القانون والناس
حق الجار ورفع الضرر بين قوة القانون وقانون القوة
عندما وُجد القانون كان هدفه الأساسي هو حماية الحقّ والقانون وتسيير المعاملات بين الأفراد، فهل هَذَا القانون حاليًا أصبح يستخدم لصالح الأقوى ولصالح من بيده السلطة أم هو القانون الَّذِي يجب أن يطبق لصالح المجتمع والقانون؟ خصوصًا إذا كان المتخاصمان من وصَّى الرسول –صلى الله عليه وسلم- عليهم وعلى حقهم (أي الجيران)؟!
إن كان المُشرّع اعتبر أنّه لا يكون الشخص مسؤولًا عن الضرر الَّذِي يحدثه بفعله فحسب، لكن يكون مسؤولًا أيضًا عن الضرر الَّذِي يحدثه للأشخاص الَّذِينَ هم في عهدته. يسألان عن الضرر الَّذِي يحدثه أبناؤهما القاصرون الساكنون معهما. المخدومون ومن يكلفون غيرهم برعاية مصالحهم يسألون عن الضرر الَّذِي يحدثه خدامهم ومأمورهم في أداء الوظائف الَّتِي شغلوهم فيها. أرباب الحرف يسألون عن الضرر الحاصل من متعلميهم، خلال الوقت الَّذِي يكونون فيه تحت رقابتهم.
وتُقدّر المسؤولية المشار إليها أعلاه، ما لم يثبت الأب أو الأم أو أرباب الحرف، أنّهم لم يتمكّنوا من منع وقوع الفعل، الَّذِي أدى إليها. الأب والأم وغيرهما من الأقارب أو الأزواج يسألون عن الأضرار الَّتِي يحدثها المجانين وغيرهم من مُختلّي العقل، إذا كانوا يسكنون معهم ولو كانوا بالغين سنّ الرشد. وتلزمهم هَذِهِ المسؤولية ما لم يثبتوا:
- أنّهم باشروا كلّ الرقابة الضرورية على هَؤُلَاءِ الأشخاص.
- أنهم كانوا يجهلون خطورة مرض المجنون.
- أن الحادثة قد وقعت بخطأ المتضرر.
ويُطبّق نفس الحكم على مَن يتحمّل بمقتضى عقد رعاية هَؤُلَاءِ الأشخاص أو رقابتهم.. هَذَا الفصل جاء واضحًا وشاملًا أنَّ الضرر -كيفما كان- فصاحب العقار ومَن يقع تحت مسؤوليته يجب أن يُزيل الضرر القائم ضد جاره أو ضد من يقع عليه الفعل الضار، فإن كان حائطًا أو سورًا قائمًا منذ سنين عديدة، يُزَال من طرف جار جائر، لا يفكر إلا في مصلحته العليا، ضد أي كان، خصوصًا إذا تراء له أنَّ الجار ضعيف وليس بمقدوره مجاراته، فهل يمكن أن ينصفه القضاء أم للقضاء رأي آخر؟!
المُشرّع اعتبر أنّه كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء الَّتِي في حراسته، إذا تبيّن أن هَذِهِ الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت:
- أنه فعل ما كان ضروريًا لمنع الضرر.
- أنَّ الضرر يرجع إما لحدث فجائي، أو لقوّة قاهرة، أو لخطأ المتضرر.
فإذا كان هَذَا السور أُزيل بفعل فاعل بالدليل القاطع، وكان نتيجة هَذَا الفعل يمكن أن يتعرّض الجار لهجوم من قبل المجرمين وقطاع الطرق وغيرهم، خصوصًا أنَّ منزل الجار ليس به أمن خاصّ وأناس ضعفاء، الأمر الَّذِي سطره المُشرّع بالمادة (89) من قانون الالتزامات والعقود، حيث إنّه سأل مالك البناء عن الضرر الَّذِي يحدثه انهياره أو تهدمه الجزئي، إذا وقع هَذَا أو ذاك، بسبب القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء. ويطبق نفس الحكم في حالة السقوط أو التهدّم الجزئي لما يعتبر جزءًا من العقار، كالأشجار والآلات المندمجة في البناء والتوابع الأخرى المعتبرة عقارات بالتخصيص. وتلزم المسؤولية صاحب حقّ السطحية، إذا كانت ملكية هَذَا الحقّ منفصلة عن ملكية الأرض. وإذا التزم الشخص غير المالك برعاية البناء، إما بمقتضى عقد، أو بمقتضى حقّ انتفاع أو أيّ حق عيني آخر، تحمل هَذَا الشخص المسؤولية. وإذا قام نزاع على الملكية، لزمت المسؤولية الحائز الحالي للعقار.
فكيف يمكن أن يحمي مالك العقار الَّذِي يخشى -لأسباب معتبرة- انهيار بناء مجاور أو تهدمه الجزئي أن يطلب من مالك هَذَا البناء أو ممَّن يكون مسؤولًا عنه وَفْقًا لأحكام الفصل (89) اتّخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الانهيار. أو أن يتجاهل هَذَا القانون ويطبق قانون القوّة وعلى المتضرّر اللجوء إلى القضاء.


