آخر الأخبار
المداخيل الذاتية تواصل الارتفاع.. والباقي استخلاصه المشكلة الكبرى الصحة المالية لطنجة.. هل ميزانية المدينة قادرة على تحمل مشروعات المستقبل؟
مدينة طنجة مقبلة على كثيرٍ من الأحداث الَّتِي ستُغير وجهها، سيكون أكبرها -بلا شك- احتضان كأس العالم 2030، وقبله كأس أمم إفريقيا 2025، وهما حدثان لا يتطلّبان إحداث ملعب في المستوى، أو بنيات استقبال بمعايير عالية، ولكنّ أيضًا يفرضان الاستثمار في عديد من مشروعات البنى التحتية.
وظهرت -في الآونة الأخيرة- عديد من المشروعات، الَّتِي تتطلّبُ استثماراتٍ بقيمة كبيرة، المؤكد منها مثلًا إنشاء خطّ الحافلات السريعة BRT وإنشاء خط «التيليفيريك»، في انتظار أن يتم الحسم أيضًا في خط «الترامواي» الَّذِي دارت بشأنه عديد من الأخبار مؤخرًا، تصبّ في اتجاه اقتراب تنزيله على أرض الواقع.
وإلى جانب ذلك، فإنَّ برنامج عمل الجماعة وحده سيُكلّف الجماعة أكثر من مليار درهمٍ، وهو رقم كبير جدًا إذا ما قورن مثلًا بإجمالي ميزانية المجلس للسنة 2024، الَّتِي تزيد قليلًا عن مليار درهم، الأمر الَّذِي يدفعنا للتنقيب في «الوضعية الصحية» لميزانية طنجة، ومدى قدرتها على تحمّل تكاليف المستقبل.
- تحسن في الرسوم الذاتية
وبشكل عامّ، شهدت مالية جماعة طنجة انتعاشًا ملحوظًا، خلال السنتين الأخيرتين، خصوصًا في ظلّ التعافي التدريجيّ من تبعات جائحة «كورونا»، الَّتِي كادت أن تحكم بالإعدام على النشاط الاقتصاديّ في مدينة طنجة سنة 2022، مع إصدار قرار الإغلاق الاضطراري للشركات والمرافق الصناعية والتجاريّة والخدماتية.
هَذَا التحسن أعلنته رسميًّا الجماعة في مذكرة صادرة بتاريخ 4 مارس 2024، إذ أعلنت أنَّها الرسوم الذاتية للجماعة حقّقت، خلال سنة 2023، ما يفوق 436 مليونًا و900 ألف درهم، بنسبة إنجاز تُقدّر بـ102 في المئة، مُقارنةً بالتقديرات الَّتِي تضمّنتها وثيقة ميزانية السنة المالية للعام ذاته، والبالغة قيمتها الإجمالية نحو 430 مليون درهم.
وحسب الوثيقة نفسها، تتوزع هَذِهِ المداخيل على الأراضي الحضرية غير المبنية، الَّتِي فاقت قيمتها 126 مليون درهم بنسبة 120،15 في المئة، والرسوم المفروضة على مداخيل وكلاء البيع بالجملة للخضر والفواكه، الَّتِي تجاوزت قيمته مليون درهم بنسبة 102،42 في المئة، والرسوم المفروضة على شغل الأملاك الجماعية مؤقتًا بمنقولات أو عقارات ترتبط بممارسة أعمال تجارية أو صناعية أو مهنية، الَّتِي ناهزت قيمتها 56 مليون درهم بنسبة 150،45 في المئة.
وأوردت مذكرة الجماعة، أنّه بالنسبة لمداخيل قيمة الضريبة على محال بيع المشروبات، فقد حقّقت عائداتٍ بأزيد من 22 مليون درهم بنسبة 172،22 في المئة، بينما بلغت مداخيل الرسوم العقارية ما يناهز 54 مليون درهم بنسبة 84،36 في المئة، فيما فاقت مداخيل الضريبة على عمليات تجزئة الأراضي أزيد من 14،3 مليون درهم بنسبة 143،95 في المئة.
أمَّا مداخيل الرسم المفروض على الإقامة بمؤسّسات الإيواء السياحيّة، فقد تجاوز قيمتها 20 مليون درهم، بنسبة إيجابية وصلت إلى 111،23 في المئة، بينما بلغت عائدات منتوج بيع التصاميم والمطبوعات وملفات المزايدة أزيد من 22،8 مليون درهم بنسبة 114،19 في المئة، فيما بلغت قيمة باقي الرسوم أزيد من 53،89 مليون درهم بنسبة 71 في المئة.
