مجتمع
طنجة… بريق مدينة عالمية يجاوره صمت المتشردين قبيل كأس إفريقيا
في طنجة، المدينة التي تتقاطع فيها الأزقة برائحة البحر، ويتردّد فيها صدى ثلاث قارات، يبدو المشهد الحضري كما لو أنه لوحة فسيفسائية لا تنتهي، فمنذ عقود، ارتبط اسم المدينة بالأساطير والشعراء والرحّالة، وصارت في المخيال العالمي مدينة للتسامح والتعايش، وبوابة طبيعية لأوروبا لا يفصلها عنها سوى 14 كيلومترًا من مياه مضيق جبل طارق.
طنجة فارس البوغاز، هي مدينة سياحية بامتياز، تحتضن تاريخًا متعدد الطبقات، وجغرافية ساحرة، ومشاريع حديثة عززت صورتها كواجهة متوسطية مشرقة، لكن خلف هذا البريق، ينبثق واقع موازٍ أقل صخبًا، واقع المشردين الذين يشاركون المدينة أيامها ولياليها من دون أن ينتبه إليهم أحد، واقع تتقاطع فيه الهشاشة الاجتماعية، والهجرة القروية، وتعقيدات التحولات الاقتصادية، ليرسم صورة لا تقل قسوة عن قبح الشارع حين يطفئ البحر ضوءه.
ومع اقتراب موعد استضافة المغرب لكأس إفريقيا للأمم، تعود قضية المُشرّدين في طنجة إلى الواجهة، وسط دعوات مدنية وحقوقية إلى التعامل معها برؤية أكثر عمقًا وإنسانية، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية ترتبط بالمناسبات الكبرى.
في صباح بارد عند مدخل «بلاصا طورو»، تتوزع مجموعات صغيرة من الرجال بين الأرصفة والحدائق المحاذية، البعض يتدثر بأغطية خفيفة أكلها الزمن، وآخرون يراقبون حركة المرور بنظرات معلقة، كما لو كانوا ينتظرون شيئًا ما… أي شيء، وفق تقديرات جمعيات محلية، يتراوح عدد المشردين في طنجة بين مئات إلى أكثر من ألف شخص، تختلف ظروفهم لكن يجمعهم العوز وانقطاع الروابط الأسرية.
في حديث مع «يوسف»، شاب يبلغ من العمر 27 عامًا، تبدو تجربة الضياع واضحة على ملامحه:
«كنت أشتغل في ورشة نجارة قبل أن أفقد عملي. جئت من نواحي العرائش بحثًا عن فرصة أفضل، لكن الأمور تعقدت، كنت أظن أن طنجة ستفتح لي أبوابها، لكنها فتحت لي الشارع فقط».
يوسف ليس حالة فريدة، الكثير من هؤلاء المشردين قدموا من مدن وقرى مختلفة، تدفعهم ظروف قاسية أو خلافات عائلية أو رغبة في العثور على فرصة عمل في مدينة، يُنظر إليها كبوابة للأمل. غير أن تضخم عدد الوافدين سنويًّا يفوق أحيانًا قدرة المدينة على امتصاص البطالة، فيسقط بعضهم في براثن التشرّد.
على مقربة منه، جلست «مي فطيمة»، سيدة خمسينيّة فقدت زوجها قبل سنوات، لتجد نفسها وحيدة وسط مدينة لم تعُد تتذكر من ملامحها سوى الضجيج. تقول بعينين متعبتين: «تعرفت على طنجة وأنا صغيرة. كنت آتي للعمل في البيوت… اليوم أنام في الشارع. لا مال عندي ولا قريب، والبرد أقوى من كل صبر».
في شارع الميناء، حيث يختلط عبق المقاهي بروائح البحر، يروي أصحاب المحلات حكايات يومية عن المشردين الذين يلجؤون إلى زوايا الأبنية للاحتماء من الرياح.
يقول «عبد الحميد»، صاحب محل تجاري: «لا يمكن إنكار أن الظاهرة مزعجة أحيانًا، خصوصًا مع الزبائن والسياح، لكن الحقيقة أن هؤلاء الناس ضحايا قبل أن يكونوا مشكلة. المدينة كبيرة، والمناسبات الكبرى مثل كأس إفريقيا يجب أن تكون سببًا لحلول طويلة الأمد».
في محيط مارينا طنجة، تبدأ الصورة في التبدل، المشروع السياحي الضخم الذي أعاد رسم الواجهة البحرية، جعل المدينة تبدو كعاصمة متوسّطية حديثة، لكنه لم ينجح بعد في إخفاء بعض الزوايا التي يتَّخذها المشردون ملجأ ليليًا. هنا، يختلط العالم الراقي لأفخم الفنادق واليخوت مع عالم موازٍ يعيش فيه بعض الهائمين في مساحة لا يملكها أحد.
يقول مصطفى، ناشط في جمعية تعنى بإدماج الأشخاص في وضعية الشارع:
«الحديث عن طنجة كمدينة عالمية جميل ويجعلنا فخورين، لكن المدينة العالمية لا تقاس فقط بالبنايات والمهرجانات، يجب أن نضمن كرامة الأضعف. المشكل ليس في وجود المشردين، بل في غياب سياسات واضحة لمعالجة جذور الظاهرة».
