تواصل معنا

الجهة

بوجديان وآفاق التنمية: حين يختنق الأمل وسط الإهمال

حين‭ ‬نفتح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬جماعة‭ ‬بوجديان،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نستحضر‭ ‬مجرد‭ ‬تراب‭ ‬إداري‭ ‬ضمن‭ ‬خريطة‭ ‬إقليم‭ ‬العرائش،‭ ‬بل‭ ‬نستحضر‭ ‬ذاكرة‭ ‬جماعية،‭ ‬وعمقًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬واجتماعيًّا‭ ‬لطالما‭ ‬شكَّل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬القرويّ‭ ‬المغربي‭ ‬الأصيل‭. ‬بوجديان‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬موقع‭ ‬جغرافي‭ ‬نائي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أرض‭ ‬حبلى‭ ‬بالمؤهلات‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ورجال‭ ‬ونساء‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأنَّ‭ ‬التنمية‭ ‬حقّ‭ ‬وليست‭ ‬صدقة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الأولويات،‭ ‬وكأنَّها‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬البوصلة‭ ‬التنموية‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يرفعها‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭. ‬والنتيجة؟‭ ‬واقع‭ ‬مرّ،‭ ‬وتطلّعات‭ ‬تختنق‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الإهمال‭ ‬والتهميش‭.‬

*واقع‭ ‬تنموي‭ ‬مأزوم

لنُصارح‭ ‬أنفسنا‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭: ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬مهترئة،‭ ‬والطرق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدواوير‭ ‬أشبه‭ ‬بمسالك‭ ‬وعرة‭ ‬تُعيق‭ ‬أبسط‭ ‬تنقل‭ ‬يومي،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭. ‬التعليم‭ ‬يعاني‭ ‬خصاصًا‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأطر،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬تلاميذ‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬الزهور‭ ‬إلى‭ ‬الهدر‭ ‬المدرسي‭ ‬أو‭ ‬التنقّل‭ ‬اليومي‭ ‬لمسافات‭ ‬مرهقة‭. ‬أما‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬فحدّث‭ ‬ولا‭ ‬حرج؛‭ ‬مركز‭ ‬صحيّ‭ ‬واحد،‭ ‬ومعدّات‭ ‬شبه‭ ‬منعدمة،‭ ‬وغياب‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬للأطر‭ ‬الطبّيَّة‭.‬

ومع‭ ‬غياب‭ ‬الآفاق،‭ ‬يختار‭ ‬شباب‭ ‬الجماعة‭ ‬مغادرة‭ ‬مداشرهم،‭ ‬أما‭ ‬نحو‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬قوارب‭ ‬الموت‭ ‬نحو‭ ‬المجهول‭. ‬إنهم‭ ‬لا‭ ‬يهربون‭ ‬من‭ ‬وطنهم،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬لا‭ ‬يمنحهم‭ ‬سوى‭ ‬الانتظار‭ ‬واليأس‭.‬

*مؤهلات‭ ‬مهدورة

المؤلم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬أن‭ ‬بوجديان‭ ‬لا‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الإمكانيات‭. ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬فهي‭ ‬تزخر‭ ‬بثروات‭ ‬طبيعية‭ ‬متنوّعة،‭ ‬من‭ ‬أراضٍ‭ ‬زراعية‭ ‬خصبة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُشكّل‭ ‬أساسًا‭ ‬لفلاحة‭ ‬عصريّة‭ ‬وتعاونيَّة،‭ ‬إلى‭ ‬غابات‭ ‬ومساحات‭ ‬يمكن‭ ‬تُوظيفُها‭ ‬في‭ ‬السياحة‭ ‬الإيكولوجية‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬حضرية‭ ‬كالقصر‭ ‬الكبير‭ ‬والعرائش‭ ‬يمنحها‭ ‬قابلية‭ ‬لربط‭ ‬شبكات‭ ‬التنمية‭ ‬الإقليميَّة‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬أن‭ ‬الجماعة‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬رأسمال‭ ‬بشري‭ ‬مُهمّ،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬المقيمين‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الجالية‭ ‬المنحدرين‭ ‬منها،‭ ‬الذين‭ ‬أبانوا‭ ‬عن‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬غياب‭ ‬إشراكهم‭ ‬في‭ ‬القرار،‭ ‬واستمرار‭ ‬منطق‭ ‬الإقصاء،‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬معطّلة،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬لحظة‭ ‬انفتاح‭ ‬حقيقية‭.‬

*ما‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬التغيير؟

إنَّ‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأي‭ ‬تغيير‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬العميق‭ ‬بأن‭ ‬بوجديان،‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬باقي‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب‭ ‬العميق،‭ ‬تستحق‭ ‬تنمية‭ ‬عادلة‭ ‬ومنصفة‭. ‬تنمية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالوعود‭ ‬الموسمية،‭ ‬ولا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬ترقيعية‭ ‬لذر‭ ‬الرماد‭ ‬في‭ ‬العيون‭.‬

على‭ ‬المنتخبين‭ ‬المحليين‭ ‬أن‭ ‬يتحمّلوا‭ ‬مسؤولياتهم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وأن‭ ‬ينتقلوا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ “‬تدبير‭ ‬الواقع‭” ‬إلى‭ “‬قيادة‭ ‬التحوّل‭”.‬

على‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬أن‭ ‬يُكثف‭ ‬جهوده‭ ‬في‭ ‬الترافع‭ ‬والبناء،‭ ‬وأن‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكًا‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تابع‭.‬

وعلى‭ ‬الدولة،‭ ‬بمختلف‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬أن‭ ‬تُدرج‭ ‬بوجديان‭ ‬ضمن‭ ‬خريطة‭ ‬الأولويات،‭ ‬لا‭ ‬باعتبارها‭ “‬منطقة‭ ‬نائية‭” ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ “‬منطقة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬القلب‭” ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬ينصت‭ ‬لصوتها‭.‬

*نحو‭ ‬تنمية‭ ‬عادلة

التنمية‭ ‬ليست‭ ‬تعبيد‭ ‬طريق‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬قاعة‭ ‬هناك‭. ‬التنمية‭ ‬مشروع‭ ‬حياة،‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬العدالة‭ ‬الترابية،‭ ‬والإنصات‭ ‬للمواطن،‭ ‬وتمكينه‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التحوّل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬لا‭ ‬بُدّ‭ ‬من‭ ‬إحداث‭ ‬مناطق‭ ‬صناعية‭ ‬فلاحية‭ ‬صغيرة،‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬التعاونيات‭ ‬المحلية،‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬مجالات‭ ‬التكوين‭ ‬والتشغيل‭ ‬أمام‭ ‬الشباب،‭ ‬ومن‭ ‬ربط‭ ‬الدواوير‭ ‬بالماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والطرق‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬وليس‭ ‬موسميًّا‭.‬

بوجديان‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬النهوض‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬حلما‭ ‬طوباويًا،‭ ‬بل‭ ‬واقع‭ ‬ممكن‭ ‬إذا‭ ‬تضافرت‭ ‬الجهود،‭ ‬وتوفرت‭ ‬الإرادة،‭ ‬واشتغل‭ ‬الجميع‭ ‬بشفافية‭ ‬وغيرة‭ ‬وطنية‭. ‬كفى‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬انتخابية‭ ‬تُستدعى‭ ‬كل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لرد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لبوجديان،‭ ‬وتقديم‭ ‬ما‭ ‬تستحقه‭ ‬من‭ ‬تنمية‭ ‬وعدالة‭ ‬اجتماعية‭.‬

                              ‬مصطفى‭ ‬شحموط

تابعنا على الفيسبوك