تواصل معنا

مجتمع

جمعيات طنجة غائبة عن تأطير الساكنة.. والممتلكات الجماعية في عرضة للتخريب

رغم الحضور الكثيف للجمعيات بمدينة طنجة، وتنوّع أنشطتها بين ما هو ثقافي واجتماعي ورياضي، فإنّ ملف الحفاظ على الممتلكات الجماعيَّة ظلّ خارج دائرة اهتمام أغلب هذه التنظيمات، في وقت تتزايد فيه مظاهر التخريب والإهمال التي تطال المرافق العموميَّة، بدءًا من الحدائق والساحات وصولًا إلى البنيَّة التحتيَّة الخاصة بالنقل والإنارة.

هذا الغياب يطرح أكثر من علامة استفهام حول الدور الحقيقي للجمعيات في تأطير الساكنة، خصوصًا أنَّ القانون يمنحها هامشًا واسعًا للتحسيس والتربيَّة المدنيَّة، بل يجعلها شريكًا أساسيًّا في التنميَّة المحليَّة إلى جانب الجماعات الترابيَّة.

شوارع طنجة اليوم تكشف حجم الإشكال بشكل واضح، فالمقاعد العموميَّة مكسورة، وأعمدة الإنارة تتعرَّض للتخريب بشكل متكرّر، وحاويات النظافة إما محروقة وإمّا مفقودة، والجداريات التي تكلف الجماعة مبالغ مهمة سرعان ما تتعرَّض للتشويه.

هذا الواقع يجعل فاتورة الإصلاح والصيانة تستنزف ميزانيَّة ضخمة كان بالإمكان توجيهها إلى مشروعات جديدة أو تحسين الخِدْمات الأساسيَّة، في حين يغيب الوعي الجماعي بكون هذه المرافق ليست ملكًا للجماعة أو الدولة فقط، بل هي ملك مشترك لكلّ المواطنين، ما يفرض على الساكنة حمايتها وصيانتها باعتبارها جزءًا من حقوقهم اليوميَّة.

ورغم تعدد الجمعيات العاملة بالمدينة، التي يتجاوز عددها آلاف التنظيمات المسجلة رسميا، فإنَّ الملاحظ أن أغلبها ينشغل بالبحث عن الدعم العمومي أو تنظيم أنشطة موسميَّة، بينما يظل دورها التوعوي شبه غائب. القليل جدا من هذه الجمعيات بادر إلى إطلاق حملات ميدانيَّة للتحسيس بخطورة تخريب الممتلكات الجماعيَّة، وغالبًا ما تأتي هذه المبادرات في إطار شراكات مؤقتة مرتبطة بمناسبات معينة.

هذا الوضع يعكس، بحسب عدد من المتتبعين، تحوّل جزء كبير من الحركة الجمعويَّة بطنجة إلى واجهة شكليَّة أكثر من كونها قوة اقتراحيَّة وتأطيريَّة قادرة على التأثير في السلوك المجتمعي.

منتخبون محليون اعتبروا في حديثهم للجريدة، أن استمرار مظاهر التخريب يُمثّل نزيفًا حقيقيًّا لميزانيَّة الجماعة، مشيرين إلى أن مبالغ مهمة تصرف كل سنة على إصلاح نفس الأعطاب، من مقاعد الحدائق إلى أعمدة الإنارة، دون أن يرافق ذلك وعي مجتمعي بضرورة صون هذه المرافق. وأوضح هؤلاء، أنَّ الحل لا يكمن فقط في المراقبة أو التدخل الأمني، بل في إشراك الجمعيات والفاعلين المدنيين في حملات توعويَّة مستمرة تزرع لدى الأجيال الناشئة ثقافة الحفاظ على الملك العام.

في المقابل، يرى آخرون أن غياب الجمعيات عن هذا الملف يفسر بكون العديد منها تحول إلى مجرد هياكل تبحث عن الدعم السنوي، بدل أن تضع ضمن أجندتها أهدافًا مرتبطة بتأطير الساكنة.

وذهب بعض المنتخبين إلى أن ضعف حضور الجمعيات في الميدان جعل الجماعة تتحمّل العبء وحدها، في وقت كان من المفترض أن يشكل المجتمع المدني قوة موازيَّة تواكب عمل المؤسسات المنتخبة.

ويرى خبراء في العمل الجمعوي، أنَّ الحل يكمن في إبرام شراكات حقيقيَّة بين الجماعة والجمعيات النشيطة، تقوم على أهداف واضحة تتمثل في حماية الممتلكات العامة وتعزيز الوعي البيئي وتنظيم حملات دوريَّة في المدارس والأحياء. مثل هذه المبادرات لا تتطلب بالضرورة ميزانيات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة جماعيَّة ورغبة صادقة في إشراك المواطن في عمليَّة التنميَّة.

وبين غياب الجمعيات وتقصير المؤسسات، تظلّ الممتلكات الجماعيَّة في طنجة عرضة للإهمال والتخريب. والمحصلة أن المواطن يؤدي الثمن مضاعفًا، مرة حين تُهدر ميزانيَّة الإصلاح والصيانة على إعادة بناء ما أتلف، ومرة أخرى حين يُحرم من خدمات كان من الممكن أن تُحسّن من جودة عيشه. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو متى ستخرج الجمعيات من موقع المتفرج، لتتحمل مسؤوليتها الحقيقيَّة في تأطير الساكنة، وتتحوَّل من تنظيمات تبحث عن الدعم إلى قوة مدنيَّة فاعلة تحمي ما هو مشترك، وتجعل الحفاظ على الممتلكات العموميَّة ثقافة يوميَّة راسخة في سلوك الأفراد والجماعات.

تابعنا على الفيسبوك