تواصل معنا

مجتمع

من السب والشتم إلى «بلطجة الطرقات».. كيف تحولت شوارعنا إلى حلبات صراع وما دور كاميرات المراقبة في الردع؟

تتحول‭ ‬شوارع‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬الكبرى،‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬فترة‭ ‬ذروة،‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬حرب‭ ‬حقيقية‭ ‬يغيب‭ ‬فيها‭ ‬العقل‭ ‬ويحضر‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬الغاب‮»‬‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬الاختناق‭ ‬المروري‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬لوجيستية‭ ‬ترتبط‭ ‬بضيق‭ ‬المسارات‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬أعداد‭ ‬المركبات،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬عاكسة‭ ‬لشرخ‭ ‬قيمي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬مقلق‭ ‬يهدد‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭.‬

من‭ ‬يرتاد‭ ‬المدارات‭ ‬الحضرية‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬الرباط،‭ ‬أو‭ ‬طنجة،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬شرارة‭ ‬بسيطة‭ ‬بسبب‭ ‬أسبقية‭ ‬المرور‭ ‬كفيلة‭ ‬بإشعال‭ ‬فتيل‭ ‬من‭ ‬السبّ‭ ‬والشتم‭ ‬بعبارات‭ ‬تخدش‭ ‬الحياء‭ ‬العام،‭ ‬وتتطوَّر‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تشابك‭ ‬بالأيادي‭ ‬يُدمي‭ ‬الأجساد‭ ‬ويزهق‭ ‬الأرواح،‭ ‬وسط‭ ‬مشاهد‭ ‬صادمة‭ ‬توثقها‭ ‬هواتف‭ ‬المارة‭.‬

هذا‭ ‬الانفلات‭ ‬السلوكي‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬اللسان‭ ‬واليد،‭ ‬بل‭ ‬امتدَّ‭ ‬إلى‭ ‬استباحة‭ ‬تامة‭ ‬لقانون‭ ‬السير؛‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الممنوع،‭ ‬واحتلال‭ ‬ممرات‭ ‬الراجلين،‭ ‬واختراق‭ ‬الإشارات‭ ‬الحمراء،‭ ‬سلوكيات‭ ‬مألوفة‭ ‬لدى‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬السائقين‭ ‬المستهترين‭ ‬الذين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬فوق‭ ‬المحاسبة‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬القاتم،‭ ‬تتَّجه‭ ‬الأنظار‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الترسانة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬كاميرات‭ ‬المراقبة‭ ‬المثبتة‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬كأداة‭ ‬حاسمة‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيبة‭ ‬لسلطة‭ ‬القانون‭ ‬وتربية‭ ‬الشارع‭. ‬فما‭ ‬الدور‭ ‬الفعلي‭ ‬لهذه‭ ‬‮«‬العيون‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنام‮»‬‭ ‬في‭ ‬ردع‭ ‬هذا‭ ‬التسيب؟

تتجاوز‭ ‬الكاميرات‭ ‬الحديثة‭ ‬دورها‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬المرتبط‭ ‬بتنظيم‭ ‬حركة‭ ‬السير‭ ‬وتوثيق‭ ‬الحوادث،‭ ‬لتصبح‭ ‬أداة‭ ‬ردع‭ ‬نفسي‭ ‬وقانوني‭ ‬بالغة‭ ‬الأثر‭. ‬إن‭ ‬مجرد‭ ‬إدراك‭ ‬السائق‭ ‬بأنَّه‭ ‬تحت‭ ‬المراقبة‭ ‬اللصيقة‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬ديناميكية‭ ‬سلوكه‭ ‬خلف‭ ‬المقود؛‭ ‬‮«‬فالخوف‭ ‬من‭ ‬العقاب‮»‬‭ ‬والمخالفات‭ ‬الرقمية‭ ‬يفرض‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬الذاتية‭ ‬قسرًا‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية،‭ ‬تُشكّل‭ ‬هذه‭ ‬الكاميرات‭ ‬‮«‬شاهد‭ ‬إثبات‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬الجدل‭ ‬أمام‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭. ‬ففي‭ ‬حالات‭ ‬الاعتداء‭ ‬الجسدي‭ ‬أو‭ ‬اللفظي‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬مشادات‭ ‬المرور،‭ ‬تُوفّر‭ ‬التسجيلات‭ ‬تفاصيل‭ ‬دقيقة‭ ‬ومحايدة‭ ‬تُحدّد‭ ‬الجاني‭ ‬والمجني‭ ‬عليه،‭ ‬مما‭ ‬يقطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب،‭ ‬ويحمي‭ ‬ضحايا‭ ‬‮«‬بلطجة‭ ‬الطرقات‮»‬‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬التطاول‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬السير،‭ ‬كالسير‭ ‬في‭ ‬الممنوع،‭ ‬فإنّ‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالكاميرات‭ ‬تتيح‭ ‬رصد‭ ‬اللوحات‭ ‬المعدنية‭ ‬للمركبات‭ ‬آليًّا‭ ‬وتغريم‭ ‬أصحابها‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لتدخّل‭ ‬بشري‭ ‬مباشر،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬الردع‭ ‬المالي‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يجمع‭ ‬الخبراء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المقاربة‭ ‬الزجرية‭ ‬الرقمية،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها‭ ‬القصوى،‭ ‬تظلّ‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لوحدها‭.‬

إن‭ ‬الكاميرا‭ ‬قد‭ ‬تضبط‭ ‬المخالفة‭ ‬وتُسهم‭ ‬في‭ ‬معاقبة‭ ‬المعتدي،‭ ‬لكنَّها‭ ‬لا‭ ‬تزرع‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬النفوس‭. ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬أزمة‭ ‬تربية‭ ‬وسلوك؛‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬تضافر‭ ‬جهود‭ ‬المدرسة،‭ ‬والأسرة،‭ ‬والإعلام‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لقيم‭ ‬التسامح‭ ‬والصبر‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭.‬

إن‭ ‬شوارعنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كاميرات‭ ‬المراقبة‭ ‬لتطبيق‭ ‬القانون‭ ‬بصرامة‭ ‬وبلا‭ ‬هوادة،‭ ‬لكنها‭ ‬بحاجة‭ ‬أكبر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬رقيب‭ ‬داخلي‮»‬‭ ‬يذكّر‭ ‬السائق‭ ‬بأن‭ ‬السيارة‭ ‬وسيلة‭ ‬تنقُّل،‭ ‬وليست‭ ‬حلبة‭ ‬لتفريغ‭ ‬العقد‭ ‬النفسية‭ ‬واستعراض‭ ‬القوة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك