تواصل معنا

إقتصاد

طنجاوة العالم”.. بين الحنين لعاصمة البوغاز وغياب رؤية للاستيعاب

تُعدُّ‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المدن‭ ‬المغربيَّة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العقود‭ ‬موجات‭ ‬هجرة‭ ‬واسعة‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬ما‭ ‬أفرز‭ ‬جاليَّة‭ ‬كبيرة‭ ‬تُعرف‭ ‬محليًا‭ ‬بـ‭”‬طنجاوة‭ ‬العالم‭”. ‬هؤلاء‭ ‬المغتربون،‭ ‬رغم‭ ‬استقرارهم‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المهجر،‭ ‬يظلون‭ ‬على‭ ‬ارتباط‭ ‬وثيق‭ ‬بمدينتهم‭ ‬الأم،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زياراتهم‭ ‬المنتظمة‭ ‬أو‭ ‬مساهماتهم‭ ‬الاقتصاديَّة‭ ‬والاجتماعيَّة‭.‬

ومع‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬أفراد‭ ‬هذه‭ ‬الجاليَّة،‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤل‭ ‬محوري‭: ‬هل‭ ‬تمتلك‭ ‬طنجة‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الفئة،‭ ‬سواء‭ ‬خلال‭ ‬زياراتهم‭ ‬الموسميَّة‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬اتِّخاذهم‭ ‬قرار‭ ‬العودة‭ ‬النهائيَّة‭ ‬للاستقرار‭ ‬في‭ ‬الوطن؟

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الخطابات‭ ‬الرسميَّة‭ ‬التي‭ ‬تشيد‭ ‬بدور‭ “‬طنجاوة‭ ‬العالم‭” ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬تنميَّة‭ ‬المدينة،‭ ‬فإن‭ ‬السياسات‭ ‬الموجهة‭ ‬إليهم‭ ‬تبقى‭ ‬محدودة،‭ ‬وتفتقر‭ ‬إلى‭ ‬رؤى‭ ‬استراتيجيَّة‭ ‬متكاملة‭. ‬وتقتصر‭ ‬معظم‭ ‬المبادرات‭ ‬الموجهة‭ ‬لهذه‭ ‬الجاليَّة‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬موسميَّة‭ ‬تُنظَّم‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬لتسهيل‭ ‬عودتهم‭ ‬المؤقتة،‭ ‬لكنها‭ ‬تظل‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬إداري‭ ‬بحت،‭ ‬وتُركّز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬تسهيلات‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬والخروج‭ ‬عبر‭ ‬الموانئ‭ ‬والمطارات‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البنيَّة‭ ‬التحتيَّة‭ ‬المُخصّصة‭ ‬لاستقبال‭ ‬هذه‭ ‬الفئة،‭ ‬فيبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬المدينة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬مرافق‭ ‬فعّالة‭ ‬تُلبي‭ ‬احتياجاتهم،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬مراكز‭ ‬خدميَّة‭ ‬خاصة‭ ‬بـ‭”‬طنجاوة‭ ‬العالم‭” -‬توفر‭ ‬خدمات‭ ‬إداريَّة‭ ‬وبنكيَّة‭ ‬موجهة‭ ‬خصيصى‭ ‬لهم‭- ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬يعانون‭ ‬عراقيل‭ ‬بيروقراطيَّة‭ ‬تُعيق‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬أو‭ ‬إطلاق‭ ‬مشروعات‭ ‬اقتصاديَّة‭ ‬في‭ ‬مدينتهم‭ ‬الأم‭. ‬فالعديد‭ ‬منهم‭ ‬يشتكون‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الدعم‭ ‬الحقيقي‭ ‬والتوجيه‭ ‬الملائم،‭ ‬ما‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بدور‭ ‬الزائر‭ ‬أو‭ ‬المستهلك‭ ‬الموسمي،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬فاعلين‭ ‬اقتصاديين‭ ‬دائمين‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصاديَّة،‭ ‬تعاني‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ “‬طنجاوة‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الذين‭ ‬ولدوا‭ ‬ونشأوا‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬الاندماج‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭.‬

غياب‭ ‬أنشطة‭ ‬ثقافيَّة‭ ‬أو‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬موجهة‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬يجعلهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بالغربة‭ ‬داخل‭ ‬مدينتهم‭ ‬الأصليَّة،‭ ‬ما‭ ‬يُؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬ارتباطهم‭ ‬بالمدينة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭. ‬هذا‭ ‬التحدّي‭ ‬الثقافي‭ ‬يبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬فعاليات‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬تقويَّة‭ ‬الروابط‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬موطنهم‭ ‬الأصلي،‭ ‬وتعزز‭ ‬شعورهم‭ ‬بالانتماء‭.‬

وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬برزت‭ ‬بعض‭ ‬المبادرات‭ ‬الإيجابيَّة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ “‬طنجاوة‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬فقد‭ ‬أطلقت‭ ‬بعض‭ ‬الجمعيات‭ ‬المحليَّة‭ ‬لقاءات‭ ‬وورشات‭ ‬تشاوريَّة‭ ‬بشأن‭ ‬قضايا‭ ‬المدينة،‭ ‬ونُظّمت‭ ‬مشاريع‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التعليم،‭ ‬الثقافة،‭ ‬والتنميَّة‭ ‬المستدامة،‭ ‬كما‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاقتصاديَّة‭ ‬تدرك‭ ‬أهميَّة‭ ‬هذه‭ ‬الجاليَّة،‭ ‬وتحاول‭ ‬استقطاب‭ ‬كفاءاتها‭ ‬وخبراتها،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬محدود‭.‬

إن‭ ‬بناء‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬لاستيعاب‭ “‬طنجاوة‭ ‬العالم‭” ‬يتطلَّب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مبادرة‭ ‬موسميَّة‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتمَّ‭ ‬إقرار‭ ‬خطة‭ ‬استراتيجيَّة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬تُشرك‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬المحلي،‭ ‬وتوفر‭ ‬لهم‭ ‬فضاءات‭ ‬استقبال‭ ‬ملائمة‭ ‬وخدمات‭ ‬إداريَّة‭ ‬ميسّرة‭.‬

كما‭ ‬يُعدُّ‭ ‬تعزيز‭ ‬قنوات‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬المهاجرين‭ ‬والمدينة‭ ‬خطوةً‭ ‬أساسيَّةً؛‭ ‬لضمان‭ ‬استمراريَّة‭ ‬العلاقة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفعاليات‭ ‬الثقافيَّة‭ ‬أو‭ ‬المنصات‭ ‬الرقميَّة‭ ‬التي‭ ‬تجمعهم‭ ‬بقضايا‭ ‬المدينة‭.‬

إن‭ “‬طنجاوة‭ ‬العالم‭” ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬زوّار‭ ‬مؤقتين‭ ‬أو‭ ‬مستثمرين‭ ‬محتملين،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬جزءٌ‭ ‬لا‭ ‬يتجزّأ‭ ‬من‭ ‬هويَّة‭ ‬طنجة‭ ‬وتاريخها‭ ‬ومستقبلها،‭ ‬وإذا‭ ‬أرادت‭ ‬المدينة‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ ‬كوجهة‭ ‬عالميَّة،‭ ‬فعليها‭ ‬أن‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجاليَّة‭ ‬كرافعة‭ ‬للتنميَّة،‭ ‬وبناء‭ ‬شراكة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬تعكس‭ ‬طموحات‭ ‬سكانها‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬وخارجه‭.‬

تابعنا على الفيسبوك