ثقافة
على خطى خوان ميرو، الوزاني يهجُر فن التشخيص وينشُد تجسيد الأحلام

حضرتُ يومه الجمعة 17 دجنبر 2021 معرضَ الفنان التشكيلي المغربي التطواني “عبد الكريم الوزاني” الموسوم ب “طبيعتي (طبْعِي) Ma Nature” برواق “كنت Kent” بمدينة طنجة، وقد عرف المعرض وفودَ عدد مُعتبر من المهتمين بالشأن الفني والتشكيلي من كل ربوع المغرب، خصوصا زملاء الفنان في معهد الفنون الجميلة بتطوان وطلبته وأصدقائه في الساحة الفنية إضافة إلى الرواقيين وبعضٍ من الصحافة ومجمِّعي التحف وعموم الناس… بالنظر للتجربة التي راكمتها صاحبة الرواق السيدة “عزيزة العراقي” رفقة فريقها التقني، فقد كان معرضا ناجحا بكل المقاييس الفنية والتنظيمية وما يتبع ذلك من بروتوكولات الاستقبال والتفاوض ومناقشة الشأن الثقافي والفني التي تدور بين تجمعات ثلاثية أو رباعية أو أكثر داخل القاعة، وأحيانا نقاشات ذاتية ومواضيع شخصية لا تمتُّ للمعرض من قريب أو بعيد، في حين تنهال العروض على التقاط الصور واغتنام ظهور فنانين كبار لاقتناص لحظات وجودهم النادرة بالنسبة للبعض الآخر، دون التطرق لنوع آخر من الزوار لا يجمعهم بالفن إلا الخير ولا ناقة لهم فيه ولا جمل سوى التطفل والاستمتاع بما لذ وطاب في العرس الفني البهيج…
عبد الكريم الوزاني وتجربة الانتقال الفني
بعيدا عن أجواء المعرض الظاهرة للعيان، فما يهُمُّنا كمُختصين هو تقديم قراءة تقنية محضة بعيدة عن المجاملات والثناء المشروط أو غير المشروط، فقد اعتدْنا استدعاء الخبرة والمعرفة الفنية عوض استجداء المنِّ وابتغاء التقرب والجاه وحضور موائد النبيذ الزائفة… عبد الكريم الوزاني فنان من قامة الفنانين الكبار الذين أسسوا خلال أربعين سنة من العطاء لتجربة جمالية فريدة بشمال المغرب وقعّدوا للحداثة الفنية من منظور إستيتيقي esthétique متميز، بل وراموا تجديد التجربة التشكيلية المغربية في ظل ما بعد الحداثة وما تلاها من المفاهيم الجديدة التي دخلت على الفن واستأثرت به.
إن المتتبع لمسار عبد الكريم الوزاني -منذُ تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة بتطوان وهو ابن ال21 ربيعا إلى يومنا هذا، مرورا بتجربة قيادة المعهد المذكور خلفا للمرحوم محمد السرغيني عام 1998- يلاحظ أنه مسار متنوع ومُشبع بالتجارب والتلوينات الفنية المترحلة من الشكل نحو الحجم ومن المبسَّط نحو المعقّد ومن الورقي نحو القماشة والفضاء بكل أبعاده، لقد جرّب كل التقنيات والمواد والأسناد وتجوَّل فيها بين المائي والزيتي والنحت بكل المواد و”الكولاج” و”الإنشتلايشن” أو فن الإنشاء…، وغيرها من دروب الإلقاء ومسالكِ العرض الفني الحديث، ينتقل في ذلك بسذاجة راقية وبساطة خفية وبراءة حكيمة وعفوية بارعة، فمنحوتاته ترنو نحو اللعب وتذكرنا بالطفولة والمرح والبراءة الثاوية في وجدان الطفل المتعطش للعبة العيد. تستمد إنشاءاته قوتها من التوازن واكتساح الفضاء دون تشويهه، بل وتعمل على تشكيل الفضاء نفسه أحيانا حين يصر الوزاني بنفسه على اختيار المكان الأنسب لتنصيبها ويعمل بكل جدية على تنقية الأجواء واختيار المرفق المناسب لها… هي منحوتات من مواد مختلفة تتأرجح بين الجبس والبرونز مرورا بالأسلاك المعدنية والورق المقوى بعد التدوير لكنه يغلفها ويصبغها بألوان زاهية وفاقعة يطغى عليها الأزرق والأحمر والأصفر وأحيانا أخرى ألوانا جريئة كالوردي والأخضر اليانع ولا نجد الأسود والألوان الغامقة إلا لماما وللضرورة الفنية لا غير.
