تواصل معنا

آخر الأخبار

الخدمات الصحية: نقطة سوداء تعاني منها 4 ملايين نسمة بجهة طنجة تطوان الحسيمة.. في انتظار حلول تأخرت كثيرًا

خصاص‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬وضغط‭ ‬متزايد‭ ‬ومشكلات‭ ‬إدارية‭ ‬بالجملة‭.. ‬ومشاريع‭ ‬جديدة‭ ‬تُبقي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأمل

في‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة،‭ ‬الَّتِي‭ ‬تُمثّل‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬الجهات‭ ‬دينامية‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬يبرز‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬كأحد‭ ‬الملفات‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وإلحاحًا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬فبين‭ ‬خصاص‭ ‬حادّ‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬وتعثُّر‭ ‬مشاريع‭ ‬الإصلاح،‭ ‬وضعف‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬الصحية،‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬نفسَه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬منظومة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالاختلالات،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خِدْمات‭ ‬صحية‭ ‬عادلة‭ ‬وفعّالة،‭ ‬تواكب‭ ‬النمو‭ ‬الديمغرافي‭ ‬المتسارع‭ ‬وتلبي‭ ‬تطلعات‭ ‬الساكنة‭ ‬المحلية‭.‬

ففي‭ ‬هذه‭ ‬الجهة،‭ ‬الَّتِي‭ ‬يزيد‭ ‬تعداد‭ ‬سكانها‭ ‬عن‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة،‭ ‬والمقبل‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬وتظاهرات‭ ‬كبرى‭ ‬مستقبلًا،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬الَّتِي‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬بأي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الارتياح‭ ‬بخصوصها،‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬دوافع‭ ‬الشباب‭ ‬الَّذِي‭ ‬خرج‭ ‬للاحتجاج‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬بشمال‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الأخرى،‭ ‬وسط‭ ‬التزامات‭ ‬حكومية‭ ‬بتغيير‭ ‬الأوضاع‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬نحو‭ ‬الأحسن‭.‬

أزمــــــة‭ ‬الأطـــــر‭ ‬الطــبـيـــــة

وتعيش‭ ‬مستشفيات‭ ‬ومراكز‭ ‬الجهة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬المتواصل،‭ ‬نتيجة‭ ‬قلة‭ ‬الأطر‭ ‬الطبية‭ ‬وشبه‭ ‬الطبية،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬انعكاسًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الصحية‭ ‬المقدمة،‭ ‬فالمواعيد‭ ‬الطويلة‭ ‬للمرضى،‭ ‬والاكتظاظ‭ ‬في‭ ‬أقسام‭ ‬المستعجلات،‭ ‬والتأخر‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬الفحوصات‭ ‬أو‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية،‭ ‬أصبحت‭ ‬ملامح‭ ‬يومية‭ ‬لمشهد‭ ‬صحي‭ ‬مأزوم‭.‬

ويُقرُّ‭ ‬مهنيّون‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬بأنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعمل‭ ‬بطاقة‭ ‬محدودة،‭ ‬بسبب‭ ‬النقص‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬عملية‭ ‬توزيع‭ ‬المناصب‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬حجم‭ ‬الضغط‭ ‬الَّذِي‭ ‬تعرفه‭ ‬الجهة‭ ‬الشمالية،‭ ‬الَّتِي‭ ‬تضمُّ‭ ‬مدنًا‭ ‬كبرى‭ ‬كطنجة‭ ‬وتطوان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مناطق‭ ‬قروية‭ ‬شاسعة‭ ‬تعاني‭ ‬التهميش‭.‬

