تواصل معنا

الجهة

المستشفى الإقليمي لالة مريم بالعرائش .. حين يصبح الحق في العلاج معركة يومية من أجل الحياة

في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬سياساتها‭ ‬العمومية،‭ ‬يقاس‭ ‬تقدّمها‭ ‬بما‭ ‬توفره‭ ‬لمواطنيها‭ ‬من‭ ‬تعليم‭ ‬وصحة‭ ‬وكرامة‭. ‬أما‭ ‬المستشفى،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬بناية‭ ‬من‭ ‬الإسمنت،‭ ‬ولا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الغرف‭ ‬والأجهزة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حصنٌ‭ ‬للحياة،‭ ‬وملاذٌ‭ ‬للمريض،‭ ‬ومأوى‭ ‬للأمل‭ ‬عندما‭ ‬تخذل‭ ‬الإنسان‭ ‬قسوة‭ ‬المرض‭.‬

لكنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬المستشفى‭ ‬الإقليمي‭ ‬لالة‭ ‬مريم‭ ‬بالعرائش‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬مؤلمة،‭ ‬ويفتح‭ ‬جراحًا‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬حقٌّ‭ ‬دستوريٌّ‭ ‬وإنسانيٌّ‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التأجيل‭.‬

هذا‭ ‬المستشفى،‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬بكل‭ ‬فخر‭ ‬اسم‭ ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬لالة‭ ‬مريم،‭ ‬المعروفة‭ ‬بعطائها‭ ‬الإنساني‭ ‬الكبير،‭ ‬ودفاعها‭ ‬المتواصل‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬الطفولة‭ ‬والمرأة‭ ‬والعمل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نموذجًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الصحية،‭ ‬ويجسّد‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭ ‬التي‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬اسم‭ ‬سموها‭. ‬لكنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬‮«‬كما‭ ‬يعيشه‭ ‬المواطنون‭ ‬يوميًّا‮»‬‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬تتطلَّب‭ ‬وقفة‭ ‬مسؤولة‭ ‬وسريعة‭.‬

إن‭ ‬إقليم‭ ‬العرائش،‭ ‬الذي‭ ‬يضمُّ‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬خصاص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الأطباء،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬التخصصات‭ ‬الطبية‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬المرضى‭ ‬يوميًّا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نقصٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬في‭ ‬أطر‭ ‬التمريض،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضاعف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الأطر‭ ‬الموجودة،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬المرضى‭ ‬وذويهم،‭ ‬ويؤخر‭ ‬مواعيد‭ ‬العلاج،‭ ‬ويجعل‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬طبيبٍ‭ ‬مختصٍّ‭ ‬تمتد‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭.‬

ويزداد‭ ‬الوضع‭ ‬خطورة‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬بعض‭ ‬التخصصات‭ ‬الحيوية،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬اختصاص‭ ‬جراحة‭ ‬العظام‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬معينة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تخصصات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬داخل‭ ‬مستشفى‭ ‬إقليمي‭ ‬يخدم‭ ‬مجالًا‭ ‬ترابيًّا‭ ‬واسعًا‭. ‬وعندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالإصابات‭ ‬الخطيرة‭ ‬أو‭ ‬الحوادث‭ ‬المستعجلة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬إنقاذ‭ ‬حياة‭ ‬أو‭ ‬فقدانها‭.‬

أما‭ ‬قسم‭ ‬المستعجلات،‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬للمؤسسة‭ ‬الصحية،‭ ‬فهو‭ ‬يعمل‭ ‬‮«‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يشتكي‭ ‬منه‭ ‬المرتفقون‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إمكانيات‭ ‬محدودة،‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬حجم‭ ‬الضغط‭ ‬اليومي،‭ ‬ولا‭ ‬تستجيب‭ ‬لاحتياجات‭ ‬إقليم‭ ‬يعرف‭ ‬حركة‭ ‬مرورية‭ ‬كثيفة‭ ‬وحوادث‭ ‬سير‭ ‬متكرّرة‭.‬

فالعرائش‭ ‬ليست‭ ‬إقليمًا‭ ‬عاديًّا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الجغرافية،‭ ‬بل‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المحاور‭ ‬الطرقية‭ ‬بالمملكة،‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬وطنجة،‭ ‬وتشكل‭ ‬معبرًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬وبين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬تستقبل‭ ‬يوميًّا‭ ‬آلاف‭ ‬المسافرين‭ ‬والشاحنات‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل‭ ‬المختلفة،‭ ‬ويرفع‭ ‬احتمال‭ ‬وقوع‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬تدخلًا‭ ‬طبيًّا‭ ‬عاجلًا‭ ‬ومتخصصًا‭. ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬المقبول‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الحيوي‭ ‬دون‭ ‬مؤسسة‭ ‬صحية‭ ‬تتوفّر‭ ‬على‭ ‬الإمكانيات‭ ‬البشرية‭ ‬والتقنية‭ ‬الكافية‭.‬