ويعكس هَذَا الأداء -حسب الجماعة- تطورًا ملحوظًا في قيمة المداخيل الذاتية لجماعة طنجة، مُقارنةً مع السنة المالية 2022، الَّتِي حُصّل خلالها ما يُقدّر بـ385،5 مليون درهم، بنسبة تُمثّل 96 في المئة، مُقارنةً بالتقديرات الواردة في وثيقة الميزانية برسم السنة المالية نفسها، والبالغة 400،5 مليون درهم.
- مداخيل تتحسّن تدريجيًا
وكي نعطي تقييمًا موضوعيًا لهَذِهِ الأرقام، لا بُدّ من العودة إلى أرقام السنوات الماضية لإجراء المقارنة، لذلك سنذهب إلى وثيقة رسمية أخرى، وهي برنامج عمل جماعة طنجة للفترة الممتدة إلى غاية 2027، الَّتِي صادق عليها المجلس الجماعي في دورة فبراير 2024 العادية، وتحديدًا في الجزء المتعلّق بتمويل البرنامج، الَّذِي قدّم تحليلًا ماليًا للفترة ما بين 2017 إلى غاية 2022.
وهكذا، نجد أنَّ الرسوم الذاتية ارتفعت من نحو 259 مليون درهم سنة 2017 إلى نحو 299 مليون درهم سنة 2018، ثُم إلى 306 ملايين درهم سنة 2019، أي قبل فترة الجائحة، لتنخفض إلى 207،5 مليون درهم سنة 2020، ثُمّ في سنة 2021 ارتفعت -بشكل كبير- حتّى من السنوات الفارطة، لتتعدّى 321 مليون درهم، وفي 2022 وصلت إلى 385،5 مليون درهم.
أمَّا الرسوم المحولة فكانت في 2017 عند حدود 228 مليون درهم تقريبا، وأقل من 279 مليون درهم سنة 2018، ثم تراجعت إلى أقل من 271 مليون درهم سنة 2019، وواصلت التراجع بشكل منطقي سنة 2020 إلى أقل من 204 ملايين درهم، قبل أن ترتفع مجدّدًا سنة 2021 إلى 306،5 مليون درهم في 2021، وعادت لتتراجع إلى نحو 267 مليون درهم سنة 2022.
أما منتوج الضريبة على القيمة المضافة، فالملاحظة الأساسية أنّه تقريبا بقي ثابتًا طوال السنوات الماضية، بما في ذلك سنة الجائحة، في حدود 152 مليون درهم، وكان الاستثناء الوحيد هو سنة 2019، الَّتِي سجلت فيها الجماعة 138،5 مليون درهم على مستوى هَذَا النوع من المداخيل.
وفي المُحصلة، نجد أنَّ المداخيل إجمالًا تحسّنت، بشكل واضح، بيّن خلال السنوات الست المشمولة بالتحليل، فقد كانت تزيد قليلًا عن 639 مليون درهم سنة 2017، وقاربت 730 مليون درهم سنة 2018، ثُمّ انخفضت إلى نحو 715،5 مليون درهم سنة 2019، وإلى 564 سنة 2020، ثم عادت لترتفع إلى أكثر من 780 مليون درهم سنة 2021، وإلى نحو 804،5 مليون درهم سنة 2022.
- فوارق بين التقديرات والمُحقق
وبناء على تلك الأرقام، نلاحظ أنَّ المداخيل السنوية لجماعة طنجة عاشت على وقع التذبذب ما بين 2017 و2020، ففي الفترة ما بين 2017 و2018، ارتفعت بنسبة 14،25 في المئة، ثُمّ تراجعت بنسبة ناقص 2 في المئة تقريبًا، ما بين سنتي 2018 و2019. أمّا في الفترة ما بين 2019 و2020 فتراجعت بأكثر من 21 في المئة، قبل أن تتّخذ نسقًا تصاعديًّا ما بين 2020 و2023، إذ في الفترة ما بين 2020 و2021 ارتفعت بنسبة 38،32 في المئة، ثُمّ واصلت الارتفاع بنسبة تجاوزت 3 في المئة، خلال الفترة ما بين 2021 و2022.
وعلى مستوى قياس القدرات التوقعية للجماعة ونجاعة أدائها في التحصيل، نلاحظ استمرار فارق بين تقديرات الميزانية والمداخيل المحقق، مع ارتفاع الاثنين، إذ في 2017 كانت التقديرات تتجاوز 731 مليون درهم، لكن ما تحقّق من مداخيل كان أقل من 640 مليون درهم، أمّا في سنة 2022 فقاربت التقديرات 936 مليون درهم، في حين ما تحقَّق كان أقل من 805 ملايين درهم.
