تواصل معنا

مجتمع

إقــبــال خفـــي عـــلـى خـرفـان العـيــد :عائلات طنجاوية “تتحدى” القرار الملكي بإلغاء الأضحية

رغم‭ ‬القرار‭ ‬التاريخي‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬والقاضي‭ ‬بإلغاء‭ ‬أضحية‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬لهذه‭ ‬السنة،‭ ‬كإجراءٍ‭ ‬استثنائيٍّ‭ ‬تمليه‭ ‬ظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬صعبة‭ ‬تمرّ‭ ‬بها‭ ‬البلاد،‭ ‬فإن‭ ‬عددًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬وسكان‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬العالية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬مغربية‭ ‬أخرى،‭ ‬لم‭ ‬تستسغ‭ ‬بسهولة‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينيَّة‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬المغربيَّة‭.‬

وبين‭ ‬مؤيد‭ ‬للقرار‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬بُعدًا‭ ‬تضامنيًّا‭ ‬وحكيمًا‭ ‬بل‭ ‬جريئا،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬معارض‭ ‬إما‭ ‬عن‭ ‬قناعة‭ ‬حيث‭ ‬يراه‭ ‬مسًّا‭ ‬بهوية‭ ‬المجتمع،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يستوعب‭ ‬القرار‭ ‬إذ‭ ‬يُشكّل‭ ‬له‭ ‬العيد‭ ‬فرصة‭ ‬لتوفير‭ ‬اللحم‭ ‬بشكل‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬فصول‭ ‬السنة،‭ ‬انتشرت‭ ‬عبر‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬أحياء‭ ‬مدينة‭ ‬البوغاز،‭ ‬وفي‭ ‬البوادي‭ ‬والقرى‭ ‬المجاورة‭ ‬لها‭ ‬مظاهر‭ ‬تُوحي‭ ‬بأنَّ‭ ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يُطبق‭ ‬على‭ ‬نطاقٍ‭ ‬واسعٍ،‭ ‬إذ‭ ‬سُجل‭ ‬إقبال‭ ‬ملحوظ،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬سريًّا،‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬خرفان‭ ‬العيد‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬شبه‭ ‬موازية،‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬لحوم‭ ‬الأغنام‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المزارعين‭ ‬والجزّارين‭.‬

‭*‬خلفيات‭ ‬القرار‭.. ‬السياق‭ ‬الاستثنائي

جاء‭ ‬القرار‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬سياق‭ ‬اجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬معقّد،‭ ‬يتَّسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬مهول‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الأعلاف،‭ ‬وتفاقم‭ ‬آثار‭ ‬الجفاف‭ ‬للسنة‭ ‬الرابعة‭ ‬تواليًّا،‭ ‬وتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬المغربية‭ ‬بسبب‭ ‬التضخّم‭ ‬المستمر‭. ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬البلاغ‭ ‬الرسمي،‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬يأتي‭ ‬‮«‬من‭ ‬منطلق‭ ‬روح‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة،‭ ‬وتخفيفًا‭ ‬للعبء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬عموم‭ ‬المواطنين،‭ ‬وحفاظًا‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬رغم‭ ‬وجاهته‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصاديَّة‭ ‬والاجتماعيَّة،‭ ‬خلق‭ ‬صدمةً‭ ‬وجدانيَّةً‭ ‬لدى‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬شعيرة‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬ركنًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬التدين‭ ‬والارتباط‭ ‬بالتقاليد،‭ ‬والعادات‭ ‬الدينية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬عددٌ‭ ‬مهمٌّ‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬يطالبون‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬بضرورة‭ ‬إلغاء‭ ‬أضحية‭ ‬العيد‭ ‬نظرًا‭ ‬لصعوبة‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

