تواصل معنا

القانون والناس

أين الأحكام الغيابية من التنزيل الواقعي للقانون؟! -2-

إنَّ‭ ‬كانت‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُؤثّر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬التعاقدية،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابية‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬القانوني؟‭! ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬شاب‭ ‬الإجراءات‭ ‬عيوب‭ ‬جوهرية؟‭! ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬تقييم‭ ‬فاعلية‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابية‭ ‬يتطلَّب‭ ‬نظرة‭ ‬شاملة‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬كلًّا‭ ‬من‭ ‬المزايا‭ ‬والعيوب؟‭!‬

وإن‭ ‬كانت‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬تُسهم‭ ‬إسهامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التقاضي،‭ ‬فإنَّها‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العدالة‭ ‬وحقوق‭ ‬الدفاع‭. ‬بيد‭ ‬أنَّه،‭ ‬يظل‭ ‬تطوير‭ ‬التشريعات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأحكام‭ ‬الغيابية‭ ‬ضرورة‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭. ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاعات،‭ ‬وضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة‭. ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬العقود‭ ‬والالتزامات‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بتعقيداتها‭ ‬وخصوصياتها‭.‬

فهل‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬القضائي‭ ‬المغربي‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الدفاع‭ ‬قبل‭ ‬إصدار‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬النجاعة‭ ‬القضاء‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬سرعة‭ ‬البتّ‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬ليس‭ ‬إلا؟‭!‬

إن‭ ‬كان‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭ ‬يعتبر‭ ‬الإعلان‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬هو‭ ‬الإجراء‭ ‬الأهم‭. ‬فإنّه‭ ‬يلزم‭ ‬القانون‭ ‬بإعلانه‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭ ‬وفعال‭ ‬لتنزيله‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭! ‬سواء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البريد‭ ‬أو‭ ‬بوسائل‭ ‬أخرى،‭ ‬لضمان‭ ‬علمه‭ ‬بالدعوى‭. ‬ولا‭ ‬يصدر‭ ‬القاضي‭ ‬الحكم‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬استيفاء‭ ‬إجراءات‭ ‬التبليغ‭ ‬عبر‭ ‬جميع‭ ‬الطرق‭ ‬القانونية‭ ‬وإذا‭ ‬غاب‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتقدّم‭ ‬بالطعن‭ ‬خلال‭ ‬المواعيد‭ ‬المحددة،‭ ‬يُعدُّ‭ ‬الحكم‭ ‬غيابيًّا‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يحق‭ ‬للمحكوم‭ ‬عليه‭ ‬الغيابي‭ ‬الاعتراض،‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر،‭ ‬أو‭ ‬الطعن‭ ‬بالاستئناف،‭ ‬خلال‭ ‬مدّة‭ ‬مُحدّدة‭. ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬15‭ ‬يومًا‭ ‬من‭ ‬إبلاغه‭ ‬بالحكم‭. ‬وينفذ‭ ‬الحكم‭ ‬وفقًا‭ ‬للإجراءات‭ ‬القانونية،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الاعتراض‭ ‬أو‭ ‬الطعن‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬مما‭ ‬تحمله‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابية‭ ‬من‭ ‬إيجابيات‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بتسريع‭ ‬إجراءات‭ ‬الفصل،‭ ‬وتخفيف‭ ‬العبء‭ ‬على‭ ‬القضاء،‭ ‬وتجنب‭ ‬المماطلة،‭ ‬فإنها‭ ‬تحمل‭ ‬سلبيات‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬باحتمال‭ ‬صدور‭ ‬أحكام‭ ‬غير‭ ‬منصفة،‭ ‬وغياب‭ ‬ضمانات‭ ‬كافية‭ ‬لحق‭ ‬الدفاع،‭ ‬وتهديد‭ ‬استقرار‭ ‬العلاقات‭ ‬القانونية‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبنى‭ ‬العدالة‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬القرار،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الجميع،‭ ‬خصوصًا‭ ‬المدعي‭ ‬الذي‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنصافه‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الحق‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بسرعة‭ ‬البت،‭ ‬وإنما‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬يحقق‭ ‬من‭ ‬عدالة‭ ‬واقعية‭ ‬وَفْقًا‭ ‬للدستور‭ ‬والقانون‭ ‬المحدث‭.‬

وتمثل‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابية‭ ‬أداة‭ ‬مهمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬سرعة‭ ‬العدالة،‭ ‬لكنها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬بحذر،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الدفاع‭ ‬وإجراءات‭ ‬الإعلان‭ ‬الصحيح‭ ‬والأصح؛‭ ‬لتفادي‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ظلم‭ ‬أو‭ ‬انتهاك‭ ‬لحقوق‭ ‬الأطراف،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬للمنظومة‭ ‬القضائية‭ ‬المغربية‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬التشريع‭ ‬المغربي‭ ‬تنزيلًا‭ ‬للدستور‭ ‬والقانون؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬توازنًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬الفصل‭ ‬وحماية‭ ‬الحقوق‭ ‬لضمان‭ ‬نظام‭ ‬قضائي‭ ‬عادل‭ ‬وفعّال؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬فصل‭ ‬السلط‭ ‬جعلت‭ ‬بينها‭ ‬جدارًا‭ ‬سميكًا‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬التجانس‭ ‬والتكامل‭ ‬فيما‭ ‬بينها؟‭!‬

يتبع

تابعنا على الفيسبوك