آخر الأخبار
بعد إعلان إقليم العرائش منطقة منكوبة بسبب الفيضانات.. أين مشروع الطريق السيار المائي الذي وصلت نسبة إنجازه قبل سنة إلى 96%؟
الربط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة كلف أكثر من 800 مليون درهم لكنه غاب عندما احتاجت له مدينة القصر الكبير
يوم 12 فبراير 2026، أعلن بلاغ لرئاسة الحكومة، بناء على توجيهات من الملك محمد السادس، إقليم العرائش «منطقة منكوبة» إلى جانب ثلاث أقاليم أخرى هي القنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وذلك بعد الفيضانات الأخيرة التي كانت مدن وقرى جهة طنجة – تطوان – الحسيمة الأكثر تضررًا منها، بعد تساقطات مطرية قياسية أغرقت مدينة كاملة اسمها القصر الكبير.
وعاشت المدينة الواقعة أسفل حوض اللوكوس والتابعة ترابيًا لإقليم العرائش، على إيقاع مفارقة مائية حادة، فبينما ظلَّت تعاني شأنها شأن باقي مناطق المغرب من إجهاد مائي هيكلي وتراجع مقلق في نصيب الفرد من الموارد المائية، جراء توالي سنوات الجفاف، تحوَّلت فترات التساقطات المطرية القوية التي شهدتها المنطقة مؤخرا إلى مصدرَ تهديد مباشر للسكان والبنيات التحتية.
ووجدت السلطات المغربية نفسها أمام حالة استنفار قصوى، تطلبت استدعاء عناصر القوات المسلحة الملكية للانضمام إلى عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والقوات المساعدة وأعوان السلطة المحلية، لإفراغ مدينة تعداد ساكنتها نحو 125 ألف نسمة، بالكامل، من أجل تفادي «طوفان» سد وادي المخازن، الذي بلغت سعته 150%.
وغاب حل الطريق السيار المائي عن هذه الكارثة، على الرغم من أن مشروع ربط سد وادي المخازن بسد دار خروفة، الذي تم الإعلان رسميا من طرف الحكومة على أن أشغاله قد وصلت قبل أكثر من سنة على الكارثة إلى مراحلها النهائية، كان بإمكانه أن يخفف نسبيًّا عبء تصريف المياه، التي أصبحت تُقذف إلى المحيط الأطلسي دون جدوى نتيجة سوء الأحوال الجوية.
وقد أعادت هذه الفيضانات إلى الواجهة سؤال تدبير الفائض المائي، وربطته بشكل مباشر بمشروع ظل حاضرا بقوة في الخطاب الرسمي، وغائبًا على مستوى الأثر، فالطريق السيار المائي الرابط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة هو أحد المشاريع التي تحدث عنها كثيرًا وزير التجهيز والماء نزار بركة، الذي انتخب أيضًا سنة 2021 نائبًا برلمانيًّا عن إقليم العرائش.
- لغز مشروعٍ شارف على الانتهاء
مشروع الطريق السيار المائي، الذي رُصدت له اعتمادات مالية ضخمة، وقُدم بوصفه حلًّا استراتيجيًّا مزدوجًا لتأمين الماء الشروب ودعم الفلاحة السقوية، كان من المفترض أن يشكل صمام أمان في فترات الوفرة، عبر تحويل المياه الفائضة من وادي المخازن نحو دار خروفة، غير أنَّ الواقع الميداني كشف أن المشروع، رغم بلوغه مراحل متقدمة جدا من الإنجاز، لم يكن مفعلًا في لحظة حاسمة، ما يطرح تساؤلات جدية حول مسؤولية التأخير، وحدود الحكامة في تدبير المشاريع المائية الكبرى.
ففي 30 يناير، وخلال ندوة صحافية أعقبت الاجتماع الأسبوعي لمجلس الحكومة، كشف الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أنَّ نسبة إنجاز مشروع الربط المائي بين سدي وادي المخازن ودار خروفة بلغت، إلى غاية 29 يناير 2025 نحو 96%.