لكن الملاحظة الأهم، هي الَّتِي تتعلّق بالتحملات، الَّتِي انتقلت من 2،06 مليار درهم في 2017 إلى 2،17 مليار درهم سنة 2018، ثم إلى 2،32 مليار درهم سنة 2019، وإلى 2،51 مليار درهم سنة 2020، و2،75 مليار درهم سنة 2021، و3،72 مليار درهم سنة 2022، ما يعني أنّها زادت حتّى في ظرفية أزمة الجائحة، وهو ما جعل الجماعة تعترف بعدم فعالية عمليات التحصيل، والحاجة لسياسة جبائية لتحسين الإيرادات من أجل ضمان استدامة الموارد المالية.
هَذَا الأمر يظهر بشكل أوضح بالعودة إلى حجم الباقي استخلاصه، الَّذِي أصبح ظاهرةً شائكةً تُعرقل السير العادي لمالية المدينة، ففي سنة 2017 كانت القيمة تصل إلى 1،58 مليار درهم، أمّا في 2018 فبلغت 1،54 مليار درهم، مقابل 1،62 مليار درهم سنة 2019، و2،05 مليار درهم سنة 2020، وأكثر من 1،91 مليار درهم سنة 2021، لتصل سنة 2022 إلى 2،91 مليار درهم.
- مشكلة الباقي استخلاصه
وترى جماعة أن الباقي استخلاصه، من الملفات الشائكة الَّتِي تواجه التسيير الجماعي على المستوى الوطني بشكل عامّ، وبشكل خاصّ على مستوى مدينة طنجة، ويتشكل هَذَا المبلغ من المداخيل غير المحصلة من طرف الجماعة، أو من طرف مصالح الخزينة العامة للمملكة الَّتِي تُعدُّ بمنزلة ديون للجماعة على الغير.
وأغلب ديون الجماعة من الباقي استخلاصه هي عبارة عن رسوم محولة، الَّتِي تراوحت ما بين 1،12 مليار درهم كأدنى قيمة مسجلة، خلال السنوات الماضية، وذلك عام 2017، و1،91 مليار درهم كأعلى قيمة، وذلك سنة 2022، في حين أنَّ الرسوم الذاتية تراوحت ما بين 359 مليون درهم كأدنى قيمة مسجلة سنة 2019، وبين مليار درهم سنة 2022.
ويكشف تحليل بنية الباقي استخلاصه عن تغيرات في هيكلة الإيرادات، خلال الفترة ما بين 2017 و2022، إذ إنَّ الرسوم المحولة تُشكّل نسبة متفاوتة من هَذِهِ الأموال، الَّتِي لم تدخل خزانة جماعة طنجة، وتتراوح ما بين 64 في المئة و78 في المئة على امتداد السنوات الخمس، ما يعني، وَفْق وثيقة مشروع عمل الجماعة، الَّتِي تمت المصادقة عليها مؤخرًا، أنَّ الرسوم المحولة لها دور مُهمّ في تشكيل الإيرادات، مع تقلبات قد تكون ناتجة عن تغيرات في السياسات الضريبية، التحولات الاقتصادية، وعلى هَذَا الأساس فإن الاستنتاج الأهم هو ضرورة توظيف استراتيجيات مالية متنوعة لتحسين الاستدامة المالية والتكيف مع التحوّلات الاقتصاديّة.
- من أين تأتي الرسوم المحولة؟
كل ذلك يقودنا إلى التساؤل عن المصدر الرئيس للرسوم المحولة، باعتبارها أهمّ مصدر المداخيل المرتبطة بالضرائب لفائدة الجماعة، ونجد أنَّ الأمر ينقسم إجمالًا إلى فئتين اثنتين، الأولى هي الرسوم المرتبطة بالسكن، أي ضريبة المباني وضريبة الصيانة ورسم السكن ورسم الخدمات الاجتماعية، ثُمّ الرسوم المرتبطة بالتجارة، أي ضريبة التجارة والرسم المهني.
وتتصدّر ضريبة الخِدْمات الاجتماعية باقي الرسوم الأخرى، إذ وصلت سنة 2017 إلى 156،7 مليون درهم، ثم إلى 189،4 مليون درهم سنة 2018، وتراجعت إلى 187،45 مليون درهم سنة 2019، ثم إلى 143 مليون درهم سنة 2020، وعادت لترتفع بشكل كبير سنة 2021 لتصل إلى 200،76 مليون درهم، ثُمّ انخفضت إلى 177،52 مليون درهم سنة 2022.
