القانون والناس
الشيكات بدون رصيد والقانون الجديد اي تنزيل بالواقع؟!
حددت المادة (316) من مدونة التجارة جرائم الشيك، أنه:
«يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تتراوح بين 5.000 و20.000 درهم:
- ساحب الشيك الذي أغفل الحفاظ على المؤونة أو تكوينها، قصد أداء الشيك عند تقديمه؛
- ساحب الشيك المتعرض بصفة غير صحيحة لدى المسحوب عليه.
يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة تتراوح بين 20.000 و50.000 درهم:
- من زيف أو زور شيكًا؛
- من قام عن علم بقبول تسلم شيك مزيف أو مزور أو بتظهيره أو ضمانه ضمانًا احتياطيًا؛
- من استعمل عن علم أو حاول استعمال شيك مزيف أو مزور…».
يتضح من خلال مقتضيات المادة (316) من مدونة التجارة أن المشرع قد جمع جرائم الشيك في مادة واحدة، بحيث أضحت تُجرّم سحب شيك مع إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها. كما عاقب ساحب الشيك المتعرض بصفة غير صحيحة لدى المسحوب عليه، وعاقب من زيف أو زور شيكًا أو قام عن علم بقبول تسلمه أو تظهيره أو ضمانه أو استعمل أو حاول ذلك.
ولا بأس في التطرق باختصار إلى أهم هذه الجنح للتوضيح أكثر، نظرًا لكون المشرع أفردها بإجراءات خاصة، وهي:
إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها، قصد أداء الشيك عند تقديمه:
لقد استعمل المشرع صيغة واضحة من حيث تجريمه لانعدام مؤونة الشيك المقدم للأداء، وذلك سواء سحب وأصدر شيكًا رغم عدم تكوينه أو توفره على مؤونته، أو كان يتوفر عليها بتاريخ سحب الشيك، غير أنه لم يحافظ عليها بتاريخ تقديمه للأداء.
وفي دراستها للمحاضر المتعلقة بالموضوع، ينبغي للنيابة العامة أن تحرص على اعتماد التكييف التالي: «إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند التقديم».
ولقد نص المشرع على مقتضيات خاصة بهذه الجنحة من حيث إجراءات البحث المحددة، وقيود المتابعة والمحاكمة، وتنفيذ العقوبة المحكوم بها، في ارتباط بمدى وجود الأداء أو التنازل وأداء غرامة تحدد قيمتها في 2%من مبلغ الشيك أو الخصاص.
المقتضيات الخاصة بالبحث في جنحة إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها:
رغبة من المشرع في تمكين الساحب من أداء قيمة الشيك في إطار القاعدة الشرعية {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}، فقد نص على إجراءات خاصة تسبق المتابعة، وهي ترمي إلى علم الساحب بالموضوع وتمكينه من الأداء، وألا يفاجأ بوضعيته المالية المزرية ويلقى به في السجن من دون إمهال، لا سيما إن كان حسن النية.
وفي هذا الإطار، نصت المادة (325) على أنه: «…. يجب أن يسبق المتابعة إعذار ساحب الشيك بأن يقوم بتسوية وضعيته خلال أجل ثلاثين (30) يومًا من تاريخ هذا الإعذار.
ويتم الإعذار المذكور في شكل استجوب، يقوم به أحد ضباط الشرطة القضائية، وذلك بناء على تعليمات من النيابة العامة، مع إخضاع ساحب الشيك المعني لواحد أو أكثر من تدابير المراقبة القضائية، بما فيها السوار الإلكتروني. تتعلق مستجدات جرائم الشيك بإصدار دورية تفعيلاً لمقتضيات القانون رقم (71.24) القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم (15.95) المتعلق بمدونة التجارة، الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 29 يناير 2026. وتهم هذه الدورية بالأساس المستجدات المرتبطة بجرائم الشيك،
حسب مقتضيات القانون رقم (71.24) المغير والمتمم للقانون رقم (15.95) المتعلق بمدونة التجارة، دخل حيز التنفيذ في يناير 2026. يهدف أساسًا إلى إصلاح النظام القانوني للشيكات، وإلغاء التجريم الآلي للنزاعات التجارية، مع إقرار بدائل للمتابعة القضائية والعقوبة الحبسية.
أبرز مستجدات الإصلاح تشمل:
- الإعذار بالتسوية: أوجبت النيابة العامة إعذار ساحب الشيك لتوفير المؤونة داخل أجل 30 يومًا قبل تحريك الدعوى، مع إمكانية التمديد.
- نظام الصلح الجنائي: يترتب على أداء قيمة الشيك، أو إيداعها بصندوق المحكمة، أو التنازل من طرف المشتكي، سقوط الدعوى العمومية أو إيقاف تنفيذ العقوبة.