وأوضح المسؤول الحكومي، أنَّ ما تبقى من الأشغال يهم أساسًا إنجاز تجارب السلامة التقنية على مستوى ما يقارب 11 كيلومترًا من القنوات، للتحقُّق من خلوها من التسربات، على أن يتم ملء القنوات مباشرة بعد انتهاء هذه الاختبارات، بل إن تقارير إعلامية وطنية ذهبت أبعد من ذلك بكثير، حين تحدَّثت عن دخول المشروع مرحلة التجريب، لكن هذا الوضع طال أكثر من اللازم، دون وجود إجابات شافية من الجهات المسؤولة، خصوصًا وزارة التجهيز والماء المكلفة بالقطاع، ووزارة الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات، المكلف بالإنجاز.
ورغم التقدُّم الكبير في الإنجاز الذي صرحت به الحكومة عبر ناطقها الرسمي، فإنَّ المعطى الأكثر إثارة للانتباه يتمثل في كون هذه النسبة المرتفعة من الإنجاز سُجلت قبل أزيد من سنة على الفيضانات التي عرفتها القصر الكبير، وهو ما يعني، عمليًّا، أن المشروع كان قريبًا جدًّا من مرحلة التشغيل، دون أن ينعكس ذلك على تدبير الفائض المائي خلال فترات الذروة المطرية.
هذا التأخر في التفعيل، مقابل خطاب رسمي يؤكد الجاهزية شبه الكاملة، يخلق فجوةً واضحةً بين منطق الإنجاز التقني ومنطق الأثر الفعلي، ويطرح سؤالًا مركزيًّا، هل يكفي بلوغ نسبة إنجاز مرتفعة للحديث عن نجاح مشروع استراتيجي، أم أن معيار النجاح الحقيقي يظلّ مرتبطا بقدرته على التدخل في اللحظة المناسبة.
- كيف ضاعت فرصة إنقاذ المدينة؟
ويُعد الطريق السيار المائي بين وادي المخازن ودار خروفة جزءًا من الشطر الثاني لعملية الربط بين منظومتي اللوكوس وطنجة، ويهدف المشروع إلى تحويل ما يناهز 100 مليون متر مكعب من المياه من سد وادي المخازن نحو سد دار خروفة، الذي يُشكّل أحد الأعمدة الأساسية لتزويد قطب طنجة الكبرى بالماء الصالح للشرب.
وتبلغ الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 820 إلى 840 مليون درهم، وفق المعطيات الرسمية، وهو استثمار ضخم يعكس الأهمية التي توليها الدولة لهذا النوع من البنيات التحتية، خاصّةً في ظل تراجع معدلات ملء السدود وطنيا خلال السنوات السبع الماضية، حيث لم تكن تتجاوز، في فترات معينة، 28%، مع تفاوت كبير بين الأحواض المائية.
ومن الناحية التقنية، يتضمَّن المشروع إنجاز محطة ضخ ذات صبيب يصل إلى 3,2 متر مكعب في الثانية، إضافة إلى قنوات الجر والربط والتفريغ والإمداد، وقد أُسند تنفيذ الأشغال إلى شركات مغربية متخصصة، تحت إشراف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، تحديدًا قطاع الفلاحة، عبر المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي باللوكوس.
هذا الأمر -في حد ذاته- يشير إلى عديدٍ من علامات الاستفهام، وربما قد يشرح جوانبَ مُهمّةً في مسار المشروع، فالمنطق يقتضي أن وزارة التجهيز والماء هي المكلفة بمشاريع الأمن المائي والربط بين السدود، لكن وبالنظر لوجود سدود ذات طابع فلاحي، ونظرًا لاستغلال مياه الطريق المائي السيار في السقي أيضًا، أوكل المشروع لوزارة الفلاحة، التي نجد أن «المياه» أيضا من بين اختصاصاتها، وهو تضارب في الهندسة الحكومية أصبحت ضريبة غالية الثمن.
وحسب ما أعلنته الحكومة، لا يقتصر دور الطريق السيار المائي على تزويد المدن بالماء الصالح للشرب، بل يشكل أيضًا رافعة أساسية لدعم الفلاحة السقوية بمدار دار خروفة، الذي يمتد على مساحة تناهز 21 ألف هكتار، ويُنتظر من هذا المشروع أن يوفر مياه الري بشكل منتظم، ما يعزز الأمن الغذائي بالجهة، ويحد من هشاشة النشاط الفلاحي أمام تقلبات المناخ.