أمّا ثاني أهمّ رسم من حيث القيمة السنوية فهو الرسم المهني، الَّذِي قارب 56،9 مليون درهم سنة 2017، ثم وصل إلى 67،27 مليون درهم سنة 2018، و67،12 مليون درهم سنة 2019، وكان في حدود 50،84 مليون درهم سنة 2020، وعاد ليرتفع إلى 88،87 مليون درهم سنة 2021، ثم وصل إلى 75،85 مليون درهم سنة 2022.
وبخصوص ضريبة السكن، فهي الثالثة من حيث الأهمية، إذ بلغت قيمتها سنة 2017 أكثر من 12،31 مليون درهم، ووصلت إلى 14،12 مليون درهم سنة 2018، ثم إلى 13،66 مليون درهم سنة 2019، و9،27 مليون درهم سنة 2020، وقاربت 14،3 مليون درهم سنة 2021، ثم 12،22 مليون درهم سنة 2022.
وفي المقابل، فإنَّ باقي الرسوم تبقى ذات تأثير محدودٍ على ميزانية الجماعة، فأعلى قيمة لضريبة المباني خلال السنوات الماضية كانت هي 1،13 مليون درهم سنة 2018، أمّا القيمة الأدنى فسُجلت سنة 2020 بـ80.440 مليون درهم. في حين وصلت ضريبة الصيانة إلى ذروتها سنة 2018 بأكثر من 5،84 مليون درهم، أما القيمة الدنيا فكانت هي 657.600 درهم سنة 2020. وفي 2020 كانت أقل من مليون درهم، أمّا ضريبة التجارة فلم تتعدَ قد سقف 900.000 ألف درهم، إذ كان الحد الأدنى هو المسجل في 2020 بأقل من 50 ألف درهم، أمَّا الحد الأقصى فهو 845.025 درهم سنة 2018.
- تفاؤل في مواجهة التحديات
وحاولت جماعة طنجة تصحيح عديدٍ من الأوضاع ضمن ميزانية السنة المالية 2024، الَّتِي صودق عليها في دورة أكتوبر 2023، وفيها بلغت القيمة الإجمالية للمداخيل مليارًا و36 مليون درهم، مقابل مليار درهم سنة 2023، مستفيدة من ارتفاع نسبة الرسوم الذاتية بـ4،68 في المئة لتُشكّل 43،42 في المئة من إجمالي الميزانية، إذ وصلت إلى أكثر من 450 مليون درهم، عوض أقل من 430 مليونًا قبل عام.
ووَفْق وثيقة الميزانية، فقد استفادت المداخيل أيضًا من ارتفاع نسبة الرسوم المحولة، لتنتقل من 418 مليون درهم إلى أكثر من 434 مليونًا، أي بنسبة زائد 3،82 في المئة، لتمثّل 41،91 في المئة من نسبة تشكيل مجموع ميزانية 2024، في حين بقيت الضريبة على القيمة المضافة عند نفس الرقم وهو 152 مليون درهم.
وكان عمدة طنجة، منير ليموري، قد قال، بخصوص هَذِهِ الميزانية، إنَّها تستند إلى مؤشراتٍ واقعيةٍ مدعومةٍ بارتفاع حجم المداخيل الَّتِي حقّقتها الجماعة، خلال السنة المالية 2023، وأضاف أنَّ هَذِهِ المؤشرات الإيجابيّة تعزَّزت أيضًا بتعهد وزارة الداخلية؛ بالرفع من حصّة جماعة طنجة من القيمة المضافة إلى 183 مليون درهم خلال السنة المقبلة.
ومع ذلك، فإنَّ الجماعة ستكون أمام تحدّيات كبيرة، خلال السنوات المقبلة، فهي مطالبة خلال سنة 2024 بالمساهمة في الشطر الأكبر من ميزانية برنامج العمل الممتدّ إلى غاية سنة 2027، فإذا كانت التكلفة الإجمالية للمشروع هي 5،42 مليار درهم، فإنَّ المبلغ المرصود لمشروعات السنة الحالية وحدها هو 407،82 مليون درهم، علمًا أنَّ التمويل الذاتي للبرنامج الَّذِي يقع على عاتق الجماعة يصل في المجمل إلى أكثر من 2،12 مليار درهم.


