تواصل معنا

مجتمع

شوارع طنجة تحت رحمة “نشالين” يتربصون بالحقائب.. والظاهرة تهدد “سمعة المدينة” عالميا

لم‭ ‬تعد‭ ‬عبارات‭ ‬الإشادة‭ ‬بجمالية‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬وتطور‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬كافية‭ ‬لحجب‭ ‬الرؤية‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬باتت‭ ‬تؤرق‭ ‬الساكنة‭ ‬والزوّار‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬فخلف‭ ‬الواجهات‭ ‬اللامعة‭ ‬للكورنيش‭ ‬والساحات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬صرفت‭ ‬عليها‭ ‬الملايير،‭ ‬يبرز‭ ‬وجه‭ ‬شاحب‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬ظاهرة‭ ‬نشل‭ ‬الهواتف‭ ‬المحمولة‭ ‬وحقائب‭ ‬النساء،‭ ‬وهي‭ ‬الأفعال‭ ‬الإجرامية‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نقطة‭ ‬سوداء‮»‬‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬المدينة‭ ‬السياحي،‭ ‬وسط‭ ‬تعالي‭ ‬الأصوات‭ ‬المنادية‭ ‬بضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحلول‭ ‬الترقيعية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمنية‭ ‬جذرية‭ ‬تعيد‭ ‬الطمأنينة‭ ‬للشوارع‭.‬

إن‭ ‬طنجة‭ ‬تشهد‭ ‬اليوم‭ ‬طفرة‭ ‬تنموية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬حيث‭ ‬تحوَّلت‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬إلى‭ ‬حظيرة‭ ‬كبرى‭ ‬للمشاريع‭ ‬المهيكلة،‭ ‬من‭ ‬طرقات‭ ‬سيارة‭ ‬ومنتجعات‭ ‬ومرافق‭ ‬عالمية،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الترميم‮»‬‭ ‬الخارجي‭ ‬يفتقد‭ ‬للركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬أي‭ ‬قطاع‭ ‬سياحي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬الأمن‭.‬

فقد‭ ‬اشتكى‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والسياح‭ ‬من‭ ‬‮«‬غزوات‮»‬‭ ‬مباغتة‭ ‬ينفذها‭ ‬لصوص‭ ‬يمتطون‭ ‬غالبًا‭ ‬دراجات‭ ‬نارية‭ ‬صينية‭ ‬الصنع،‭ ‬أو‭ ‬يترصدون‭ ‬ضحاياهم‭ ‬في‭ ‬الأزقة‭ ‬الضيّقة‭ ‬بالمدينة‭ ‬القديمة‭ ‬ومحيط‭ ‬الفنادق‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬جرأتهم‭ ‬تكتفي‭ ‬بالأماكن‭ ‬المنعزلة،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬في‭ ‬عز‭ ‬النهار‭ ‬وبأماكن‭ ‬تشهد‭ ‬حركة‭ ‬دؤوبة،‭ ‬مما‭ ‬يضرب‭ ‬صورة‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬ويحول‭ ‬نزهة‭ ‬السائح‭ ‬إلى‭ ‬كابوس‭ ‬حقيقي‭.‬

وتُؤكّد‭ ‬مصادر‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬بالمدينة،‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬يُسهم‭ ‬إسهامًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬في‭ ‬‮«‬تطفيش‮»‬‭ ‬السياح‭ ‬الأجانب‭ ‬والمغاربة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬فالسرقة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للسائح‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فقدان‭ ‬لهاتف‭ ‬أو‭ ‬حقيبة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬صدمة‭ ‬نفسية‭ ‬تنهي‭ ‬عطلته‭ ‬قبل‭ ‬أوانها،‭ ‬وتنقل‭ ‬صورة‭ ‬سلبية‭ ‬عن‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومواقع‭ ‬تقييم‭ ‬الوجهات‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬أن‭ ‬نبيع‭ ‬الوهم‭ ‬للزوار‭ ‬عبر‭ ‬التسويق‭ ‬لمشاريع‭ ‬التهيئة‭ ‬الحضرية‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬المحتوى‭ ‬الأمني‭ ‬هشًّا،‭ ‬فالسائح‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬مطارد‭ ‬أو‭ ‬مهدد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬بخطف‭ ‬ممتلكاته‭ ‬سيفقد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الوجهة‭ ‬برمتها،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬كل‭ ‬المجهودات‭ ‬المبذولة‭ ‬للترويج‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬وجهة‭ ‬طنجة‮»‬‭ ‬تذهب‭ ‬سدى‭ ‬أمام‭ ‬ضربات‭ ‬‮«‬النشالين‮»‬‭.‬

وما‭ ‬يثير‭ ‬غضب‭ ‬الشارع‭ ‬الطنجاوي‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أسلوب‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬كثيرون‭ ‬أنَّ‭ ‬الحملات‭ ‬الأمنية‭ ‬الموسمية‭ ‬التي‭ ‬تلي‭ ‬وقوع‭ ‬حوادث‭ ‬صادمة‭ ‬تظل‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مسكنات‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬أصل‭ ‬الداء،‭ ‬فبمجرد‭ ‬هدوء‭ ‬العاصفة‭ ‬يعود‭ ‬هؤلاء‭ ‬الجناة‭ ‬لممارسة‭ ‬نشاطهم‭ ‬المعتاد،‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة‭ ‬ضرورة‭ ‬تفعيل‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬اليقظة‭ ‬عبر‭ ‬حلول‭ ‬بنيوية،‭ ‬تبدأ‭ ‬بتغطية‭ ‬جميع‭ ‬النقط‭ ‬السوداء‭ ‬والمحاور‭ ‬السياحية‭ ‬بكاميرات‭ ‬مراقبة‭ ‬متطورة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بغرف‭ ‬عمليات‭ ‬مركزية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضور‭ ‬الدوريات‭ ‬بالزي‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المزدحمة‭ ‬لضبط‭ ‬الجناة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تلبس،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تجفيف‭ ‬منابع‭ ‬تصريف‭ ‬المسروقات؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬محلات‭ ‬بيع‭ ‬الهواتف‭ ‬المستعملة،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتران‭ ‬ذلك‭ ‬بردع‭ ‬قضائي‭ ‬حازم‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬عودة‭ ‬المعتدين‭ ‬للشارع‭ ‬بعد‭ ‬فترات‭ ‬قصيرة‭.‬

إن‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬والمصالح‭ ‬الأمنية‭ ‬بطنجة‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍ‭ ‬حقيقي‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التأجيل،‭ ‬فالرهان‭ ‬يتجاوز‭ ‬حماية‭ ‬ممتلكات‭ ‬الأفراد‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬‮«‬سمعة‭ ‬وطن‮»‬‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬وطنجة‭ ‬التي‭ ‬تستعد‭ ‬لاحتضان‭ ‬تظاهرات‭ ‬دولية‭ ‬كبرى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬شوارعها‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬مراهقين‭ ‬ومجرمين‭ ‬يقتنصون‭ ‬الفرص‭ ‬لتشويه‭ ‬وجه‭ ‬المدينة‭ ‬الجميل‭.‬

إن‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مخطط‭ ‬أمني‭ ‬مندمج‮»‬‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬اليقظة‭ ‬الميدانية‭ ‬والسرعة‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الشكايات،‭ ‬فالأمن‭ ‬هو‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للسيادة‭ ‬السياحية،‭ ‬ودونه‭ ‬يظل‭ ‬كل‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬مجرد‭ ‬بناء‭ ‬فوق‭ ‬الرمال‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬غياب‭ ‬الطمأنينة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك