آخر الأخبار
مشاريع ما بعد «نكسة 2008» تُجنب طنجة «السيناريو الأسود».. هكذا أنقذت الأنفاق وقنوات الصرف عاصمة البوغاز من الغرق
تنفَّس سكان مدينة طنجة الصعداء، بعد أن مرَّت الموجة العاتية من التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها المدينة بسلام، دون أن تخلف «الكارثة» التي كان يتخوَّف منها الجميع، حيث عاينت «لاديبيش» كيف نجحت البنية التحتية لعروس الشمال، وتحديدًا مشاريع حماية المدينة من الفيضانات التي أطلقت عقب أحداث 2008 المأساوية، في استيعاب كميات قياسية من المياه، مُجنّبة المدينة تكرار مشاهد الغرق التي ظلت عالقة في الأذهان لسنوات.
وعاشت عاصمة البوغاز، خلال الساعات القليلة الماضية، حالةً من الاستنفار القصوى، حيث أعادت التساقطات المطرية القوية إلى أذهان الطنجاويين كوابيس الماضي القريب، حين كانت «الشتاء» تعني توقف الحياة وغرق الأحياء الصناعية والسكنية، غير أنَّ الواقع الميداني اليوم كشف عن «نجاعة» الاستراتيجية الاستباقية التي نهجتها الدولة منذ أزيد من عقد من الزمن.
وبحسب خبراء ومتتبعين للشأن المحلي، فإن الكميات المتهاطلة كانت كفيلة بإغراق أحياء بأكملها لولا وجود شبكة ضخمة ومعقدة من قنوات الصرف والأنفاق تحت أرضية، التي أنجزت ضِمن البرنامج الملكي الضخم لحماية طنجة من الفيضانات، وهو البرنامج الذي أثبت اليوم «جدواه الاقتصادية والاجتماعية»، حيث تمكنت الوديان الكبرى التي تخترق المدينة، كـ «واد السواني» و«واد مغوغة»، من تصريف السيول بسلاسة نحو البحر، بعيدًا عن التجمعات السكنية والمنشآت الحيوية.
ولا يمكن الحديث عن إنجاز اليوم دون العودة بالذاكرة إلى «نكسة 2008»، حين غمرت المياه المنطقة الصناعية «مغوغة» وأحياء «بني مكادة»، مخلفة خسائر مادية فادحة وصدمة نفسية لدى الساكنة، وهي الأحداث التي شكَّلت حينها نقطة تحوُّل مفصلية، دفعت السلطات المركزية والمحلية إلى إعادة النظر جذريا في الخريطة الهيدروليكية للمدينة، وفي تصريحات متطابقة لـ«لاديبيش»، أكَّد عددٌ من الفاعلين الجمعويين أن ما حدث اليوم هو «قطف لثمار» سنوات من الأشغال الشاقة التي حوَّلت مجاري الأودية من «قنابل موقوتة» إلى ممرات آمنة للمياه، فيما أشار أحد المهندسين المعماريين بالمدينة للجريدة قائلًا: «لو تهاطلت هذه الكميات قبل 2008 لكانت المدينة اليوم منكوبة بالكامل، لكن تعميق مجاري الأودية وبناء الحواجز الإسمنتية والقنوات الالتفافية تحت الأرض مكن من استيعاب الحمولة القصوى في وقت وجيز».
ورغم النجاح الكبير الذي سجَّلته المنشآت الفنية في تصريف المياه، فإنَّ بعض «النقاط السوداء» الطفيفة ظهرت في بعض الشوارع الفرعية بسبب اختناق بالوعات الصرف بالأزبال والأتربة، مما يتطلب -حسب مراقبين- صيانة دورية ومستمرة لا تقتصر فقط على المنشآت الكبرى، بل تشمل الشبكة الدقيقة داخل الأحياء، وقد عاينت الجريدة تحركًا لفرق التدخل السريع التابعة لشركة التدبير المفوض، التي عملت على معالجة الاختلالات البسيطة، وسط ارتياح عام لدى الساكنة التي لمست تغيرًا ملموسًا في تعاطي مدينتهم مع الظروف المناخية القاسية، ليبقى الرهان الأكبر هو مواكبة التوسع العمراني السريع للمدينة بمزيدٍ من البنيات التحتية، لضمان أن تظل «عروس الشمال» محمية من غضب الطبيعة في المستقبل.