‭*‬طنجة‭.. ‬مشاهد‭ ‬متناقض

وفي‭ ‬اطار‭ ‬إعدادها‭ ‬لهذا‭ ‬المقال،‭ ‬جالت‭ ‬هيئة‭ ‬جريدة‭ “‬لاديبيش‭” ‬في‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬أحياء‭ ‬طنجة،‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬إلى‭ ‬مرس‭ ‬الخير،‭ ‬ومن‭ ‬المجمع‭ ‬الحسني‭ ‬إلى‭ ‬السواني،‭ ‬ووقفت‭ ‬على‭ ‬مشاهد‭ ‬متباينة‭ ‬تعكس‭ ‬تباين‭ ‬المواقف‭ ‬والسلوكيات‭ ‬تجاه‭ ‬القرار‭.‬

في‭ ‬سوق‭ ‬بني‭ ‬مكادة،‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬حركةً‭ ‬تجاريَّةً‭ ‬نشطة‭ ‬أيام‭ ‬العيد،‭ ‬يبدو‭ ‬الهدوء‭ ‬مسيطرًا‭ ‬من‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬حركية‭ ‬خفية‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭. ‬سائق‭ ‬شاحنة‭ ‬صغيرة،‭ ‬فضَّل‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬هويته،‭ ‬أخبرنا‭ ‬قائلاً‭: “‬البيع‭ ‬هاد‭ ‬العام‭ ‬سري‭. ‬كنجيب‭ ‬الخرفان‭ ‬للزبناء‭ ‬اللي‭ ‬كيتيقوا‭ ‬فيّ،‭ ‬وكلشي‭ ‬كيدوز‭ ‬بعيد‭ ‬على‭ ‬العيون‭”. ‬وأضاف‭ ‬لكن‭ ‬الوضع‭ ‬مزرٍ‭ ‬بزّاف،‭ ‬وتم‭ ‬منع‭ ‬بيع‭ ‬لوازم‭ ‬العيد‭ ‬مثل‭ ‬الفحم‭ ‬والشواية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تستعمل‭ ‬في‭ ‬أضحية‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬المبارك.

وفي‭ ‬أحد‭ ‬محلات‭ ‬الجزارة‭ ‬القريبة،‭ ‬أشار‭ ‬صاحب‭ ‬المحل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬لحم‭ ‬الغنم‭ ‬ارتفع‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬منذ‭ ‬إعلان‭ ‬القرار،‭ ‬قائلاً‭: ‬‭”‬الناس‭ ‬ما‭ ‬بغاوش‭ ‬يتخلاو‭ ‬على‭ ‬تقاليدهم،‭ ‬كيشريو‭ ‬الكيلو‭ ‬بـ100‭ ‬درهم،‭ ‬وكيقولو‭ ‬لي‭: “‬عطينا‭ ‬لحم‭ ‬بحال‭ ‬ديال‭ ‬العيد‭’‬،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يعوضون‭ ‬الغياب‭ ‬الرمزي‭ ‬للخروف‭ ‬باللحم‭ ‬نفسه‭.”‬

وفي‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الأحياء‭ ‬وبسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب،‭ ‬ثمن‭ ‬الدوارة‭ ‬وصل‭ ‬لأرقام‭ ‬خيالية،‭ ‬فاقت‭ ‬800‭ ‬درهم،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬خيالي‭ ‬يُوضّح‭ ‬مدى‭ ‬ارتباط‭ ‬الأسر‭ ‬المغربية‭ ‬بأضحية‭ ‬العيد،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحوا‭ ‬مستعدّين‭ ‬لفعل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مقابل‭ ‬توفير‭ ‬اللحم‭ ‬ولوازمه،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬لن‭ ‬يقوموا‭ ‬بشعيرة‭ ‬العيد‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الأضحية‭.‬

‭*‬الأضحية‭ ‬كشعيرة‭.. ‬صراع‭ ‬القيم‭ ‬والمقدس

يرى‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬السوسيولوجين‭ ‬والأكاديميين‭ ‬المهتمين‭ ‬بالأمر،‭ ‬أنَّ‭ ‬القرار‭ ‬الملكي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬إلغاء‭ ‬شعيرة‭ ‬أضحية‭ ‬العيد‭ ‬لهذه‭ ‬السنة،‭ ‬قرار‭ ‬‭”‬صائب‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬التقدير‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬لكن‭ ‬تطبيقه‭ ‬يصطدم‭ ‬بجدار‭ ‬الهوية‭ ‬والوجدان‭ ‬الجمعي‭”.‬‭ ‬ويوضحون‭ ‬أنَّ‭ ‬‭”‬الأضحية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬شعيرة‭ ‬دينية،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬النسق‭ ‬الرمزي‭ ‬للانتماء،‭ ‬والتخلّي‭ ‬عنها‭ ‬يُفهم‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬وكأنَّه‭ ‬فقدان‭ ‬لركن‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الوجود‭ ‬الرمزي‭ ‬للأسرة‭ ‬المغربية‭”.‬

ويضيف‭ ‬هؤلاء‭: ‬‭”‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحتفي‭ ‬بالتضحيات‭ ‬الملموسة‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬الرجولة‭ ‬والكرم‭ ‬والارتباط‭ ‬الديني،‭ ‬فإن‭ ‬إلغاء‭ ‬الأضحية‭ ‬دون‭ ‬بديل‭ ‬رمزي‭ ‬واضح،‭ ‬يُحدث‭ ‬فراغًا‭ ‬قد‭ ‬يُملأ‭ ‬بأنماط‭ ‬مقاومة‭ ‬صامتة‭”.‬

‭*‬‭”‬خروف‭ ‬في‭ ‬السطح‭”: ‬الشراء‭ ‬الخفي

حميد،‭ ‬رب‭ ‬أسرة‭ ‬من‭ ‬حي‭ ‬المجاهدين،‭ ‬لم‭ ‬يخف‭ ‬في‭ ‬تواصله‭ ‬مع‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬جريدة‭ “‬لاديبيش‭”‬،‭ ‬اقتناءه‭ ‬خروف‭ ‬العيد‭ ‬بإحدى‭ ‬القرى‭ ‬القريبة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬رغم‭ ‬القرار‭. ‬قال‭ ‬لنا‭: ‬‭”‬أنا‭ ‬مع‭ ‬الملك‭ ‬فكل‭ ‬قراراتو،‭ ‬ولكن‭ ‬ولادي‭ ‬ماقدرتش‭ ‬نشرح‭ ‬ليهم‭ ‬علاش‭ ‬ماكينش‭ ‬خروف‭. ‬دابا‭ ‬هو‭ ‬عندي‭ ‬فالسطح،‭ ‬كنخبّيوه‭ ‬وماكنخليوش‭ ‬يصيح‭ ‬باش‭ ‬مايعرف‭ ‬حد‭.”‬

حميد‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬بجرأة‭ ‬نسبية،‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬معزولة،‭ ‬وليس‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬الأخيرة‭ ‬فحسب‭ ‬ما‭ ‬رصدته‭ ‬جريدة‭ “‬لاديبيش‭”‬،‭ ‬فهناك‭ ‬سوق‭ ‬موازية‭ ‬نشطت‭ ‬في‭ ‬الضواحي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬حجر‭ ‬النحل‭ ‬ومديونة،‭ ‬وسبت‭ ‬الزينات،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬البيع‭ ‬بطريقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬الفلاح‭ ‬والمستهلك،‭ ‬دون‭ ‬وسطاء‭ ‬أو‭ ‬إشهار‭.‬

كاميلية،‭ ‬امرأة‭ ‬متزوجة‭ ‬في‭ ‬عقدها‭ ‬السادس‭ ‬لديها‭ ‬أربعة‭ ‬أطفال،‭ ‬وتعيش‭ ‬بحومة‭ ‬صدام،‭ ‬قالت‭ ‬إنَّ‭ ‬القرار‭ ‬بعدم‭ ‬الأضحية‭ ‬صعب‭ ‬جدا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّنا‭ ‬كنستناو‭ ‬العيد‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر،‭ ‬لهذا‭ ‬صعيب‭ ‬تقنع‭ ‬الأولاد‭ ‬بالأمر‭ ‬وخا‭ ‬تكون‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬الدفعات‭.‬

وأضافت‭ ‬أنَّ‭ ‬حالتي‭ ‬المادية‭ ‬صعبة‭ ‬جدا،‭ ‬وكلّ‭ ‬سنة‭ ‬كانوا‭ ‬المحسنين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يتكلفون،‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬اضطررت‭ ‬إلى‭ ‬اقتناء‭ ‬اللحم‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الجزار‭ ‬واقتناء‭ ‬لوازمه‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬الأولاد‭ ‬بالفرق،‭ ‬كما‭ ‬أنَّها‭ ‬فرصة‭ ‬لاجتماع‭ ‬الأهل‭ ‬والأحباب‭.‬

‭*‬تساؤلات‭ ‬فقهية‭.. ‬هل‭ ‬يجوز‭ ‬مخالفة‭ ‬القرار؟

أثار‭ ‬القرار‭ ‬نقاشات‭ ‬فقهية‭ ‬وسط‭ ‬علماء‭ ‬الدين‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭. ‬بعض‭ ‬الفقهاء‭ ‬شدَّدوا‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬الأضحية‭ ‬سنة‭ ‬مؤكدة،‭ ‬وليست‭ ‬فرضًا،‭ ‬ويمكن‭ ‬تركها‭ ‬إذا‭ ‬وُجدت‭ ‬ضرورة‭ ‬شرعية‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستند‭ ‬إليه‭ ‬القرار‭ ‬الرسمي‭. ‬لكنَّ‭ ‬آخرين‭ ‬يرون‭ ‬أنَّ‭ ‬القرار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إرشاديًّا‭ ‬لا‭ ‬إلزاميًّا،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬فتوى‭ ‬رسمية‭ ‬تحرّم‭ ‬الأضحية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الظرف‭.‬

الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬القادر،‭ ‬أحد‭ ‬أئمة‭ ‬طنجة،‭ ‬صرّح‭ ‬لنا‭ ‬قائلاً‭: ‬‭”‬إذا‭ ‬رأى‭ ‬ولي‭ ‬الأمر‭ ‬مصلحة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬تعليق‭ ‬شعيرة‭ ‬ما،‭ ‬فيجب‭ ‬احترام‭ ‬رأيه،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تعميم‭ ‬التحريم‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬فتوى‭ ‬شرعية‭ ‬بذلك‭.”‬

‭*‬رأي‭ ‬الشارع‭: “‬العيد‭ ‬بلا‭ ‬خروف‭ ‬ماشي‭ ‬عيد‭”‬

استطلعنا‭ ‬آراء‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬طنجة‭. ‬فاطمة،‭ ‬ربة‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬الثلاثينيّات‭ ‬من‭ ‬عمرها،‭ ‬قالت‭: ‬‭”‬أنا‭ ‬كنحترم‭ ‬القرار،‭ ‬ولكن‭ ‬ماقدرتش‭ ‬نمنع‭ ‬راجلي‭ ‬يشري‭ ‬خروف‭. ‬حنا‭ ‬كبرنا‭ ‬على‭ ‬هاد‭ ‬الطقوس،‭ ‬وولادي‭ ‬كيستناو‭ ‬داك‭ ‬النهار‭.”‬

استطلاع‭ ‬الرأي‭ ‬مع‭ ‬فاطمة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وحيدا،‭ ‬بل‭ ‬عدد‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬ساكنة‭ ‬المدينة،‭ ‬دافعوا‭ ‬عن‭ ‬نفس‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬فاطمة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أكَّده‭ ‬رشيد‭ ‬ابن‭ ‬الحسيمة‭ ‬ويعيش‭ ‬حاليًا‭ ‬بطنجة،‭ ‬الذي‭ ‬أكَّد‭ ‬أنَّه‭ ‬قام‭ ‬بشراء‭ ‬أضحية‭ ‬العيد،‭ ‬والسبب‭ ‬عدم‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬الشعيرة‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬رمزيةٌ‭ ‬دينيّةٌ‭ ‬كبيرةٌ‭.‬

