تواصل معنا

مقالات الرأي

لا إفراط ولا تفريط

يقول ابن حزم الأندلسي:

«الثَّلجُ إِذَا طَالَ حَبْسَهُ فِي الْيَدِّ فَعَل فِعلَ النَّارِ، وَالْغَمُّ إِذَا أَفْرَطَ قَتَلَ، والضِّحكُ إِذَا اشْتَدَّ أَسَالَ الدَّمعَ مِنَ الْعَيْنَينِ».

يحير المرء هَذِهِ الأيّام وهو يرى الاضطراب والقلق الَّذِي يصاحب فئاتٍ كبيرةً من الناس، قلق مما تخبئه الأقدار في مستقبل الأيّام، وقلق من الوضع الحالي، وقلق من غموضٍ وفراغٍ يجاهد الفرد من أجل تجاوزه، وقد ينتقل هَذَا الداء من فردٍ إلى فردٍ، ثُمَّ إلى مجموعاتٍ ليُكدّر صفاء النفوس ويميل بها عن جادة صوابها، والأصلح في مثل هَذِهِ الحالات هو الابتعاد عن مسببات هَذَا القلق والطرق المؤدية إليه وقطع الصلة مع خطاب التشاؤم وسط البيئة أو المحيط الَّذِي يشمل هَذِهِ الفئات.

خطاب اليأس الَّذِي انتشر بين الشباب اليوم، مردّه أسباب كثيرة ومتداخلة بدايتها الهدر الدراسي والتكوينيّ، وانتهاؤها عند مجتمع لا يلتفت لمشكلات الشباب إلا بعد حدوثها.

الحيرة والقلق الَّتِي تصاحب خطوات الشباب في كلِّ مرحلة من مراحل الحياة تبثّ في نفوسهم ونفوس مجايليهم أنّهم ضحية تهميش مقصود، وأنَّ دورة الحياة استبدلتهم بفئات تدعي الخبرة في كلّ مجال، مبررات بعضُها يأتي نتيجة للفراغ وبعضُها يبنى على أوهامٍ مُستوحاةٍ من فشل غالبية المؤسّسات في احتضان هَذِهِ الفئات، وبعضها الآخر يصدق حين الاطّلاع على وضع المجتمع، خاصّةً وسط فئات الشباب الحامل لخطاب متذمّر من الواقع، خطاب يجرّه جرًّا إلى سلوك نمط مغاير ترفضه القوانين والأعراف والعادات، وهي عوائق تُصعّب عملية التواصل عند هَذِهِ المجموعات، الَّتِي لا ترى الخير إلا في وسطها ومحيطها المشابه لها في البنية والسلوك.

هدر الطاقات الشابة لا يقع ضرره على هَذِهِ الفئة تحديدًا دونًا عن غيرها، بل على ملامح مجتمع بأكمله يقف حينًا وقفة المتفرج ويقف أحيانًا كثيرة وقفة العاجز عن إيجاد حلول تضمن السير العادي لهَذِهِ المجموعات، الَّتِي أعياها الانتظار وفكَّرت في بدائل يصدق بعضها ويفشل جُلّها.

ما ينتظره شباب اليوم هو إطراق السمع إليهم، والاهتمام بأفكارهم ومنجزاتهم وتشجيعهم ولو من باب النصح والتوجيه والإنقاذ من فوضى الأفكار والقرارات، الَّتِي تصاحبهم خلال هَذِهِ المرحلة من حياتهم، الإصلاح المنشود هو ما يجعل فئة الشباب في صلب المشاريع المطروحة.

ولكم هو مؤلم الاستماع إلى مطالب الشباب الَّتِي لا تخرج عن إيجاد مستقبل بمعالم واضحة والظفر بمنصب شغل يضمن لهم حريتهم المادية ويُغيّر من موقعهم داخل هَذَا المجتمع ولتعديل كفّة الميزان وجب رفع شعار «لا إفراط ولا تفريط»، لا إفراط في فئة الشباب ولا تفريط بأصحاب الخبرات.

تابعنا على الفيسبوك