وفي تصريح سابق يعود لسنة 2024، أكد رئيس مصلحة الهندسة بالمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي باللوكوس، مراد العلاكي، أنَّ هذا الطريق السيار المائي يُعدُّ الأول من نوعه على مستوى جهة الشمال، ويندرج في إطار مشاريع الربط بين السدود، كآلية استراتيجية لتدبير الإجهاد المائي وضمان استمرارية التزود بالماء، سواء للاستهلاك المنزلي أو للري.
وجاء هذا التوجُّه في سياق وطني مُتسم بضغط متزايد على الموارد المائية، نتيجة توالي سنوات الجفاف، والضغط الديموغرافي، وارتفاع الطلب، فضلًا عن الإفراط في الاستهلاك، وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نصيب الفرد من الموارد المائية انتقل من نحو 2560 مترًا مكعبًا سنويًّا سنة 1960 إلى ما يقارب 606 أمتار مكعبة فقط في الوقت الراهن، وهو مستوى يضع المغرب ضمن الدول التي تعاني إجهادًا مائيًّا حادًا.
- تعليمات ملكية وتنفيذ متأخر
ويندرج مشروع الربط بين وادي المخازن ودار خروفة ضمن البرنامج الوطني للتزوّد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، الذي أُطلق تنفيذًا للتوجيهات الملكية، باعتباره استجابة استباقية للتحديات المرتبطة بتدبير الموارد المائية، وهو سبب آخر من الأسباب الداعية إلى طرح علامات الاستفهام، فهذا الورش الاستراتيجي الذي أمر به الملك محمد السادس، ما زال يعاني تعثرًا كبيرًا على بعد عام واحد من الوصول لسنته الختامية.
وقد تم رفع الميزانية الإجمالية لهذا البرنامج من 115 مليار درهم إلى نحو 143 مليار درهم، بهدف ضمان التزويد المنتظم بالماء الصالح للشرب لجميع السكان، وتأمين حاجيات القطاع الفلاحي، عبر مشاريع كبرى تشمل بناء السدود، والربط بينها، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الطريق السيار المائي بوصفه جزءًا من رؤية متكاملة، لا تقتصر على معالجة العجز، بل تسعى أيضًا إلى إعادة توزيع الموارد بين مناطق الوفرة ومناطق الخصاص، غير أن هذه الرؤية تفقد جزءا من فعاليتها عندما تتأخر بعض حلقاتها عن أداء دورها في الزمن المناسب، خصوصًا في ظل غياب عنصر التواصل الذي يوضح حقيقة الأمور.
وقد أظهرت الفيضانات، التي عرفتها القصر الكبير، أن غياب استغلال الطريق السيار المائي في لحظة الذروة المطرية جعل الفائض المائي بسافلة سد وادي المخازن يتحول إلى عامل خطر، بدل أن يكون موردًا قابلًا للتحويل والاستثمار، فبدلا من توجيه كميات كبيرة من المياه نحو دار خروفة، تم تسجيل تفريغات مائية أسهمت في ارتفاع منسوب وادي اللوكوس، وما رافق ذلك من أضرار مادية ومعاناة اجتماعية.
ولا يتعلق الأمر هنا بإلغاء الطابع الفجائي للفيضانات، التي تضرب سنويًّا عديدًا من دول العالم، التي تضرر منها هذه السنة، جيران المغرب إسبانيا والبرتغال والجزائر، بقدر ما يتعلق الأمر بتقليص حدتها وآثارها عبر بنية تحتية صُممت خصيصى لهذا الغرض، فالمشاريع المائية الكبرى لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الجفاف، بل أيضًا بفعاليتها في تدبير الوفرة، وتحويلها من عبء إلى فرصة.
ورغم التصريحات الرسمية، التي تؤكد قرب تشغيل المشروع، فإنَّ غياب تواصل واضح حول أسباب تأخر التفعيل، والجدولة الزمنية الدقيقة، يطرح إشكالية الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فمشروع بهذه الكلفة، وبهذه الأهمية الاستراتيجية، يفترض أن يكون موضوع تتبع دقيق، خاصة عندما ترتبط فعاليته المباشرة بسلامة السكان واستقرار الأنشطة الاقتصادية.
