إقتصاد
المناطق الصناعية في قلب طنجة.. معركة صامتة بين التوسع الحضري والنشاط الصناعي
تعد طنجة واحدة من أبرز المراكز الاقتصادية بالمغرب، إذ تحتضن المدينة عددًا مهمًّا من المناطق والوحدات الصناعية. ويدفع التوسع الحضري السريع لعاصمة البوغاز لطرح قضية وجود المناطق الصناعية داخل النسيج الحضري، مثل المنطقة الصناعية مغوغة والمنطقة الصناعية المجد.
ويثير عددٌ من سكان الأحياء المجاورة والمحيطة بهذه المناطق العديد من التساؤلات بشأن أسباب الإبقاء عليها داخل المدينة وعدم نقلها إلى أطرافها أو إلى مناطق بعيدة.
علمًا أنَّ هذه العملية ليست جديدة ببلادنا، إذ لا تتطلَّب سوى العمل الجاد والمشترك بين المتدخلين إداريًّا، اقتصاديًّا، اجتماعيًّا، لتعزيز السلامة ضمن أحياء المدينة، وضمان استدامة الإنتاج الصناعي في أحسن الظروف.
وحسب مصادر لجريدة “لاديبيش” فإنَّ “أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار وجود هذه المناطق الصناعية داخل المدينة يعود إلى البُعد التاريخي والجغرافي.
فمع تطور مدينة طنجة، خصوصًا خلال العقود الماضية، تزايد الطلب على الاستثمارات الصناعية بشكل كبير، أُنشئت هذه المناطق الصناعية في وقت كانت فيه المدينة لا تزال تنمو بوتيرة طبيعية ولم تكن قد وصلت إلى مستوى التوسع العمراني الحالي.
لكن مع مرور الوقت، توسّعت المدينة، وبدأت المناطق السكنية تقترب شيئًا فشيئًا من المناطق الصناعية، ما أدى إلى اندماج هذه الأخيرة في النسيج الحضري.”
ويُؤدّي الجانب الاقتصادي أيضًا دورًا محوريًّا في تفسير هذه الظاهرة، إذ تُعدُّ المنطقة الصناعية مغوغة والمنطقة الصناعية المجد من بين أبرز المناطق التي تسهم في تشغيل عددٍ كبيرٍ من سكان المدينة وضواحيها.
ومن شأن نقل هذه المناطق إلى مواقع بعيدة سيؤدي حتمًا إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما قد ينعكس سلبًا على تنافسية الشركات العاملة فيها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عبء نقل المصانع والبنية التحتية المرتبطة بها سيكون مكلفًا للغاية، سواء من حيث الاستثمارات المالية أو الوقت اللازم لتنفيذ مشروع من هذا الحجم.
من الناحية الاجتماعية، فإنَّ نقل المناطق الصناعية خارج المدينة قد تكون له تداعيات مباشرة على العمال الذين يعتمدون على وسائل النقل العامة للوصول إلى أماكن عملهم. وجود المناطق الصناعية داخل المدينة يسهل على العمال التنقّل إليها يوميًّا، ما يقلل من التكاليف والمجهود، خاصة بالنسبة للطبقات العاملة التي قد تجد صعوبة في تحمل أعباء إضافية.
ومن جهة أخرى، فإن وجود المناطق الصناعية داخل المدينة يخلق تحديات بيئية وتنظيمية واضحة.
التأثير السلبي في جودة الهواء، الضوضاء، والضغط على البنية التحتية الحضرية مثل الطرق والمرافق، كلها قضايا تثير قلق السكان المحليين.
ومع ذلك، يبدو أن السلطات المحلية تواجه صعوبة في اتخاذ قرارات جذرية بشأن نقل هذه المناطق.
قد يكون السبب في ذلك هو صعوبة إقرار رؤية استراتيجية متكاملة تأخذ في الاعتبار جميع الجوانب المتعلقة بتطوير المدينة واستدامتها.
وتظهر تجارب مماثلة في بلدان أخرى أن نقل المناطق الصناعية إلى أطراف المدن يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، مع ضمان توفير بنية تحتية متطورة ووسائل نقل فعالة تربط بين المناطق الجديدة ومراكز المدن، لكن في طنجة قد تكون التحديات المرتبطة بتمويل مشروعات كهذه والعوائق الإدارية عوامل تعيق تحقيق هذا الهدف.
إنَّ قضية المناطق الصناعية المحاطة بالأحياء السكنية في طنجة مثالًا حيا على الصراع بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضغوط التوسع الحضري.
وبينما تتزايد الحاجة إلى حلول مبتكرة ومتكاملة، يعكس الإبقاء على الوضع الراهن تعقد التحديات التي تواجهها المدن الكبرى في سعيها لتحقيق توازن بين البيئة، الاقتصاد، وجودة الحياة.