المفارقة‭ ‬الَّتِي‭ ‬تثير‭ ‬استغراب‭ ‬كثيرين‭ ‬هي‭ ‬وجود‭ ‬مئات‭ ‬الخريجين‭ ‬من‭ ‬المعاهد‭ ‬العليا‭ ‬للمهن‭ ‬التمريضية‭ ‬وتقنيات‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬بطالة،‭ ‬رغم‭ ‬استيفائهم‭ ‬جميع‭ ‬الشروط‭ ‬القانونية‭ ‬والمهنية‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الشباب،‭ ‬الذين‭ ‬أنفقت‭ ‬الدولة‭ ‬مواردَ‭ ‬مُهمّة‭ ‬لتكوينهم‭ ‬وتأهيلهم،‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬عالقين‭ ‬بين‭ ‬أبواب‭ ‬الإدارات‭ ‬والوعود‭ ‬غير‭ ‬المنجزة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تئن‭ ‬فيه‭ ‬المستشفيات‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الخصاص‭.‬

هذا‭ ‬الأمر‭ ‬أصبح‭ ‬إشكالًا‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬الأوساط‭ ‬النقابية‭ ‬الصحية،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬سبق‭ ‬للنقابة‭ ‬الوطنية‭ ‬للصحة‭ ‬العمومية،‭ ‬المنضوية‭ ‬تحت‭ ‬لواء‭ ‬الفيدرالية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬للشغل،‭ ‬أن‭ ‬عبرت‭ ‬في‭ ‬بياناتها‭ ‬عن‭ ‬تضامنها‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الخريجين،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬بطالتهم‭ ‬لا‭ ‬يُمثّل‭ ‬فقط‭ ‬ظلمًا‭ ‬اجتماعيًا،‭ ‬بل‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للسير‭ ‬العادي‭ ‬للمرافق‭ ‬الصحية‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬خصص‭ ‬حوالي‭ ‬6500‭ ‬منصب‭ ‬للتوظيف‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يبقى‭ ‬محدودا‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الحاجيات‭ ‬المتزايدة‭ ‬والخصاص‭ ‬المزمن‭ ‬في‭ ‬الأطر،‭ ‬فجهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة‭ ‬وحدها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مئات‭ ‬الأطباء‭ ‬والممرضين‭ ‬والتقنيين‭ ‬لتغطية‭ ‬العجز‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والمراكز‭ ‬الصحية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬القروية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية،‭ ‬وتشير‭ ‬مصادر‭ ‬مهنية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬الَّتِي‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬جهات‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تعويضها‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عمّق‭ ‬الأزمة‭ ‬وجعل‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬الحيوية‭ ‬تعمل‭ ‬بأقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬طاقتها‭.‬

اختلالات‭ ‬إدارية‭ ‬وضغط‭ ‬متواصل

الاختلالات‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الجانب‭ ‬البشري‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتنظيم‭ ‬الإداري،‭ ‬فقد‭ ‬فجَّر‭ ‬قرار‭ ‬إعادة‭ ‬تعيين‭ ‬نفس‭ ‬المسؤولين‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬مستشفيات‭ ‬طنجة،‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬الجدل،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬الآمال‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬حقيقي‭ ‬يعيد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬القطاع،‭ ‬فالإبقاء‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭ ‬نفسها،‭ ‬الَّتِي‭ ‬كانت‭ ‬موضوع‭ ‬انتقادات‭ ‬متكرّرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المهنيين‭ ‬والمرتفقين،‭ ‬أثار‭ ‬استياء‭ ‬واسعا‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الصحية،‭ ‬وعُدّ‭ ‬تكريسًا‭ ‬للفشل‭ ‬الإداري‭ ‬الَّذِي‭ ‬لازم‭ ‬القطاع‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬

تقارير‭ ‬تفتيش‭ ‬سابقة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬رصدت‭ ‬تجاوزات‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬التسيير،‭ ‬وضعفا‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬وسوء‭ ‬تدبير‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬محمد‭ ‬الخامس‭ ‬بطنجة،‭ ‬إذ‭ ‬جرى‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الإدارة‭ ‬رغم‭ ‬الفضائح‭ ‬الَّتِي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بهذه‭ ‬المؤسسة،‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات،‭ ‬بحسب‭ ‬مهنيين،‭ ‬تقوّض‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬جادة‭ ‬للإصلاح‭ ‬وتزرع‭ ‬الإحباط‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬العاملين‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يأملون‭ ‬في‭ ‬ضخ‭ ‬دماء‭ ‬جديدة‭ ‬تعيد‭ ‬الثقة‭ ‬والمصداقية‭.‬