لكن‭ ‬معاناة‭ ‬المستشفى‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الخصاص‭ ‬في‭ ‬الأطباء‭ ‬والتجهيزات،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬ونساء‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء،‭ ‬ويؤدون‭ ‬أدوارًا‭ ‬أساسية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬مكونات‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭.‬

إن‭ ‬حرَّاس‭ ‬الأمن‭ ‬الخاص‭ ‬يسهرون‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المؤسسة‭ ‬والمرضى‭ ‬والزوار،‭ ‬وعاملات‭ ‬وعمال‭ ‬النظافة‭ ‬يخوضون‭ ‬يوميًّا‭ ‬معركة‭ ‬النظافة‭ ‬والوقاية‭ ‬من‭ ‬العدوى‭ ‬داخل‭ ‬مختلف‭ ‬الأقسام،‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مهنية‭ ‬شاقة،‭ ‬ولساعات‭ ‬عمل‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬اثنتي‭ ‬عشرة‭ ‬ساعة‭ ‬يوميًّا‭.‬

ورغم‭ ‬حجم‭ ‬المسؤولية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬منهم‭ ‬يتقاضون‭ ‬أجورًا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬2700‭ ‬درهم‭ ‬شهريًّا،‭ ‬وهي‭ ‬أجور‭ ‬متواضعة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬قيمة‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول،‭ ‬ولا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬مشقة‭ ‬العمل،‭ ‬ولا‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬شروط‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭ ‬لهم‭ ‬ولأسرهم‭.‬

إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬الأجهزة‭ ‬أو‭ ‬تشييد‭ ‬المباني،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬أولًا‭ ‬من‭ ‬الإنسان؛‭ ‬من‭ ‬الطبيب،‭ ‬والممرض،‭ ‬وحارس‭ ‬الأمن،‭ ‬وعاملة‭ ‬النظافة،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬المرفق‭ ‬الحيوي‭. ‬فلا‭ ‬كرامة‭ ‬لمستشفى‭ ‬تُهدر‭ ‬فيه‭ ‬كرامة‭ ‬العامل،‭ ‬ولا‭ ‬جودة‭ ‬لخدمة‭ ‬صحية‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬أوضاع‭ ‬اجتماعية‭ ‬ومهنية‭ ‬هشّة‭.‬

إن‭ ‬سكان‭ ‬إقليم‭ ‬العرائش‭ ‬لا‭ ‬يطلبون‭ ‬امتيازات،‭ ‬ولا‭ ‬يطالبون‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬القانون،‭ ‬وإنما‭ ‬يطالبون‭ ‬بحقهم‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬يضمن‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تحفظ‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويُوفّر‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات،‭ ‬ويعزز‭ ‬أطر‭ ‬التمريض،‭ ‬ويجهز‭ ‬قسم‭ ‬المستعجلات‭ ‬بما‭ ‬يليق‭ ‬بمكانة‭ ‬الإقليم،‭ ‬ويصون‭ ‬حقوق‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬داخله‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬ليس‭ ‬عبئًا‭ ‬ماليًّا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استثمارٌ‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭ ‬ومستقبله‭. ‬فالمجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تنهض‭ ‬إلا‭ ‬بإنسان‭ ‬سليم،‭ ‬ولا‭ ‬يبنى‭ ‬الوطن‭ ‬إلا‭ ‬بعقول‭ ‬مطمئنة‭ ‬وقلوب‭ ‬مؤمنة‭ ‬بأن‭ ‬كرامتها‭ ‬مصونة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإنَّنا‭ ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬المستشفى‭ ‬الإقليمي‭ ‬لالة‭ ‬مريم‭ ‬بالعرائش‭ ‬ببرنامج‭ ‬استعجالي‭ ‬شامل،‭ ‬يعيد‭ ‬إليه‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يستحقها،‭ ‬ويترجم‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬الوطنية،‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬الطبي‭ ‬فضاءً‭ ‬للأمل‭ ‬والشفاء،‭ ‬لا‭ ‬عنوانًا‭ ‬للمعاناة‭ ‬والانتظار‭.‬

فصحة‭ ‬المواطن‭ ‬ليست‭ ‬رقمًا‭ ‬في‭ ‬تقرير،‭ ‬ولا‭ ‬ملفًا‭ ‬إداريًّا‭ ‬يوضع‭ ‬على‭ ‬الرفوف،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أقدس‭ ‬أمانة‭ ‬في‭ ‬عنق‭ ‬كلّ‭ ‬مسؤول‭. ‬وعندما‭ ‬ينقذ‭ ‬مستشفى‭ ‬حياة‭ ‬إنسان،‭ ‬فإنَّه‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬فردًا‭ ‬واحدًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يحمي‭ ‬أسرة،‭ ‬ويصون‭ ‬مجتمعًا،‭ ‬ويجسد‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬لدولة‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬أولًا،‭ ‬والكرامة‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.‬

بـقـلم‭:‬‭ ‬مـحمـد‭ ‬اعبيـدو

تابعنا على الفيسبوك