تواصل معنا

القانون والناس

طلب السراح المؤقت وواقع الحال.. أي قانون مؤطر‎؟‎

في خضم ما يشهده واقع المجتمع المغربيّ من تطوّر في المجال القانونيّ، وتجسيده على أرض الواقع ولتثبيت الأمن، يتمُّ اعتقال الشخص الَّذِي قام بفعل جرميّ أو حاول إلى أن يتمَّ البتُّ في أمره سواء بالسراح أو بالاعتقال الاحتياطي. 

إن كانَ الاعتقالُ الاحتياطيُّ يمسُّ بالحُريّة الفردية ويتعارض مع مبدأ البراءة، فإنَّ طلبات السراح المؤقت يبقى رهينًا بقناعة النيابة العامّة أو قاضي التحقيق أو قاضي الجلسة، بيد أنَّ استحقاق المتهم للإفراج عنه، هو أمر في أغلب الأحيان ترفضه المحاكم، لماذا لا يُمنح السراح المؤقت رغمًا عن وجود دواعيه، خصوصًا في ملفات حوادث السير، رغم أنَّ مقتضيات المادّة الأولى من قانون المسطرة الجنائية تنص على ما يلي: «كل مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته قانونًا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضى به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، ويفسر الشك لفائدة المتهم». فهل السراح المؤقت مقابل الإجراءات المسطرية في قانون المسطرة الجنائية مجرد إجراءات مسطرة بين دفات القانون أم أنّه يتم تفعيلُها واقعًا؟

إن كان المُشرّعُ المغربيُّ أعطى للمواطنين المغاربة حقوقًا لم يكن منصوصًا عليها سابقًا؛ فإنَّ دستور 2011 نصَّ على حقّ قرينة البراءة وحقّ المحاكمة العادلة، كما أنَّ المسطرةَ الجنائيّةَ أشارت في المادة (178) ق.م.ج، في فقرتها الرابعة أعطت إمكانية للنيابة العامة أن تلتمس في كلَّ وقتٍ وحين الإفراج المؤقت، فهل تعمل النيابة العامة على تفعيل هَذَا المقتضى؟ على حسب الحيثيات أم أنّه يبقى ذلك رهينًا بشروطٍ خاصةٍ؟!

إنَّ الاعتقالَ الاحتياطيَّ يمسُّ بالحُرّية الفردية، وبالتالي يتعارض مع مبدأ البراءة، على اعتبار أنّه يستمرُّ في حرمان المتهم من حريته قبل إصدار الحكم النهائي في حقّه، فهو بمنزلة عقوبة عن مجرد اتّهام قد ينتهي بالبراءة، وأنَّ إطلاق سراح المتهم هو مؤقت.

فإذا كان القصد من الاعتقال ردع وتهذيب المنحرفين، فإنّه يمكن أن ينقلب إلى نتائج سلبية وسيئة على عقلية وصحة السجين. خصوصًا الَّذِي يكون لأوّل مرّة ولج باب السجن. 

فكم من حالات، أمكن فيها اجتناب، حتّى الحراسة النظرية، سيّما إذا كان الشخص المتهم أو المشبوه في أسره يتمتّع بجميع الضمانات للحضور، ولا يخشى اختفاؤه، وكانت ظروف البحث وذيول القضية، لا تستدعي بتاتًا الاحتفاظ به، وذلك على اعتبار أنَّ إبقاءه رهن الاعتقال ولو ليلة واحدة يُسيء إلى حالته وحالة عائلته. الأمر الَّذِي يجب معه العمل على تفعيل مبدأ البراءة هي الأصل. إن كانت الصلاحيات المخولة للنيابة العامة بمقتضى القانون، تكمن في حرص المُشرّع على أن يكون الإقدام على الاعتقال الاحتياطي تدبيرًا حكيمًا يحفظ التوازن الاقتصاديّ والاجتماعيّ للمجتمع والمتهم الَّذِي هو جزءٌ من المجتمع.

فإنه يعتمد مبدأ الأصل هو الإدانة، وبالتالي يكون الاعتقالُ الاحتياطيُّ هو الوسيلة العادية والفعَّالة للوصول إلى الغايات التالية:

  • منع المجرم من الفرار من يد العدالة.
  • منعه من إتلاف وسائل إثبات مسؤوليته.
  • وضعه في حالة يتعذر معها عليه العود إلى الجريمة.

غير أنَّ هَذِهِ الوسيلة السهلة، هي ذات خطورة استئنافية؛ لأنَّها لا تخرج عن كونها سلبًا للحُرّية الفردية قبل إصدار أيّ حكم، وإنَّما أشير بنوعٍ خاصٍّ إلى أنَّ الاعتقالَ الاحتياطيَّ هو دائمًا أمرٌ اختياريٌّ.