وبالموازاة‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬تعاني‭ ‬المستشفيات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والجهوية‭ ‬بالجهة‭ ‬ضغطًا‭ ‬هائلًا‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬المرتفقين‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬الأسرة‭ ‬المتاحة،‭ ‬فالمريض‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬الانتظار‭ ‬أسابيع‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬طبي،‭ ‬أو‭ ‬التنقل‭ ‬لمسافات‭ ‬طويلة‭ ‬نحو‭ ‬تطوان‭ ‬أو‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فحص‭ ‬بسيط‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬جراحي‭ ‬مستعجل،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬بعض‭ ‬التخصّصات‭ ‬الحيوية،‭ ‬مثل‭ ‬أمراض‭ ‬القلب‭ ‬أو‭ ‬التخدير‭ ‬أو‭ ‬الإنعاش،‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬يُجبرون‭ ‬على‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬كفاس‭ ‬أو‭ ‬الرباط،‭ ‬ما‭ ‬يضاعف‭ ‬التكاليف‭ ‬ويثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الأسر‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل‭.‬

والتحوُّل‭ ‬الرقمي‭ ‬بدوره،‭ ‬الَّذِي‭ ‬تراهن‭ ‬عليه‭ ‬الوزارة‭ ‬بوصفه‭ ‬وسيلةً‭ ‬لتعزيز‭ ‬الفعالية‭ ‬والشفافية،‭ ‬يواجه‭ ‬بدوره‭ ‬عراقيلَ‭ ‬مُتعدّدةً،‭ ‬فعدد‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬الصحية‭ ‬والمستوصفات‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬تعرف‭ ‬ارتباكًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بسبب‭ ‬مشكلات‭ ‬تقنية‭ ‬متكرّرة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المعلوماتي‭ ‬الخاص‭ ‬بتسجيل‭ ‬المرضى‭ ‬وتتبع‭ ‬حالاتهم‭.‬

ويجد‭ ‬موظفون‭ ‬كثرٌ‭ ‬أنفسهم‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬استعمال‭ ‬البرامج‭ ‬الجديدة‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬التكوين‭ ‬الكافي‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تشتكي‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتكررة‭ ‬في‭ ‬الشبكة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬الخِدْمات‭ ‬وتأخير‭ ‬استقبال‭ ‬المرتفقين‭.‬

وأكدت‭ ‬شهادات‭ ‬من‭ ‬مهنيين،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعطاب‭ ‬أصبحت‭ ‬يوميةً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المستشفيات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المُوظّفين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬غضب‭ ‬المواطنين،‭ ‬بينما‭ ‬تُوجَّه‭ ‬أصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬إلى‭ ‬الشركة‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬التدبير‭ ‬التقني‭ ‬للمنظومة‭ ‬الرقمية‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬تشير‭ ‬معطيات‭ ‬رسمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تجهيز‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬بنظام‭ ‬معلوماتي‭ ‬موحد‭ ‬ومندمج،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تسهيل‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬العلاج‭ ‬وتوفير‭ ‬ملف‭ ‬طبي‭ ‬إلكتروني‭ ‬للمواطنين‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الجهوي‭ ‬والوطني،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تنزيل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬ميدانية‭ ‬حقيقية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬والقروية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬رقمية‭ ‬أساسية‭.‬

تفاوتات‭ ‬صارخة‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والبوادي

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يبرز‭ ‬مشكل‭ ‬التفاوت‭ ‬المجالي‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬الَّتِي‭ ‬تؤرق‭ ‬الجهة،‭ ‬حيث‭ ‬تستأثر‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬بحصة‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬الموارد،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الجماعات‭ ‬القروية‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام،‭ ‬فعدد‭ ‬المراكز‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬يظل‭ ‬محدودا‭ ‬جدا،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تشتغل‭ ‬بموظف‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬اثنين،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التجهيزات‭ ‬الأساسية‭ ‬والأدوية‭ ‬الضرورية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬سكان‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬شبه‭ ‬يومية‭ ‬مع‭ ‬معاناة‭ ‬حقيقية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬العلاج‭.‬

والاختلالات‭ ‬الهيكلية‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬معضلة‭ ‬الحكامة‭ ‬والتخطيط،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬والجهوي‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬بجهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ -‬‭ ‬الحسيمة‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬مندمجة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحلول‭ ‬الظرفية،‭ ‬فالتدبير‭ ‬الإداري‭ -‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭- ‬يظل‭ ‬رهينًا‭ ‬بالقرارات‭ ‬المركزية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الجغرافية‭ ‬والديموغرافية‭ ‬للجهة‭ ‬تستدعي‭ ‬مقاربة‭ ‬محلية‭ ‬مرنة‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬تفاوت‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬وصعوبة‭ ‬التضاريس‭.‬

ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة،‭ ‬أنَّ‭ ‬الحل‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬المناصب‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬تجهيز‭ ‬المستشفيات‭ ‬بالمعدات‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬نظام‭ ‬متكامل‭ ‬للحكامة‭ ‬يربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬ويحفز‭ ‬الكفاءات‭ ‬المهنية‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العمومي،‭ ‬كما‭ ‬يشددون‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تحفيز‭ ‬الأطر‭ ‬الطبية‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العمل‭ ‬وتوفير‭ ‬تعويضات‭ ‬ملائمة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬النائية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تعاني‭ ‬عزلةً‭ ‬حقيقيّةً‭.‬

ويبقى‭ ‬الأمل‭ ‬معقودًا‭ ‬على‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الجارية‭ ‬ضِمن‭ ‬الجهوية‭ ‬الصحية،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تُفعّل‭ ‬بشكل‭ ‬واقعي‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الخطابات‭ ‬الشكلية،‭ ‬فإصلاح‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬بالجهة‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬قوية‭ ‬وتحركات‭ ‬إدارية‭ ‬عملية‭ ‬تضع‭ ‬مصلحة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬الصحة‭ ‬باعتبارها‭ ‬حقًّا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬وليست‭ ‬امتيازًا‭.‬

آمـــال‭ ‬ملـــقــاة‭ ‬عـــلى‭ ‬المستشـفى‭ ‬الجـامعي

ويُمثّل‭ ‬المستشفى‭ ‬الجامعي‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬السادس‮»‬‭ ‬بطنجة‭ ‬والمجموعات‭ ‬الصحية‭ ‬الترابية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تم‭ ‬إطلاقها‭ ‬مؤخرًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الجهة،‭ ‬كأول‭ ‬تجربة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني،‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬بجهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة،‭ ‬إذ‭ ‬يجتمع‭ ‬فيهما‭ ‬البعد‭ ‬البنيوي‭ ‬والتدبيري‭ ‬معا‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬عرض‭ ‬صحي‭ ‬أكثر‭ ‬عدلًا‭ ‬وفعالية،‭ ‬معطيًّا‭ ‬أملًا‭ ‬ملموسًا‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬الإصلاح‭ ‬المنشود‭.‬

فالمستشفى‭ ‬الجامعي،‭ ‬الَّذِي‭ ‬دُشّن‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2023،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬شخصيًّا،‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬صرح‭ ‬طبي‭ ‬ضخم،‭ ‬بل‭ ‬ركيزة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬البنية‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الجهة‭ ‬بأكملها،‭ ‬فيما‭ ‬تأتي‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحية‭ ‬الترابية‭ ‬لتؤسس‭ ‬لنمط‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الحكامة‭ ‬المندمجة‭ ‬الَّتِي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬التشتت‭ ‬الإداري‭ ‬وضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭.‬

