القانون والناس
مسطرة الأمر بالأداء قانونًا وواقعًا
…يتبع
نظرًا لما للورقة الرسمية من حجية وضمانًا بالنسبة لحقوق الدائن على خلاف الورقة العرفية، أمَّا الاعتراف بدين، فنلاحظ أنَّ المُشرعَ لم يشترط فيه الرسمية، وإن كان يجوز أن يحرر في حجة كتابية، ونرى أنَّ هَذَا الأمر يتنافى مع خصوصيات مسطرة الأمر بالأداء، الَّتِي تباشر في غيبة الأطراف، ما يخلق لدينا نوعًا من الغموض بين مقتضيات الفصلين (147) و(155) من (ق.م.م)، الَّذِي يمكن أن يعزى إلى عدم سلامة الترجمة من اللغة الفرنسية إلى العربية.
أن يكون الطلب واجبَ التبليغ بالمغرب وأن يكون موطن المدين معروفًا فيه، استنادًا لمقتضيات الفصل (157) من (ق م.م) فإنّه لا يقبل كلّ طلب يرمي إلى تبليغه بالخارج، لأن ذلك سيُؤدّي إلى إثقال كاهل المدين متى أراد الطعن في المسطرة، وكذلك الصعوبات الَّتِي سيواجهها فيما يتعلق بالتبليغ، وللحيلولة دون وقوع هَذَا الأخير بمثل هَذِهِ المشاكل، شرع المُشرّع المغربيّ، خلال الفصل السالف الذكر، أن يكون للمدين موطنٌ بالمغرب، ما يبقى معه التساؤل مطروح حول، أنّه في حالة تعلق الأمر بأجنبي مدين يقطن خارج تراب المملكة، فهل يُمكنه أن يختار موطن موكله الَّذِي يوجد بالمغرب؟
وحيث إنَّه باستقرائنا مقتضيات الفصل السالف الذكر، يُمكن أن نستنبط أنّه لا مانع في ذلك ما دام المُشرّع يورد لفظ موطن دون قيد.
وحيث إنَّه مسطرة الأداء، هي مسطرة لم يعد أي فرق في هَذِهِ الشروط، بين ما ورد في (ق.م.م)، وما كان منصوصًا عليه في القانون المُحدّث للمحاكم التجارية، وكذلك لا مجال للإشارة إلى أنَّ من الشروط الجوهرية الَّتِي يتعين توافرها في الدائن، الَّذِي يريد ممارسة هَذِهِ المسطرة أن يكون كامل الأهلية وذا صفة ومصلحة، وَفْقًا لما ورد في الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية.
الَّتِي يجب أن تتضمّن شروطًا شكليةً وموضوعيةً، حيث إنَّ مقتضيات الفصل (156) من قانون المسطرة المدنية، يستفاد منه أنَّ المقال الَّذِي يرفعه الطالب في إطار مسطرة الأمر بالأداء يستوجب جملة من البيانات، الَّتِي يفرضها قانون المسطرة المدنية للمقالات عمومًا، كما ورد النص عليها في الفصل 32 من (ق.م.م) وهي الأسماء العائلية والشخصية وصفة أو مهنة وموطن أو محل إقامة المدعى عليه والمدعي، وكذلك عند الاقتضاء أسماء وصفة وموطن وكيل المدعي، وإذا كان أحد الأطراف شركة وجب تضمين المقال أو المحضر اسمها وعنوانها ومركزها. غير أنَّ المُشرّعَ فيما يخصّ مسطرة الأمر بالأداء استوجب أن يكون المقال مكتوبًا ومُوّقعًا عليه من طرف الطالب أو وكليه، وهَذَا خلاف القواعد المنصوص عليها في الفصل (31) من (ق.م.م) الَّذِي ينصّ على أنه يمكن رفع الدعوى إما بمقال مكتوب او بمجرد تصريح شفوي…………، فضلًا عمَّا سبق يجب تضمين المقال البيان الدقيق للمبلغ المطلوب بالأرقام والحروف، والسبب الَّذِي ينبني عليه الطلب وذلك استبعادًا لكلّ سبب مخالف للقانون والنظام العام والأخلاق الحميدة، إلى جانب ما سبق يتعين أن يعزز الدائن طلبه بأصل السند الَّذِي يثبت الدين وصورة من صور طبق الأصل بعد المدينين، وإذا تخلَّف شرطٌ من هَذِهِ الشروط سيترتب عليه البطلان.
ما يتّضح من مقتضيات الفصل (158) من (ق.م.م) أنَّ رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيًا الأمور المستعجلة، هو المختص للبتّ في مقالات الأمر بالأداء، وإن كان يجوز أن يتولى ذلك من ينوب عنه بعد تعديل النص المنسوخ لسنة 1974، وإن كان اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية لم يكن يثير أي إشكال قبل إحداث المحاكم التجارية سنة 1997، لوجود جهة واحد تنظر في مسطرة الأمر بالأداء، غير أنَّ إحداث المحاكم التجارية أصبح يخلق بعض التداخل في الاختصاص بين رئيس المحكمة التجارية ورئيس المحكمة الابتدائية، لكنَّ المُشرّع فطنّ الأمر وتدخّل في 13 يونيو 2002، فأوقف اختصاص رئيس المحكمة التجارية في مسطرة الأمر بالأداء في الأوراق التجاريّة كـ(الكمبيالة والشيك والسند لأمر) والسندات الرسميّة على تجاوز قيمة هَذِهِ الأوراق والسندات لمبلغ عشرين ألف درهم، ويكون بذلك قد فتح المجال لرئيس المحكمة الابتدائيّة للنظر في الأمر بالأداء المبني على الأوراق التجاريّة والسندات الرسميّة، الَّتِي لا تتجاوز قيمتها 20000 درهم، وهَذَا الأمر سعى -من خلاله- المُشرّعُ المغربيُّ إلى الحرص على تمكين المحاكم الابتدائيّة، بالنظر موضوعًا ورئاسة في القضايا التجاريّة، دون وقوع أي تنازع في الاختصاص بينها وبين المحاكم التجاريّة.


