت، لتشمل مصالح شخصيَّة وطموحات فرديَّة محميَّة بعلاقات أسريَّة ونفوذ مالي، فظهر عدد من النافذين داخل الأحزاب يستخدمون “ملكاتهم” لضمان مرشحين تابعين لهم.
وحتى المعارضة لم تسلم من هذا التلاعب، إذ سرت شائعات عن “شبهات” في توزيع المناصب وخرق القرارات الحزبيَّة بشأن التوجهات العامة للتصويت، بل وحالات تم فيها استبدال اللوائح في آخر لحظة، دون إشعار الأجهزة الإقليميَّة لهذه الأحزاب.
وفجأة تزينت الساحة السياسيَّة بلقاءات جماهيريَّة واجتماعات مغلقة، رغم أن بعضها يتسم بمساعي الاسترضاء، مع وعود بالتوظيف أو المشاريع مقابل التصويت.
ما أفضى إلى دق ناقوس التحذير من قبل فاعلين مدنيين داعين إلى محاسبة شفافة لكافة الأموال المصروفة خلال الحملة، ومنبهين أيضا إلى أن الاستحقاقات ليست فقط فرصة للوصول إلى الكرسي، بل امتحان يعكس انضباط الحياة الديمقراطيَّة ومصداقيَّة المؤسَّسات.
أما من منظور الشارع، فإن أكثر ما يزعج المواطنين هو “السوق المفتوح” على اللوائح، إذ يروج البعض لمنظمات فاعلة جديدة، لكنهم يصطدمون بحقيقة أن غالب أعضائها منتمون لنفس الشبكات المتنفذة.
كل هذه الضوضاء السياسيَّة ولّدت فرصا لظهور مرشحين طارئين، أعلنوا لأول مرة أهدافهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسعوا لإقناع المواطن العادي بمنحهم ثقة بعيدا عن المحسوبيات المتكررة، لكن وما نيل المنى بالتمني.
ولطالما كان لاختصاص الجهات الرقابيَّة في التدخل، بدءًا من النيابة العامة والوكيل القضائي، دور محوري في المطالبة بتقديم لوائح ماليَّة واضحة من قبل الأحزاب قبل انطلاق الحملة، مع تأكيد مقتضى أن أي تجاوزات تفضي بالضرورة إلى سحب التزكيات، أو التتبع القضائي.
لكن واقع التطبيق يبقى هشًّا، إذ يحتاج المراقبون إلى دعم تشريعي وقضائي فعال يضبط جماح النفوذ، ويكبح تسلل الأموال الفاسدة في أيدي الناخبين. وفي هذه البيئة الملتبسة، تذكر مصادر محليَّة أن عددًا من المحسوبين على مرشحين معروفين وضعوا في مواجهة ضاريَّة داخل حقول ودواليب التأثير في ضمان الأصوات الانتخابيَّة.
ومع أنَّ السلطات دائما ما كررت تأكيدات بمنع استعمال المال السياسي، فإنّ الواقع يثبت أن الحملات الانتخابيَّة باتت نسخ تنافس ما قبلها في الرداءة، لا سيَّما إثر تسريب فيديوهات إبان الانتخابات الماضيَّة تظهر شراء أصوات بدفع مادي مباشر.
لكن المواطن أيضا يجدر به أن يتذكر دائمًا أنَّ الانتخابات المحليَّة ليست مجرد مناسبة لتوزيع النفوذ، بل محطة لإعادة تثبيت الثقة بينه وبين مؤسسات يمثله فيها.
أما الأطراف السياسيَّة، فعليها إدراك حقيقة أن الطريق إلى المصداقيَّة يمر عبر شفافيَّة التزكيات والتوازن في النفوذ، والاكتفاء بالوعد والمصلحة الموسميَّة الضيقة لن ينفع في بناء أي مصداقيَّة أو تأثير. إن الطريق إلى مجلس جماعي أو مقاطعة ليس مجرد لعبة ومناورات حزبيَّة، بل إنصاف لتاريخ العلاقة بين الساكنة وممثليها.