ويتعيّن البحث عما إذا كان للظنّين موطنٌ معروفٌ، وإذا كان يمارس مهنة ما بكيفية منتظمة، وإذا كان ربّ عائلة وإذا كان مجرمًا للمرّة الأولى، وبصفة عامة تبحث جميع المعلومات الَّتِي يمكن جمعها في أثناء التحقيق أو بواسطة بحث لهَذِهِ الغاية.

الإفراج المشروط بأحد التدابير المنصوص عليها في المادة (161) ق.م.ج، إذا كان عمل النيابة العامة ابتدائيًا واستئنافيًا يتّصف بضيق الوقت لفحص المستندات والوثائق، ومن ثمّة إحالة المتهمين في حالة اعتقال، فإنّ عمل قضاء الموضوع غير ذلك.

إنَّ المُشرّع سمح لقضاة الموضوع أن يمنحوا الإفراج المؤقت مقابل واحد أو أكثر من التدابير المنصوص عليها في المادة (161) ق.م.ج، كما أعطى إمكانية في المادة (182) من القانون نفسه للسلطة، الَّتِي أمرت بالتدابير السالفة الذكر، أيا كانت أن تعدلها أو تراجعها في كل وقت تلقائيًا أو بطلب من النيابة العامة أو من الطرف الَّذِي يعنيه الأمر.

إنَّ الوضع تحت المراقبة القضائية له نفس الدور والوظيفة للاعتقال الاحتياطي، ويهدف إلى النتيجة نفسها ويضعها المُشرّع في الإطار نفسه.

بل إنَّ مشروع مسودة قانون المسطرة الجنائية الحالي يُؤكّد في المادة (160) على ما يلي: «يعتبر الوضع تحت المراقبة القضائية بديلا عن الاعتقال الاحتياطي».

المادة (175) ق.م.ج، من المشروع المتعلق بالمسطرة الجنائية، نصّت على أنَّ الاعتقالَ الاحتياطيَّ تدبيرٌ استئنافيٌّ لا يلجأ إليه في الجنايات أو الجنح المعاقب عليهما بعقوبة سالبة بالحرية، إلا إذا تعذّر تطبيق تدبير آخر بديل عنه، وفي جميع الأحوال، فإنّ الاعتقالَ الاحتياطيَّ يجب أن يكون معللًا بمقتضى قرار يُبيّن فيه القاضي الأسباب المُبرّرة للاعتقال، ودواعي تعذر تطبيق بدائل الاعتقال الاحتياطي.

على القضاء الجالس في المادة الجزائية أن يأخذ العبرة من تصوّر المشرع إلى ما يصبو إليه حين يسطر مشروع مدونة جديدة لقانون المسطرة الجنائية، ذلك أن الهدف الَّذِي يصبو إليه المُشرّع إنسانيّ أوّلًا وأخيرًا.

يلاحظ الجميع، أنَّ رفض السراح المؤقت لبعض الأظناء الَّذِينَ يعتبرون وعن حقّ أن طلباتهم جدية وتتوفر فيها كلّ المعطيات القانونية والضمانات، يكون التعليل فيه منعدمًا بالمرّة، وهَذِهِ الحيثية لا تكون وسيلة للطعن.

هل الأمر يتعلّق بالخوف من المجهول أمام حالة منح السراح؟ أم أنَّ في الأمر تأويلًا خاطئًا عن قصد تفاديًا للقيل والقال.

لنا قضاة في مستوى المسؤولية وهم قلّة، والنادر لا حكم له، وفي بعض الأحيان، يمنحون السراح المؤقت دون طلب أيّ طرف، بل قد يعمدون إلى مطالبة أحد أعضاء الدفاع، ولو أنّه لا ينوب، من أجل التقدم بهَذَا الطلب، خاصّةً إذا علمت الهيئة القضائية، أنَّ المتهم الَّذِي أمامها قد أمضى سنتين أو ثلاث سنوات أمام غرفة الجنايات، دون إصدار أيّ قرار في الموضوع، وأنَّ القرار سيكون السجن لمدة 3 سنوات أو أقل، أملي أن يلقى هَذَا المقال آذانًا مصغيةً من أجل تطبيق المسطرة الجنائية لا أقل ولا أكثر.

علينا جميعًا أن نتخلى عن فكرة أسهل الطرق هي رفض الطلب، بل إنَّ الدفاع تكون دائمًا طلباته وهو واقف، معلّلة وتضمُّ قراراتٍ اجتهاديّةً، ووثائقَ تجعل من المستحيل أن يرفض طلبه، في حين يقتصر عمل النيابة العامة على ملتمس فريدٍ قصير «رفض الطلب» ليصدر قرارٌ قصيرٌ أيضًا رفضت الطلب. فهل انتهى دور الدفاع، وهل انتهى مبدأ السراح ضدًا على ما سطَّره المُشرّع في قانون المسطرة الجنائية؟

تابعنا على الفيسبوك