- الحصانة العائلية: تم رفع طابع التجريم عن جنحة إصدار شيك دون مؤونة إذا وقع الفعل بين الأزواج، أو الأصول، أو الفروع من الدرجة الأولى.
- الغرامة التصالحية للشيكات على سبيل الضمان: إلغاء العقوبة الحبسية والاكتفاء بغرامة مالية (2%) من قيمة الشيك لمن يقبل شيكاً كضمان.
- بدائل الاعتقال: إمكانية إخضاع الساحب لتدابير المراقبة القضائية، بما فيها المراقبة الإلكترونية (السوار الإلكتروني)، كبديل للاعتقال الاحتياطي.
بدائل الاعتقال: إمكانية إخضاع الساحب لتدابير المراقبة القضائية، بما فيها المراقبة الإلكترونية (السوار الإلكتروني)، كبديل للاعتقال الاحتياطي.
بيد أن المادة (544) من القانون الجنائي نصَّت على معاقبة من أصدر شيكًا على ألَّا يُصرف فورًا، وأن يُحتفظ به على سبيل الضمان، رغم أنَّ أغلب الشركات تعتمد على تبادل الشيكات فيما بينها لتسهيل المعاملات التجارية.
في حين أغفلت المادة (316) من مدونة التجارة الإشارة إلى تجريم هذا الفعل «إصدار شيك على سبيل الضمان» وهذا ما طرح بجدية التساؤل عما إذا كانت المادَّة (316) من مدونة التجارة تلغي غيرها من الأحكام المتعلقة بزجر جرائم الشيك الواردة في القانون الجنائي، أم أنها تبقى خاضعة لهذا الأخير، طالما أنَّ المادة (316) لم تتعرض لها بالنص الصريح؟
وهذا الأمر يُبقي العمل به جاريًا إلى جانب مقتضيات المادَّة (316) من مدونة التجارة في كل حالة لا ينتج عنها أي تعارض بين أحكامها، وهذا ما يؤدي إلى اعتبار إصدار شيك على سبيل الضمان من قبل الساحب معاقبًا عليه وفق أحكام الفصل (544) من القانون الجنائي، ولو أن المادّة (316) من مدونة التجارة لم تعاقب على هذه الواقعة.
بينما مقتضيات المادة (316) من مدونة التجارة تحثّ على أن كل ما صار معاقبًا عليه فيها من أفعال معاقب عليه، ولو أنَّ القانون الجنائي لم يعاقب عليه، والعكس صحيح، أي إن الوقائع التي كانت معاقبًا عليها في القانون الجنائي لم تعد كذلك في المادة (316) من مدونة التجارة، فلا ينبغي العقاب عليها، على اعتبار أن الأحكام الزجرية الواردة في مدونة التجارة لزجر الشيك تشكل قانونًا لاحقًا ينبغي تقديمه في التطبيق على القانون السابق المنظم لنفس الموضوع «القانون الجنائي» ونزولًا على المبدأ القانوني المعروف المتجسد في أنَّ النص الخاص «في هذه الحالة المادة (316) من مدونة التجارة» يكون أولى عند التطبيق من النص العام، الفصلين (543) و(544) من القانون الجنائي.
في حين أن المُشرّع كان على بينة تامة مما يقرر، وفعل ذلك عن قصد ولغاية القضاء على شيك الضمان تمامًا، الذي كان العقاب في الفصل (544) من القانون الجنائي لطرفيه سببًا لانتشاره بدل كبح اللجوء إليه، أما اليوم فالمتسلم للشيك هو المعاقب وحده دون مصدره، وعليه أن يحسب ألف حساب قبل استلامه أو تظهيره للغير، مما يجنح به في الغالب إلى التخلي عن استلامه للمخاطر التي يتضمنها بالنسبة إليه وحده دون الذي سحبه لمصلحته على سبيل الضمان.
فهل سيتم إنزال مقتضيات القانون الجديد ودورية النيابة العامة، فيما يخص جميع الشيكات والعقوبات البديلة المسطرة به، أم سيظل هناك استثناء؟ وهل ستكون التسهيلات المتاحة لمصدر الشيك، من إعطائه شهرًا مهلة للأداء، وهل هذا الشهر وسيلة لهروب المشتكى به وللتملص من أداء قيمة الشيك؟!
ويبقى السؤال الأهم: لِمَ لا يتم إخبار المشتكى به بكلّ هذه الإجراءات خلال هذه المدّة، ومعرفته بمآل الشكاية التي قام بها، إذا كان في بداية الأمر يتم إخباره برقم الشكاية؟