وتتطلب معالجة الموضوع مقاربة تشمل ثلاثة مستويات: الاجتماعي، الصحي، والنفسي. فالكثير منهم يحتاج إلى برامج إعادة الإدماج المهني، وإلى دور إيواء قادرة على الاستيعاب، وإلى دعم نفسي يساعدهم على تجاوز الصدمات القديمة التي حملوها معهم من مدنهم وقراهم.
غير أن الجمعيات تُؤكّد أن تدخلاتها تبقى محدودة، خصوصًا بسبب ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى فئة تتحرك باستمرار.
توضح «مريمة»، عضو في جمعية محلية:
«من بين 20 شخصًا نحاول مساعدتهم، قد يقبل 5 فقط. البعض يخاف من الالتزام، البعض يعاني اضطرابات نفسية، وآخرون فقدوا الثقة في أي مؤسسة… لكن هذا لا يعفي الجهات الوصية من وضع استراتيجية فعالة».
ويُشكّل فصل الشتاء امتحانًا حقيقيًا لقوة الشارع، حيث تزداد حالات الأمراض التنفسية والإصابات، وتتعقد ظروف العيش. وقد شهدت السنوات الماضية تسجيل حالات وفيات نتيجة البرد القارس، ما دفع السلطات في بعض الفترات إلى القيام بحملات ظرفية لإيواء المشردين خلال موجات البرد القوية.
غير أنَّ هذه الحلول تبقى قصيرة الأمد. فمع انتهاء كل موجة باردة، يعود معظمهم مجددًا إلى الأرصفة ذاتها.
تتعمَّق الظاهرة أيضًا في الأحياء الشعبية مثل بئر الشفا وحومة الشوك والسواني، حيث يختلط المشردون بمهاجرين سريين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ليشكلوا مشهدًا اجتماعيًّا مُعقّدًا يصعب فصله إلى فئات واضحة. هنا يصبح الشارع فضاءً بديلًا، ولكنه أيضًا مكانًا يغيب فيه الأمان.
في جولة مسائية قرب سوق الداخل، يظهر أطفال صغار، بعضهم لم يتجاوز الثانية عشرة، يمضون الليل متنقلين بين الممرات. يقول أحدهم، الملقب بـ«سيمو»:
«أبيع المناديل وبعض الأشياء الصغيرة. أحيانًا أنام في السوق، وأحيانًا في محطة الحافلات. المهم أن أجد مكانًا لا يطردني فيه أحد». هؤلاء الأطفال يشكلون الفئة الأكثر هشاشة، لأنهم عرضة للاستغلال والعنف والإدمان.
وتشير تقارير غير رسمية، إلى أنَّ عددًا منهم يُستعمل في شبكات بيع المخدرات بالتقسيط، نظرًا لحاجتهم القاسية للمال وانعدام المراقبة الأسرية.
على مستوى السلطات المحلية، تُبذل جهود دورية لإيواء المشردين ونقل بعضهم إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية. غير أنَّ اتِّساع الظاهرة يجعل النتائج غير ملموسة بالشكل الكافي.
مصدر من إحدى المصالح الاجتماعية “فضَّل عدم ذكر اسمه” يقول: «نقوم بمحاولات مستمرة، لكن بعض الأشخاص يرفضون المساعدة أو يغادرون مراكز الإيواء بعد أيام فقط. المشكل مركّب، ولا يمكن حله بحملات قصيرة، بل يحتاج إلى مشروع شامل مندمج».
ومع اقتراب كأس إفريقيا للأمم، تزداد الأسئلة: كيف ستظهر المدينة أمام الوفود والجماهير القادمة من مختلف الدول؟ وهل ستتبنى الجهات المسؤولة مقاربة إنسانية حقيقية بدل حلول تجميلية مؤقتة؟
يرى بعض سكان طنجة، أن الاستحقاق الرياضي فرصة لإعداد برامج اجتماعية جادة،
يقول «رشيد»، موظف بإحدى الشركات:
«كأس إفريقيا فرصة ذهبية، العالم سيشاهد طنجة. ولكن الأهم هو أن تكون صورتنا جميلة في الداخل أيضًا، لا فقط أمام الكاميرات».
أما «زينب»، طالبة جامعية، فترى أن القضية تحتاج إلى شجاعة سياسية:
«التشرد ليس قدرًا. هو نتيجة سياسات سابقة. طنجة يجب أن توفر مراكز جديدة للإيواء، وبرامج تدريب وتأهيل، ودعمًا صحيًا ونفسيًا. المدينة التي تستقبل العالم يجب أن تستقبل أبناءها أولًا». ومع كل ذلك، تبقى المعالجة مرهونة بقرار سياسي يعترف بأن المدينة، مهما كانت جميلة، لا تكتمل صورتها إلا حين تستوعب أضعف ساكنيها.
في نهاية الجولة، وبينما كانت الشمس تغيب خلف خليج طنجة، بدا المشهد أكثر عمقًا: مدينة تلمع من بعيد… لكنها حين تقترب، تظهر طبقاتها المتراكبة، وتسمع نبض إنسان هامشي يعيش على حافة الضوء.
إن طنجة، بكل تاريخها ورمزيتها، لا تستحق فقط أن تبدو جميلة أمام الزوّار، بل أن تكون عادلة أيضًا تجاه أولئك الذين ينامون عند عتباتها الباردة. ففي النهاية، لا يقاس تقدم المدن بما تبنيه من أبراج، بل بما تبنيه من كرامة.


