تواصل معنا

مجتمع

طنجة.. زيف الخطابات تفضحها الممارسات.. مؤتمرات وندوات لقاءات وتوصيات للنهوض بأوضاع الأطفال في حالة تشرد حبسية رفوف طالها النسيان

ركَّب سيَّارته الفاخرة، وشدَّ الرحال من طنجة نحو تطوان، بعدما أنهى تأطير ندوة تتحدَّث عن الطفولة وكيفية حمايتها، متأنقًا بلباس فاخر وعطر غالٍ، يقف بالقرب من ميناء طنجة المتوسط ينتظرُ أحد المسافرين ليقله في طريقه إلى تطوان، يقترب منه عددٌ من الأطفال ممَّن خذلتهم العدالة في المغرب يترجون بعض الدراهم لشراء طعام، فهم على لحم بطنهم لأزيد من أيّام.. فيغلق نافذة السيَّارة ويشعل سيجارته متمتمًا بكلمات قاسية «لقد عكر مزاجي هَؤُلَاءِ المتشردون» هي ليست قصة من وحي الخيال، بل واقع يعيشه كل من انبرى للدفاع عن حقوق الأطفال بالمغرب.

إنَّ الفجوة بين النظرية والممارسة لم تترك أيَّ مجالٍ في المغرب، إلا واقتحمته ما جعل المملكة تحظى برفوف مملوءة بالكتب والمقالات والمشاريع والتوصيات، لكن الواقع عكس كلّ تلك النظريات الَّتِي تهدف في جوهرها إلى الرقي بأوضاع المغاربة، لكنَّها تبقى حبيسة الرفوف يملأها الغبار، دون أن يتمَّ تنزيل ولو بند واحد منها، ومن بين هَذِهِ النظريات تلك المهتمّة بحماية الطفولة في المملكة، فلا طفولة تمّت حمايتها ولا توصيات تمَّ الالتزام بتطبيقها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن مدن الشمال تحكي واقعًا مريرًا لأطفال في عمر الزهور تحوّلوا إلى متشرّدين يقبعون في قاع الانحراف، دون أن يحرك ذلك ساكنًا في الجهات الموكول لها تنفيذ القانون، فيكفي للمرء أن يزور المدينة ليقف على مدى الفجوة والهوّة العميقة بين الخطاب والممارسة، آلاف الندوات تتحدَّث هم ملائمة القوانين لحماية حقوقهم ومطابقتها للمعايير الدولية لكل الأطفال، كيفما كانت وضعيتهم.

إلا أنَّ شيئًا لم يتغيّر لسنوات وسنوات، والطفولة في المغرب مغتصبة بداية من غياب العدالة في التعليم، وصولًا إلى هضم حقّهم في الصحّة والرعاية الاجتماعيَّة، في هَذَا المقال سنركز على الأطفال الراغبين في الهجرة السرية المتقاطرين على مدينة طنجة، قادمين من مدن الدار البيضاء، الرباط، القنيطرة، مراكش، أكادير وغيرها من المدن المغربية الأخرى، كانوا يُمنّون النفس بالصعود على متن قارب متّجه نحو الفردوس الأوروبيّ، لكنهم يصدمون بالواقع المرير الَّذِي يجعلهم متسكعين في الشوارع، يترجون المواطنين بعض الدراهم لشراء الخبز، ينتشرون بالقرب من ميناء طنجة المتوسط على شكل مجموعات يتعاطون المخدرات، لنسيان الواقع معظمهم يحمل معه قصة محزنة، تعرَّضوا للاغتصاب والضرب، الاعتقال والجنون، فماذا يمنع الجهات الوصية عن الالتزام بمضامين الدستور، وما الَّذِي يمنعهم من عدم الالتزام بالتوصيات، الَّتِي يرفعونها عند نهاية كلّ ندوة أو ملتقى جهوي يهم هَذِهِ الفئة؟ فرغم تحقيق المغرب خطواتٍ مهمّة على درب التقدَّم إلا أنه لا يزال يتأخر سنوات طوال في انتشال رجالات المستقبل من غياهب التشرد، ولعلّ كلَّ من يزور المغرب من السياح أوّل ما يصادفه هو وجود هَؤُلَاءِ الأطفال بالقرب من الميناء في حالة يُرثى لها، فما الرسالة الَّتِي يرغب المسؤولون في توجيهها للمجتمع الأوروبي؟ وهل هناك مَن يستفيد من مأساة هَؤُلَاءِ الأطفال لجلب دعم الجمعيات الحقوقية الدوليَّة؟ أم أن المافيات الَّتِي تنشط في مجال استغلال الأطفال في الدعارة الجنسية والتسوّل يقفون حائلًا دون تحقيق العدل والمساواة للبراعم؟ أسئلة كثيرة لم يتم الإجابة عنها. والمعطيات المتوفرة، تفيد بأنّه لن يتم الإجابة عنها قريبًا.. فمَن الضحية ومَن الجلاد؟ 

ميناء طنجة المتوسط يفرض نفسه يومًا بعد يوم كأفضل الموانئ العالمية في الاقتصاد لكن خارجه مشهد آخر يؤكد الرجوع سنوات للوراء في مجال حماية الطفولة.

تابعنا على الفيسبوك