ويُعدُّ‭ ‬المركز‭ ‬الاستشفائي‭ ‬الجامعي‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬بطنجة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المشاريع‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬هذا‭ ‬الصرح،‭ ‬الَّذِي‭ ‬تم‭ ‬تشييده‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬23‭ ‬هكتارًا،‭ ‬باستثمار‭ ‬تجاوز‭ ‬2,4‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬يمثّل‭ ‬نموذجًا‭ ‬حديثًا‭ ‬لمستشفيات‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬وقد‭ ‬صُمّم‭ ‬ليستجيب‭ ‬لأعلى‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جودة‭ ‬العلاجات،‭ ‬ونجاعة‭ ‬التسيير،‭ ‬واحترام‭ ‬البيئة،‭ ‬إذ‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬طاقية‭ ‬مستدامة‭ ‬تشمل‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬ومحطات‭ ‬لمعالجة‭ ‬المياه‭ ‬العادمة‭ ‬والنفايات‭ ‬الطبية،‭ ‬بطاقة‭ ‬استيعابية‭ ‬تبلغ‭ ‬797‭ ‬سريرا،‭ ‬وبنية‭ ‬تنظيمية‭ ‬متكاملة،‭ ‬يشكل‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬لبنة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬بالجهة،‭ ‬الَّتِي‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬لعقود‭ ‬ضعفَ‭ ‬العرض‭ ‬وتشتت‭ ‬الخدمات‭.‬

ويضم‭ ‬المستشفى‭ ‬قطبين‭ ‬رئيسيين‭ ‬هما‭ ‬مستشفى‭ ‬التخصصات‭ ‬ومستشفى‭ ‬الأم‭ ‬والطفل،‭ ‬مجهزين‭ ‬بأحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬ومتكاملين‭ ‬وظيفيًّا،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بتغطية‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬التخصصات‭ ‬الطبية‭ ‬والجراحية‭. ‬مستشفى‭ ‬التخصصات‭ ‬يتضمَّن‭ ‬أقسامًا‭ ‬متقدمة‭ ‬مثل‭ ‬أمراض‭ ‬القلب،‭ ‬طب‭ ‬الأعصاب،‭ ‬طب‭ ‬الكلى،‭ ‬الطب‭ ‬النووي،‭ ‬علاج‭ ‬الحروق‭ ‬الكبرى،‭ ‬وزراعة‭ ‬النخاع‭ ‬العظمي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وحدات‭ ‬حديثة‭ ‬لمعالجة‭ ‬اضطرابات‭ ‬النوم‭ ‬والسمنة‭ ‬وإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬مرضى‭ ‬قصور‭ ‬القلب،‭ ‬أما‭ ‬مستشفى‭ ‬الأم‭ ‬والطفل،‭ ‬فيُوفّر‭ ‬خِدْمات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الولادة‭ ‬وطب‭ ‬الأطفال‭ ‬والعلاجات‭ ‬الاستعجالية‭ ‬للنساء‭ ‬والأطفال،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬للمساعدة‭ ‬الطبية‭ ‬على‭ ‬الإنجاب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُشكل‭ ‬دعمًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لصحة‭ ‬الأم‭ ‬والطفل‭ ‬في‭ ‬الجهة‭.‬

ولم‭ ‬يُغفل‭ ‬المشروع‭ ‬البعد‭ ‬التكويني‭ ‬والعلمي،‭ ‬إذ‭ ‬يتكامل‭ ‬المستشفى‭ ‬الجامعي‭ ‬مع‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬والصيدلة‭ ‬المجاورة،‭ ‬ومعهد‭ ‬المهن‭ ‬التمريضية‭ ‬وتقنيات‭ ‬الصحة،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬تعليمية‭ ‬تطبيقية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬الطبية‭ ‬والتمريضية‭. ‬كما‭ ‬جُهّز‭ ‬المستشفى‭ ‬بمرافق‭ ‬بيداغوجية‭ ‬متطورة،‭ ‬تشمل‭ ‬قاعة‭ ‬مؤتمرات‭ ‬كبيرة‭ ‬وفضاءات‭ ‬للتكوين‭ ‬والتدريب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬متحف‭ ‬يحفظ‭ ‬ذاكرة‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬بالجهة‭.‬