رغم فرادة تجربة الفنان وجِدّتها كحالة فنية شاردة في الوسط التشكيلي المغربي، إلا أنني أجد نفسي مضطرا لتقديم قراءة فيها نوع من “التشبيه” بين تجربة “عبد الكريم الوزاني” التشكيلية وتلك التي طبعت مسار الفنان الإسباني الراحل “خوان ميرو Joan Miro”، تشبيهٌ سبقني إليه الناقد “جلبير لاسكو Gilbert Lascault” حين أكد أن “الوزاني” مثل “خوان ميرو” ينحتُ “حروفا ملونة calligraphie colorée”، لكن المقارنة التي أقترحها على القارئ هي رؤية نقدية بقدْرِ ما ترتقي بأعمال “الوزاني” عن شُبهة النقل واستيراد تجربة “خوان ميرو”، بقدر ما هي كذلك بمثابة تشبيه فلسفي ومفاهيمي في استلهام الرجلين لمقاربة جديدة في التعامل مع القماشة والفضاء من جهة وفي بروزهما كحالة استثنائية مختلفة في زمنهما من جهة ثانية، ولديَّ في ذلك أسبابي المنهجية والتحليلية التي تضبط هذا الطرح وتساعد في إغناء النقاش حول المفارقات ونقط الالتقاء بين التجربتين، والأهم تطور مسار الرجلين بالطريقة نفسها سواء من حيث الأسلوب والفلسفة والتقنية والمفردات التشكيلية بل وحتى المواضيع أحيانا.
“خوان ميرو” و”عبد الكريم الوزاني”: أوجه التلاقي
“خوان ميرو” المتوفى عام 1983 هو فنان إسباني كتالاني من مواليد برشلونة عام 1893م، حيث درس الفنون الجميلة وهو في سن مبكرة لم تتجاوز 15 سنة وأقام معرضه الأول ببرشلونة وهو ابن العشرين ربيعا. تميز أسلوبه من بين فناني السريالية بنزوعه نحو التبسيط والاختزال simplification، فهجر الطرق التقليدية التي تُبنى بها اللوحة حسب المفاهيم الفنية الأكاديمية المتعارف عليها، مُتخليا عن خط الأفقligne d’horizon والمستويات البصرية التي ميزت أعمال الفنانين الكلاسيكيين، كما تخلى عن المساحات المبنية structures وتحولت اللوحة عنده إلى فضاء مُسطح des aplatsمما جعل عين الناظر إلى أعماله الفنية تنحرف من النقطة المركزية إلى الفضاء الكلي الذي ترتسم عليه التشكيلات الخيالية المبتعدة عن المناخات الواقعية، وبالتالي تصير رؤيته (الناظر) مُشتتة بين العناصر الأخرى العديدة التي تُؤثث فضاء العمل. نفس الأمر نجده عند الوزاني المزداد بتطوان سنة 1954 والذي ولج الحقل الفني الأكاديمي في نفس المرحلة من المراهقة وحصل على دبلوم مدرسة الفنون الجميلة وهو لم يتجاوز بعد 21 سنة وغادر نحو فرنسا وحصل بها سنة 1978 على دبلوم الفنون الجميلة من باريس، تماما كما فعل “خوان ميرو” في شبابه المبكر في عام 1919 حين قام برحلته الأولى إلى باريس
والتقى أعضاء “مجموعة دادا Dada Group”، الحركة الفنية والأدبية التي سعت إلى توسيع وكسر حواجز وحدود النمطية والتقليدية في الفن. تخلى “الوزاني” في لوحاته منذ البدايات الأولى عن العمق والمنظور، وانتشرَت موتيفاته Motifs في القماشة بطريقة “فوضوية chaotique” دون خيط ناظم يجمعها أو رابط عقلاني يُوحِّد شتاتها… يلتقي “الوزاني” و”ميرو” في اللون والشكل والفلسفة وطريقة المعالجة ونوعية التركيب ولا يُفرقهما سوى اختلاف “الموتيفات” والعناصر التي تشكل موضوع اللوحة -رغم أنهما يتشاركان في مواضيع مثل الطيور والحشرات والحيوانات المبسطة-، فنجد “خوان ميرو” متأثرا بالسريالية التي تربى في أحضانها -وقبلها بالانطباعية والوحشية والتكعيبية والمستقبلية- ، يناقش في أعماله، التي طبعت مساره الإبداعي بعد الحرب العالمية الثانية، مواضيعَ مقترنة بهواجسه الشخصية وأحلامه وكوابيسه وآماله، وتأثرت تركيبةُ اللوحة الفوضوية لديه بحالة الفوضى التي طبعت ذاكرته ببرشلونة إبان الحرب الأهلية الإسبانية ولم يستطع التخلص من تلك الحالة إلا في أعمال نادرة خصوصا عندما حاول معانقة الكون هروبا من حالة الحزن والهلع التي كانت مسيطرة عليه وأنجز سلسلة من أعمالٍ رسمَ فيها الكواكب والمجرات في بداية الأربعينات أو سلسلة الخرائط الفلكية في السبعينات حيث هام فيها بين الحلم والهلوسة من جهة وبين الأسطورة والقُدسية من جهة أخرى، لكن ما ميزه -رغم ذلك- تلك “الموتيفات” التي كان يستعملها كمُفردات دلالية واقعية مثل النجوم والمذنَّبات والحشرات والثعابين والطيور…، أو تلك التي كانت عبارة عن أشكال مجرَّدة أو رموز وعلامات تشبه الكتابة الهيروغليفية. تلك “الموتيفات” ،كما سبقت الإشارة، نجدها تسبح في فضاء قماشة “الوزاني” خصوصا الطيور والأسماك والحشرات كما نجدها أيضا في منحوتات ضخمة أو مصغرة (هياكل أسماك) أو أشكال حلزونية ودوائر وأحيانا فراشات وطيور عملاقة…
لا بد من الإشارة في الأخير أن ارتباط “خوان ميرو” بالشعر وتأثره بشعراء كاطالونيا الطلائعيين -ولاحقا بشعراء عالميين-كان له وقع مهم وأثر عميق في منجزاته التشكيلية. هو أمر نجده بقوة في أعمال عبد الكريم الوزاني الذي يصفه العديد من النقاد بشاعر الألوان، وبين الشاعرية والشعرية يرقد طفل بداخله يستمتع باللُّعَب التي تنتجها أنامله حيث يقول: “كل إنسان يحوي في أعماقه طفلا يتوق للفطرة ويحِن الى طبيعته الأولى ويسافر الى عالم عجائبي تختلف مقارباته”.
