آخر الأخبار
مبادرة برلمانية في إسبانيا لتدريس الفترة الاستعمارية بالمغرب.. جرح الشمال والريف الذي تتهرب منه مدريد
الجيل الجديد سيتعرف على مآسي فترة الحماية التي تطارد اليـمـيــن المتــطـرف الإســبــاني المـعـــادي للمـــغـــاربــة
لم يعد النقاش بشأن ماضي إسبانيا الاستعماري في شمال المغرب شأنًا أكاديميًّا أو تاريخيًّا صرفًا، بل تحوَّل في السنوات الأخيرة إلى محور صراعٍ سياسيٍّ داخل مدريد، خاصّةً مع صعود تيارات اليمين المتطرّف، ممثلة أساسًا في حزب «فوكس»، التي تبنّى جزءًا كبيرًا من خطابها على مهاجمة المهاجرين المغاربة، وإبداء التخوُّف من «الخطر القادم من الجنوب»، هذا التحوُّل جعل الماضي يعود بقوة إلى الواجهة، ليس فقط كذاكرة دامغة لدى المغاربة، بل كعبءٍ تاريخيٍّ يلاحق التصوُّرات التي تحاول قوى اليمين إنكارها أو تلميعها.
في هذا السياق، أعاد تحالف «سومار» الإسباني، المشارك في الائتلاف الحكومي مع الحزب الاشتراكي العمالي، الذي يقوده رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، إشعال الجدل من جديد؛ عبر مبادرة برلمانية تطالب بتدريس الاستعمار الإسباني في المغرب، خصوصًا حرب الريف، داخل المناهج التعليمية في المرحلة الثانوية، بما في ذلك البكالوريا، المبادرة، التي تقدّمت بها النائبتان آينا فيدال وفيفيان أوغو، تدعو إلى إدراج هذا الماضي ضمن الذاكرة الديمقراطية لإسبانيا، باعتباره حدثًا تاريخيًّا لا يمكن القفز عليه أو تجاهل تبعاته السياسيَّة والإنسانيَّة.
شبح الماضي يعود من جديد
وتُحاجج مبادرة ائتلاف «سومار» بأن الاستعمار الإسباني لشمال المغرب ما بين 1912 و1956، وما تخلّله من حروب دامية، وعلى رأسها حرب الريف، ليس موضوعًا تاريخيًّا عاديًّا، بل إنه حدث بنَت عليه إسبانيا الحديثة جزءًا من هويتها العسكرية والسياسية، وكان له دورٌ حاسمٌ في تشكيل شخصيات مثل فرانسيسكو فرانكو وإميليو مولا، مهندسي الانقلاب العسكري لسنة 1936، الذي فجَّر الحرب الأهلية الإسبانية.
وبالتالي، فإنَّ تجاهل هذا الماضي لا يُلغي وجوده، بل يجعل الخطاب العنصري الذي يستهدف المهاجرين من أصل مغربي قائمًا على إنكار تاريخي بدل مواجهة الحقيقة، على اعتبار أن إسبانيا التي تنتقد اليوم تدفّق المهاجرين ليست بعيدة عن تاريخ كانت فيه قوة استعمارية نهبت ثروات شمال المغرب، وتحكمه بالحديد والنار في مدن وأراضٍ كاملة، وشاركت في عمليات قمع وتقتيل وتمشيط عسكري، وأصدرت قوانين وسياسات تتحكم في حياة السكان المحليين.
هذه الحقيقة التاريخية، بحسب «سومار» اليساري، لا تزال غائبة عن الوعي السياسي الإسباني، ما يتيح لليمين المتطرّف نشر خطاب يعتبر أن وجود المغاربة في إسبانيا «عبء» أو «غزو جديد»، بينما الواقع يقول إن العلاقة بين البلدين علاقة ذات جذور عميقة ومعقّدة، وهو خطاب يبدو موجهًا تحديدًا لحزب «فوكس» الذي يبني سرديته السياسية على العداء للمغرب، وينطلق من النفخ في قضية المهاجرين ضمن استراتيجيته الدعائية السابقة لأوانها تحسبا لانتخابات 2027.
الاستـعمار الإسـباني.. فصـل غائب مـن الذاكــرة الرســمـيـــة
وتشير المبادرة البرلمانية إلى أنَّ دولًا مثل بلجيكا وهولندا بدأت بالفعل مراجعة ماضيها الاستعماري، وقدَّمت اعتذارات وأطلقت برامجَ تعليميَّة تعترف بانتهاكات الماضي، وفي المقابل، لم تقم إسبانيا بخطوة مماثلة رغم امتلاكها سجلًا استعماريًّا واضحًا في شمال وغرب إفريقيا.
فبعد خسارتها مستعمرات كوبا وبورتوريكو والفلبين سنة 1898، وجدت إسبانيا نفسها تبحث عن إعادة بناء هيبتها الدولية. وكانت شمال المغرب المنطقة الوحيدة التي سمحت للقوى الاستعمارية الأوروبية حينها بمنح مدريد «موطئ قدم» جديد، بموجب اتِّفاق سنة 1912 بين فرنسا وإسبانيا، وبموافقة السلطان المغربي، تولت إسبانيا إدارة ما عُرف بـ«المنطقة الخليفية» في الريف وجبالة والساحل المتوسطي، لكنَّ السكان المحليين لم يقبلوا بالأمر الواقع، وكانت ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي واحدةً من أعنف المواجهات الاستعمارية في التاريخ الحديث.
ولا تزال حرب الريف بين 1921 و1926 واحدة من أكثر الصفحات سوادًا في التاريخ العسكري الإسباني، تقدّر المبادرة البرلمانية أن نحو 25 ألف جندي إسباني لقوا مصرعهم فيها، معظمهم من الطبقات العاملة الذين جرى تجنيدهم قسرًا. وفي المقابل، عانى الريفيون من دمارٍ واسعٍ شمل قصفًا جويًّا مستمرًّا، وهجمات عشوائية على القرى، والأخطر من ذلك استخدام غازات سامة محظورة دوليًّا، وعلى رأسها غاز الخردل.
هذا الاستخدام، الذي وثَّقته دراسات حديثة واعترافات عسكرية متفرقة، لا يزال إلى اليوم ملفًا حساسًا يتفادى السياسيون الإسبان الخوض فيه، خاصة التيارات اليمينية التي تخشى أن يؤدي الاعتراف به إلى مطالبات بالتعويض أو الاعتذار الرسمي، في حين أنَّها ما زالت ترسم المقاومة في شمال المغرب بشكل «متوحش» وتركز على ذلك في سرديتها التي تحذر من «أطماع المغرب» في سبتة ومليلية والصخور المحتلة في البحر الأبيض المتوسط.
وتؤكد مبادرة «سومار» أن هذه الحرب كانت مختبرًا حقيقيًّا لعدد من العسكريين الذين سيقودون لاحقًا الحرب الأهلية، فالجنرال فرانسيسكو فرانكو، الذي حكم إسبانيا لمددة قاربت 40 عامًا، مثلا، بنى جزءًا من سمعته وشهرته العسكرية في الريف، وهو ما يعكس الترابط غير القابل للانفصال بين الاستعمار الإسباني وتجربة الانقلاب العسكري داخل التراب الإسباني نفسه، الذي قاد إلى دكتاتورية مطلقة.
اليمــين المتــطرف.. استــمرار للخـطاب الاســتعماري
المبادرة البرلمانية تشير بوضوح إلى أن تجاهل هذا التاريخ أسهم في تفشي خطابات اليمين المتطرف، التي تعتمد على تبرئة الماضي وشيطنة الحاضر، عندما يهاجم اليمين فئات المهاجرين من شمال إفريقيا، فإنه يتحدث كما لو أنَّ إسبانيا لم تكن يومًا جزءًا من تاريخهم أو لم تتدخّل في حياتهم وسياساتهم واقتصادهم طوال عقود.