إحدى‭ ‬أهم‭ ‬ميزات‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬الطبي‭ ‬هي‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬معلوماتي‭ ‬موحد‭ ‬يربط‭ ‬مختلف‭ ‬المصالح‭ ‬عبر‭ “‬الملف‭ ‬الطبي‭ ‬الواحد‭”‬،‭ ‬الَّذِي‭ ‬يتيح‭ ‬الولوج‭ ‬الفوري‭ ‬إلى‭ ‬المعطيات‭ ‬الإدارية‭ ‬والطبية‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬مريض،‭ ‬ويضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الرعاية‭ ‬وجودتها،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬المستشفى‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬المراكز‭ ‬الصحية‭ ‬المتصلة‭ ‬به‭. ‬هذه‭ ‬الرقمنة‭ ‬تُمثّل‭ ‬خطوةً‭ ‬حاسمةً‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬تحديث‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬المغربية‭ ‬وتبسيط‭ ‬مسار‭ ‬العلاج‭ ‬للمواطن‭.‬

تجــربــة‭ ‬المجـمـوعــات‭ ‬الصـحـيـة‭ ‬التـرابـيــــة

غير‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬المستشفى‭ ‬الجامعي‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬التحتية‭ ‬المتطورة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬محورًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬أشمل‭ ‬لإصلاح‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي،‭ ‬وهي‭ ‬الرؤية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تُجسّدها‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬المجموعات‭ ‬الصحية‭ ‬الترابية‮»‬،‭ ‬الَّتِي‭ ‬أُطلقت‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الشمال،‭ ‬فهذه‭ ‬المجموعات،‭ ‬الَّتِي‭ ‬أُعلن‭ ‬انطلاقها‭ ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬ترأسه‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬عزيز‭ ‬أخنوش‭ ‬في‭ ‬يوليوز‭ ‬2025،‭ ‬تُمثّل‭ ‬نموذجًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للحكامة‭ ‬الترابية‭ ‬الصحية،‭ ‬هدفه‭ ‬توحيد‭ ‬مختلف‭ ‬المكونات‭ ‬الصحية،‭ ‬من‭ ‬مستشفيات‭ ‬ومراكز‭ ‬رعاية‭ ‬أولية‭ ‬ومختبرات،‭ ‬داخل‭ ‬هيكل‭ ‬إداري‭ ‬واحد،‭ ‬يضمن‭ ‬التنسيق‭ ‬والتكامل‭ ‬وتوزيع‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬واللوجستية‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬عدلًا‭ ‬وفعالية‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬البنيوي‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬الإصلاح‭ ‬العميق‭ ‬الَّذِي‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬ضِمن‭ ‬ورش‭ ‬تعميم‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬الَّذِي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬الولوج‭ ‬المنصف‭ ‬إلى‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مناطق‭ ‬المملكة،‭ ‬فقد‭ ‬أكَّد‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أمين‭ ‬التهراوي،‭ ‬أن‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحية‭ ‬الترابية‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬التفعيل‭ ‬الملموس‭ ‬للإصلاح‮»‬،‭ ‬عبر‭ ‬نمط‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الحكامة‭ ‬الترابية‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الشفافية،‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وحسن‭ ‬تدبير‭ ‬الموارد‭.‬

وبحسب‭ ‬الوزارة‭ ‬الوصية،‭ ‬فإن‭ ‬النموذج‭ ‬التجريبي‭ ‬الَّذِي‭ ‬تحتضنه‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭–‬الحسيمة‭ ‬سيسمح‭ ‬بتطوير‭ ‬تجربة‭ ‬معيارية‭ ‬قابلة‭ ‬للتعميم‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬الجهات،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التفاوتات‭ ‬المجالية‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬الصحي‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الجهة‭ ‬بالذات،‭ ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬الصحية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬والقروية،‭ ‬كانت‭ ‬تشتغل‭ ‬بطاقة‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬تغلق‭ ‬أبوابها‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬الأطر‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬التجهيزات‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬الهيكلة‭ ‬الجديدة‭ ‬أن‭ ‬تتيح‭ ‬تدبيرًا‭ ‬مرنًا‭ ‬لمسار‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الجهة‭ ‬بكاملها،‭ ‬وتوحيد‭ ‬الجهود‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسَّسات‭.‬