كما يفرض هذا الوضع إعادة النظر في آليات تدبير المشاريع الكبرى، والانتقال من منطق الإعلان عن نسب الإنجاز، إلى منطق تقييم الأثر والاستجابة للظرفية، حيث إنَّ الفياضانات الأخيرة كشفت أن الزمن التقني لا يسير دائمًا بوتيرة الزمن الاجتماعي والبيئي نفسه، كما أكَّدت أن الكلام الذي يتم ترديده من أجل الاستهلاك الإعلامي، حتى من لدن مصادر رسمية، يختفي سريعًا في زمن الأزمات.
- سدود مشحونة وأخرى في وضعية مريحة
التساؤل حول ما إذا كان بإمكان سد دار خروفة التخفيف من كارثة القصر الكبير، يجد ما يدعمه في أرقام وزارة التجهيز والماء، ففي 10 فبراير 2026 ورغم التساقطات المطرية الغزيرة، بلغت نسبة ملء هذه المنشأة 95% فقط بحقينة بلغت 458,6 مليون متر مكعب، وهي رابع أدنى نسبة على مستوى الحوض المائي اللوكوس بعد سدود جمعة ومحمد بن عبد الكريم الخطابي و9 أبريل 1947، من أصل 13 سدًّا في المجموع، منها 7 سدود وصلت نسبة الملء فيها 100%، وأولها سد وادي المخازن بما مجموعه 672,8 مليون متر مكعب.
وفي 9 فبراير 2010، أعطى الملك محمد السادس الانطلاقة الرسمية لأشغال بناء سد دار خروفة بجماعة زعرورة، في مشروع مائي استراتيجي تبلغ سعته التخزينية 480 مليون متر مكعب، ويُعد هذا السد، وفق معطيات الوزارة الوصية، رافعة أساسية لتنمية الموارد المائية بالمنطقة، إذ مكّن من توسيع المساحات المسقية لتصل إلى نحو 21 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية، إلى جانب دوره في تعزيز تزويد جهة طنجة – تطوان – الحسيمة بالماء الشروب.
غير أن تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تأمين الموارد المائية ومواجهة الإكراهات المناخية، تطلَّبَ إطلاق مشروعين مهيكلين لربط سد دار خروفة بكل من سد التاسع أبريل وسد وادي المخازن، المشروع الأول، الذي بلغت كلفته 187 مليون درهم، يهدف إلى نقل 50 مليون متر مكعب من المياه سنويًّا من أجل دعم تزويد مدينة طنجة بالماء الصالح للشرب، أما المشروع الثاني، فقد رُصد له غلاف مالي يناهز 840 مليون درهم، ويستهدف تحويل 100 مليون متر مكعب من المياه سنويًّا لدعم النشاط الفلاحي وضمان استدامة الإمدادات المائية بالمنطقة، وهي معطيات كشفت عنها الوزارة عبر موقعها المخصص للماء في ماي من سنة 2022.
ويمتد مشروع الربط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة على مسافة تناهز 40 كيلومترًا، ويُراد منه تقوية تزويد طنجة الكبرى بالماء، إلى جانب دعم المناطق الزراعية بالمياه، في ظلّ توالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الموارد المائية، ويُصنَّف هذا الأخير بوصفه ثاني أكبر سد تابع لوكالة الحوض المائي اللوكوس، ويقع على بعد 29 كيلومترًا من مدينة العرائش و34 كيلومترا من القصر الكبير، المدينة الأكثر تضررًا من فيضانات سد وادي المخازن.
وقد دخل السد حيز الاستغلال سنة 2018، وفي ماي الماضي كانت حقينته في حدود 112 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 23% فقط من طاقته الإجمالية، وهو ينتمي إلى فئة السدود الترابية ذات النواة الطينية، ويتكون من حاجز رئيسي وحاجز للفج، ويهدف بالأساس إلى سقي مساحة فلاحية واسعة، من بينها 10 آلاف هكتار مجهزة، تستفيد من نحو 22 مليون متر مكعب من المياه سنويًّا، إضافة إلى مساهمته في نقل 50 مليون متر مكعب سنويًّا لتأمين تزويد مدينة طنجة بالماء الشروب، ما يجعله منشأة محورية في المنظومة المائية لشمال المملكة.