ويرفض اليمين المتطرف المتنامي في إسبانيا، الاعتراف بحرب الريف وبجرائم الاحتلال الإسباني عمومًا، ويركّز بالمقابل على «بطولات عسكرية» مثل «إنزال الحسيمة» سنة 1925، الذي تعدُّه المبادرة البرلمانية مجرَّد فصل من فصول حملة دموية جرى تسويقها لاحقا كإنجاز عسكري.
وقد ظهر هذا التناقض بوضوح عندما صوّت حزب «فوكس» لصالح مبادرة للاحتفال بالذكرى المئوية لإنزال الحسيمة، في الوقت نفسه الذي يرفضون فيه أي مبادرة للاعتراف بضحايا الحرب أو تدريس هذه المرحلة في التعليم، مع العلم أنَّ الحزب الشعبي صاحب أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الإسباني، الذي يتزعم المعارضة حاليًا، لصالحها أيضا، وهو الذي يعاني تآكل شعبيته لصالح الخطاب السياسي لأقصى اليمين.
لكنَّ المبادرة البرلمانية الآتية من أقصى اليسار الإسباني، تُؤكّد أنَّ مدريد حتّى في زمن صعود اليمين المتطرف بشكل غير مسبوق منذ زمن الديكتاتورية الفرانكوية في السبعينيَّات، فإنها لا تستطيع إقبار إرثها الاستعماري أو التخلص من تبعاته التاريخية، لأن هذا الماضي ليس ملكًا لإسبانيا وحدها، بل إنَّه جزء من ذاكرة جماعية تشترك فيها شعوب عديدة، وعلى رأسها سكان شمال المغرب الذين ما زالت آثار الحرب والاستعمار حاضرة في مناطقهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
فالريف تحديدًا ظلّ يعاني التهميش التنموي طوال عقود، سواء في فترة الاستعمار أو بعدها، وهو تهميش ترك وراءه إحساسًا لدى السكان بأن المعاناة تمتد عبر الزمن، هذا دون أن ننسى التبعات الصحية الخطيرة التي خلفها القصف العنيف بواسطة السلاح الكيماوي، الذي جعل من أهالي إقليم الحسيمة الأكثر عرضة لأمراض فتاكة في مقدمتها السرطان.
كما أنَّ العلاقة بين إسبانيا والمغرب اليوم ليست منفصلةً عن الماضي، فالهجرة، والتعاون الأمني، والعلاقات الاقتصادية، والمطالبات الترابية، كلها ملفات ذات جذور تاريخية متشابكة، وهذا ما يحيلنا على الاستعمار الإسباني للصحراء، الذي خلَّف صراعًا سياسيًّا مستمرًّا إلى غاية اليوم بعد 50 عامًا على مغادرة جنودها للمنطقة، وهو ما يفسر جزئيًّا اضطرار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى التعبير عن دعم مقترح الحكم الذاتي، تحت السيادة المغربية كحل هو الأكثر واقعية وجدية ومصداقية، لإصلاح العلاقات مع الرباط سنة 2022.
ويُمثّل الاعتراف بالاستعمار تهديدًا لليمين المتطرف في إسبانيا، أو على الأقل هكذا يشعر المنتمون لهذا التيار الشعبوي، لأنَّه يفكك السردية التي يعتمد عليها في خطاباته، التي تنبني أساسًا على إنكار الماضي فيحول العنصرية إلى «موقف طبيعي» وليس «امتدادًا للاستعلاء الاستعماري»، كما أنَّ الاعتراف بالجرائم الاستعمارية يعني تحميل الدولة الإسبانية مسؤولية أخلاقية وتاريخية.
ولذلك، فإن التدريس النقدي للتاريخ يمنع ترويج روايات «تمجيد الاحتلال» التي يعتمد عليها اليمين، وهو ما أراد «فوكس» التخلُّص منه مسبقًا؛ عبر الضغط لوقف تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية في مجموعة من الأقاليم، رغم أنَّها مادة اختيارية، واضطر الحزب الشعبي لمجاراته من أجل تفادي «هدر النقاط الانتخابية»، دون أن ننسى أن الاعتراف بالإرث الاستعماري الثقيل يفتح الباب أمام مصالحة تاريخية يرى فيها اليمين تهديدا لخطاب الهوية القومية المغلقة، التي تحول المغرب إلى عدو وجودي.
في نهاية المطاف، لا تهدف مبادرة ائتلاف «سومار»، الذي لا تربطه علاقات ودّ مع المغرب بخصوص قضية الصحراء بحكم قربه من جبهة «البوليساريو» الانفصالية، إلى فتح جراح الماضي، بقدر ما تهدف إلى بناء ذاكرة مشتركة يمكن أن تساعد مستقبل العلاقات بين البلدين، فالاعتراف بالتاريخ لا يعني العداء، بل يعني النضج السياسي، والقدرة على فهم الحاضر بعمق.
كما أنَّ التعاون مع مؤسسات ثقافية مغربية والاهتمام بتاريخ منطقة الشمال والريف، كما تقترح المبادرة، قد يفتحان صفحة جديدة أكثر احترامًا للتاريخ وأكثر قدرة على مواجهة التوترات التي تستغلها التيارات الشعبوية، وفي طيات ذلك يحضر الهاجس الانتخابي ولو بشكل صامت، فذوو الأصول المهاجرة، خصوصًا القادمين من المغرب، يمثل خزانًا انتخابيًّا مُهمًّا بمقدوره ترجيح جميع اليسار الإسباني -في حال ما اختلت نتيجة توجه العديد من الناخبين نحو المرشحين اليمينيين.
الألــــم الـــذي لـــم ينــسَه شــــمــــال المــغـــــرب
في شمال المغرب، من طنجة إلى تطوان والعرائش وشفشاون وصولًا إلى الريف، تركت الحماية الإسبانية إرثًا ثقيلًا ما زالت آثاره العميقة حاضرة في الذاكرة الجماعية وفي البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، فعلى امتداد الفترة بين 1912 و1956، اعتمدت الإدارة الإسبانية نموذجًا استعماريًا قائمًا على الاستغلال العسكري والاقتصادي، مع إهمال واضح للتنمية الحقيقية وحرمان للسكان من أبسط شروط الارتقاء، مما حوّل الشمال إلى إحدى أكثر مناطق المغرب هشاشة، دون أن ننسى أنها انفردت بإدارة منطقة طنجة الدولية لـ5 سنوات كاملة إبان الحرب العالمية الثانية، ما بين 1940 و1945.
وقد نشأت هذه الوضعية منذ السنوات الأولى للحماية، حين اعتُمدت تطوان عاصمة إدارية للمنطقة، وتحولت إلى مركز سلطة عسكري أكثر منه فضاءً مدنيًا، في حين أُخضعت باقي المدن لترتيبات أمنية شديدة أدت إلى عسكرة الحياة اليومية، وكانت تطوان والعرائش وشفشاون، وبوادي «جبالة» أولى المناطق التي تحملت كلفة مباشرة لسياسات اقتصادية هدفها خدمة السوق الإسبانية قبل أي اعتبار آخر، فقد فُرضت أنظمة جمركية مجحفة، وأُجبرت الموانئ على توجيه أنشطتها لإمداد السوق الاستعمارية بالمنتجات الزراعية والصيد البحري والمواد الأولية.
هذا النموذج التجاري غير المتوازن أدَّى إلى تدمير عددٍ من الحرف والصناعات المحلية، خصوصًا في تطوان التي كانت قبل الحماية مركزًا تجاريًا مزدهرًا، وفي العرائش التي فقدت تدريجيًا دورها التاريخي كميناء حيوي للمنطقة، ومع غياب أي استثمار حقيقي في الزراعة أو البنية التحتية الإنتاجية، دخلت القرى المحيطة بهذه المدن في دوامة فقر مزمن، انعكس على الحياة اليومية واستمر حتى بعد الاستقلال.