ويُنتظر‭ ‬أن‭ ‬تُسهم‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإكراهات‭ ‬المزمنة‭ ‬الَّتِي‭ ‬ظلت‭ ‬تعيق‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬بالشمال،‭ ‬مثل‭ ‬الخصاص‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬وضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المراكز‭ ‬والمستشفيات،‭ ‬والتفاوت‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الخِدْمات،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬توحيد‭ ‬التسيير‭ ‬وتحديد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بوضوح،‭ ‬ستتمكن‭ ‬الجهة‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطبية‭ ‬وشبه‭ ‬الطبية‭ ‬وفق‭ ‬حاجيات‭ ‬المناطق،‭ ‬بدل‭ ‬التوزيع‭ ‬العشوائي‭ ‬الَّذِي‭ ‬كان‭ ‬يفاقم‭ ‬الاختلالات‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الجديد‭ ‬مقاربة‭ ‬شمولية‭ ‬تدمج‭ ‬الرعاية‭ ‬الأولية‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الجهوية‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي،‭ ‬فالمراكز‭ ‬الصحية‭ ‬المحلية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬نقاط‭ ‬استقبال‭ ‬بسيطة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬علاجية‭ ‬متكاملة،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الفحص‭ ‬الأوّلي‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالعلاج‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬الجامعي،‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬واضح‭ ‬ومترابط‭ ‬للمريض،‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬المستويات‭ ‬الثلاثة‭ ‬للعلاج‭ ‬يُعد‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬لتقليص‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬المستشفيات،‭ ‬وتحسين‭ ‬فعالية‭ ‬الخِدْمات‭.‬

في‭ ‬انتظار‭ ‬التغيير‭ ‬الموعود

غير‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوّة‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬التحدِّيات،‭ ‬فالإكراهات‭ ‬الَّتِي‭ ‬تعانيها‭ ‬الجهة،‭ ‬من‭ ‬خصاص‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الانتقال‭ ‬الرقمي،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬تنفيذية‭ ‬صارمة،‭ ‬ومواكبة‭ ‬مستمرة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الدولة‭ ‬والفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬المجموعات‭ ‬الصحية‭ ‬الترابية‭ ‬رهين‭ ‬بإرساء‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬التسيير‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التنسيق،‭ ‬والتقييم،‭ ‬والمساءلة‭ ‬الجماعية،‭ ‬بدل‭ ‬المنطق‭ ‬الإداري‭ ‬العمودي‭ ‬الَّذِي‭ ‬هيمن‭ ‬لعقود‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يجسد‭ ‬المستشفى‭ ‬الجامعي‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬بطنجة‭ ‬والمجموعات‭ ‬الصحية‭ ‬الترابية‭ ‬معا‭ ‬مرحلة‭ ‬تأسيسية‭ ‬لإصلاح‭ ‬جذري‭ ‬للمنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬بالشمال،‭ ‬فهما‭ ‬لا‭ ‬يقدمان‭ ‬فقط‭ ‬مرافق‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬هياكل‭ ‬إدارية‭ ‬بديلة،‭ ‬بل‭ ‬يفتحان‭ ‬أفقًا‭ ‬لعدالة‭ ‬صحية‭ ‬حقيقية،‭ ‬تعيد‭ ‬الثقة‭ ‬للمواطن‭ ‬في‭ ‬المرفق‭ ‬العمومي،‭ ‬وتكرس‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬كأحد‭ ‬ركائز‭ ‬المواطنة‭ ‬الكاملة،‭ ‬ومع‭ ‬تراكم‭ ‬التجارب‭ ‬والتقييمات،‭ ‬يمكن‭ ‬لطنجة‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬وطني‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬بناء‭ ‬عرض‭ ‬صحي‭ ‬حديث،‭ ‬متكامل‭ ‬ومستدام،‭ ‬يضع‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الاهتمام‭ ‬والسياسات‭ ‬العمومية‭.‬

تابعنا على الفيسبوك