من التشخيص إلى معانقة الأحلام
بالنسبة للوزاني فالقماشة عبارة عن كونٍ صغير حيث تبحر الطيور وتطير الأسماك، حيث تدور العجلات وتتأرجح المراوح وتُرسَمُ الأرقام وتزحف الأفاعي ويدِبُّ الحلزون، هي خرافات وهلوسات وأضغاث أحلام يرويها لنا بالألوان والأحجام، وأساطيرُ ملحمية تُعبّر عن نصف الحقيقة التي يُخفيها، بينما النصف الآخر يبقى ضمنيا بين السطور يستحضر فيها فكر المتلقي وذكاءه لاكتشاف ما خفي من الرموز والدلالات. يبحث في منحوتاته عن التوازن متشبها ب”ألكساندر كالدر Alexander Calder”، لكنه يتجاوز التوازن كمفهوم ليعانق الفضاء ويصير جزءا منه متوخيا بذلك بلوغ الاكتمال والنضوج… تزيد ألوانه الزاهية من تألق إنشاءاته في الفضاء العام أو داخل المؤسسات الخاصة وتصبح مُحلقة وحدها في ذلك الفضاء وكأنها طائر طاووس يتجول في أرض خلاء…
لا نعرف الكثير عن أعمال الوزاني التشخيصية أو الواقعية أو حتى تجارب أخرى انطباعية أو تكعيبية أو سريالية، رغم أن الرجل مر حتما من تلك التجارب وخاض غمارها، ولم نعرفه -خصوصا الجيل الذي أنتمي إليه- إلا وهو يرتدي قبعة النحات الحالم الذي تزهر أنامله منحوتات مشبعة بألوان الطبيعة الخامة ولا تكدر صفوها رماديات لونية أو ألوان ممزوجة… أو جُبة الرسام الشغوف باللعب والمرح حيث ينزل بمستوى البساطة لحد التعقيد لبلوغ السهل الممتنع. فلسفة قلما نجد لها نظيرا ضمن التجارب التشكيلية المغربية أو العربية المعاصرة، إذ من الصعب أن يحاور فنان ما المتلقي من خلال القماشة أو النحت باستعمال أيقونات مبسطة ومختزلة وألوانَ خامة غير مبحوث في مزج مكوناتها، فقد يقول البعض إن هذا الفنان عاجز عن مقارعة الواقع وبلوغ النشوة الأكاديمية التي تشبع رغبة المتلقي وتستفرد بمكنوناته…، لكن ذلك بعيد كل البعد عن الحالة التي نحن بصددها، فعبد الكريم الوزاني فنان أكاديمي وخريج مؤسسة الفنون الجميلة ومتشبع بأساليب وتقنيات الرواد والحركات التشكيلية الحداثية وما بعد الحداثية، كما أن فنانين كبار نحُوا نحوه أمثال “بيكاسو” و”ميرو” و”شاگال” و”سوتين” وقبلهُم الانطباعيون والتكعيبيون ولو بدرجة أقل، والدادائيون ورواد الفن المفاهيمي لاحقا، وغيرهم كثير ممن ثاروا على القواعد الأكاديمية وتفردوا بأساليبَ تمتح من البساطة والسذاجة وتُغَلبُ المضمون والفكرة والرسالة على الشكل والمحتوى كما تضع في أولوياتها شخصية الفنان ونزعاته النفسية وفلسفته فوق أي اعتبارات أخرى وفضلوها على سطوة اللغة الأكاديمية الرتيبة.
إبراهيم مشطاط، فنان تشكيلي وناقد جمالي