إلى جانب ذلك، اختارت الإدارة الإسبانية أن تُبقي التعليم في حدوده الدنيا، فكان التجهيل سياسة ممنهجة، لم تُبنَ مدارس كافية، ولم يوضع نظام تربوي يتيح للسكان الولوج إلى التعليم الحديث، بخلاف ما فعلته فرنسا في باقي مناطق المغرب، هذا الإهمال دفع الشمال ثمنه غاليا، إذ خرج من الحماية بنسبة أمية مرتفعة وهيكلة اجتماعية هشة، ما جعل العقود اللاحقة للاستقلال فترة صعبة لإعادة بناء رأس مال بشري كان مفقودًا عمليًا.
أمّا في الريف، فقد وصلت آثار الاستعمار إلى مستوى أكثر قسوة بسبب الحرب التي اندلعت بين 1921 و1926، التي شهدت مواجهات دامية بين القوات الإسبانية والمقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، هذه الحرب خَلَّفت عشرات الآلاف من الضحايا بين المدنيين والعسكريين، ودمّرت القرى والمزارع، وتسببت في نزوح واسع للسكان.
الأسوأ من ذلك، أنَّ الجيش الإسباني لجأ إلى استخدام الغازات السامة، وعلى رأسها غاز الخردل، في قصف المناطق المأهولة، وهو أحد أشد الانتهاكات التي عرفتها المنطقة خلال القرن العشرين، هذه الهجمات الكيميائية كانت لها تأثيرات صحية واجتماعية طويلة الأمد ما زال سكان الريف يشيرون إليها حتى اليوم كجزء من الذاكرة المؤلمة التي لم تُعالج رسميا، وما زالت مطالب الاعتراف والاعتذار وتحمل المسؤولية الأخلاقية لتلك المجازر تلاحق الحكومات الإسبانية.
وفي شفشاون، التي كانت مدينة صغيرة محاصرة جغرافيا، أدَّى الوجود العسكري الإسباني إلى عزلة شبه تامة عن محيطها المغربي، فيما ظلت الخدمات الأساسية ضعيفة والبنية التحتية محدودة، لم تتجاوز المشاريع المنجزة سوى بعض المنشآت الإدارية ومقار الجيش، بينما بقيت الطرق والمرافق الأساسية متأخرة؛ مُقارنةً بباقي مناطق المغرب. وتكررت الوضعية نفسها في العرائش التي تحوَّلت إلى قاعدة عسكرية بحرية أكثر منها مدينة مدنية، مع تراجع واضح في الاستثمارات المدنية وحرمان السكان من الخِدْمات الصحية والتعليمية الملائمة.
عقب الاستقلال، وأمام خروج الإدارة الإسبانية بسرعة ودون انتقال منظم للسلطة أو للمرافق، وجدت مدن الشمال نفسها أمام فراغ اقتصادي وبنية تحتية ضعيفة، فقد كانت المنطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الجهاز الإداري والعسكري الإسباني، ومع رحيله انهار النشاط الاقتصادي، خصوصًا في تطوان والعرائش، هذا الوضع فاقم الهجرة الداخلية نحو الدار البيضاء وطنجة، ثم لاحقا الهجرة الخارجية نحو إسبانيا نفسها، في مفارقة تاريخية لافتة.
لقد تركت الحماية الإسبانية شمال المغرب في وضع هشّ، مثقلا بالفقر وضعف التعليم والهشاشة الصحية وندرة البنيات التحتية، وما بين الحرب الكيميائية في الريف وتهميش المدن الكبرى مثل تطوان والعرائش، وعسكرة الحياة في شفشاون، تشكّل إرث سلبي لا يمكن تجاوزه بسهولة، ولا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة في التفاوتات الجهوية وفي الذاكرة الجماعية التي تستحضر سنوات من الاستغلال والتدمير والإهمال، لتظل شاهدًا على مرحلة استعمارية تركت جروحا عميقة في تاريخ المنطقة.