وأكد‭ ‬رشيد‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬38‭ ‬سنة،‭ ‬قرار‭ ‬المنع‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬حكيمًا‭ ‬وجريئا،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬بالقرار‭ ‬السهل‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬الكل‭ ‬ويقتنع‭ ‬به،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفعني‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬اقتناء‭ ‬أضحية‭ ‬العيد،‭ ‬ما‭ ‬دمت‭ ‬أتوفر‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬ذلك؟

في‭ ‬المقابل،‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬فرصة‭ ‬للتأمل‭ ‬ومراجعة‭ ‬الأولويات‭. ‬محمد،‭ ‬موظف‭ ‬جماعي،‭ ‬صرح‭ ‬قائلاً‭: ‬‭”‬واش‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬نزيدو‭ ‬الكريديات‭ ‬على‭ ‬الكريديات‭ ‬باش‭ ‬نشريو‭ ‬خروف؟‭ ‬الملك‭ ‬عطانا‭ ‬فرصة‭ ‬باش‭ ‬نوقفو‭ ‬ونعيدو‭ ‬بالنية‭ ‬وبالعائلة،‭ ‬ماشي‭ ‬باللحم‭.‬

أمينة‭ ‬أيضًا‭ ‬مُوظّفة،‭ ‬أكدت‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬خصّت‭ ‬به‭ ‬جريدة‭ “‬لاديبيش‭”‬،‭ ‬أنَّ‭ ‬القرار‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬والقاضي‭ ‬بإلغاء‭ ‬أضحية‭ ‬العيد،‭ ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬صائب‭ ‬للغاية،‭ ‬لكن‭ ‬تعنت‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬المغاربة‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يصعبون‭ ‬الوضع‭ ‬للأسف‭.‬

فمن‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬رصدناه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬وضواحيها‭ ‬وبواديها،‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬القرار‭ ‬الرسمي‭ ‬بإلغاء‭ ‬أضحية‭ ‬العيد‭ ‬اصطدم‭ ‬بجدار‭ ‬ثقافي‭ ‬عميق‭. ‬فالأضحية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شعيرة‭ ‬موسمية،‭ ‬بل‭ ‬تُمثّل‭ ‬لحظة‭ ‬ذروة‭ ‬للتلاحم‭ ‬الأسري‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وعلامة‭ ‬رمزيّة‭ ‬على‭ ‬الاستمرارية‭ ‬الثقافية‭.‬

صحيح‭ ‬أنَّ‭ ‬السياق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يُحتّم‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬جديدة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬القرار‭ ‬ينمّ‭ ‬عن‭ ‬مسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬وتبصر‭ ‬عميق،‭ ‬وجرأة‭ ‬تنتصر‭ ‬لمصلحة‭ ‬الشعب‭ ‬المغربي،‭ ‬لكن‭ ‬تنفيذه‭ ‬دون‭ ‬مواكبة‭ ‬ثقافيَّة‭ ‬وإعلاميَّة‭ ‬ودينيَّة‭ ‬قويَّة،‭ ‬ترك‭ ‬فراغًا‭ ‬ملأته‭ ‬الممارسات‭ ‬الفردية‭ ‬والسرية،‭ ‬منها‭ ‬واعية‭ ‬ومنها‭ ‬غير‭ ‬الواعية‭ ‬وهي‭ ‬الأخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭.‬

طنجة،‭ ‬كباقي‭ ‬مدن‭ ‬المغرب،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬بين‭ ‬ضرورة‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬وحنين‭ ‬قوي‭ ‬إلى‭ ‬طقوس‭ ‬تمنح‭ ‬للعيد‭ ‬طعمه‭ ‬وخصوصيته‭. ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬يبقى‭ ‬سؤال‭ ‬الهُوية،‭ ‬والتدين‭ ‬الشعبي،‭ ‬والسلطة‭ ‬الرمزية‭ ‬للقرار‭ ‬السياسي،‭ ‬كلها‭ ‬موضوعات‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬نقاش‭ ‬مجتمعي‭ ‬أعمق‭.‬

تابعنا على الفيسبوك