القانون والناس
أين الأحكام الغيابية من التنزيل الواقعي للقانون؟! -3-
فهل يمكن للمنظومة القضائية المغربية، أن تسير وفق معايير التشريع المغربي تنزيلًا للدستور والقانون من أجل أن تُحدث توازنًا دقيقًا بين سرعة الفصل وحماية الحقوق؛ لضمان نظام قضائي عادل وفعّال أم أن فصل السلط جعلت بينها جدارًا سميكًا يحدّ من التجانس والتكامل فيما بينها؟!
لا يمكن الإجابة عن هذا الطرح إن لم يتم التطرق إلى الأحكام الغيابية في المسطرة الجنائية، التي يمكن أن تنتج عنها إصدار مسطرة غيابية تسمح باعتقال المتهم، حتّى وإن كان بريئًا، فهل الأصل في المحاكمة الجنائية هو الحضور أم هناك استثناءات أخرى؟! وهل غياب المطالب بالحق المدني يُؤثّر سلبًا في المحاكمة أم أنَّ الأحكام تصدر غيابيًّا في حقه وتجب عنه المطالبة بحقّه هو الآخر؟!
إن كان الأصل في المحاكمة الجنائية، وَفْق المسطرة العادية يتلخَّص في حضور المتهم أمام غرفة الجنايات الابتدائية وإعداد الترتيبات الأوّلية للبدء في محاكمة المتهم الحاضر، مع العمل على تمكين المتهم الحاضر من إعداد دفاعه والنظر في مدى جاهزية الملف للمناقشة؛ من خلال التأكُّد من توصل دفاع الطرف المدني إن وجد ودفاع المتهم بالاستدعاء وحضورهما بالجلسة مع اشتراط أن يكون الاستدعاء مستوفيًّا كلَّ الشروط المُحدّدة بمقتضى المادة 308 من (ق م ج) والتأكُّد من هُوية المتهم ومدى مطابقتها أوراقَ الملف والاستماع إلى المتهم والشهود إن وجدوا. مما يسمح للهيئة القضائية بالسير السليم وتطبيق القانون لتجسيد العدل، الذي هو الأساس لتحقيق الأمن القضائي.
ولكن إن تمَّ الانتهاء من مرحلة البحث يشرع القضاة في مناقشة القضية بالاستماع إلى الطرف المدني -إن وجد- أو دفاعه ثم تشرع النيابة العامة في تقديم ملتمساتها؛ دفاعًا عن الحقّ والقانون، ثم تعرض مرافعة محامي المتهم الَّذِي يستعرض كل أوجه دفاعه من الناحيتين الواقعية والقانونية في حالة وجود المتهم، ليتمَّ تعقيب كل الأطراف على ما جاء في المناقشة إذا سمحت الهيئة القضائية بذلك طبعا، لأنَّ الواقع يُوضّح أنّه -في غالب الأحيان- يتم استبعاد دفوعات المحامي في غياب المتهم، حتى وإن كان القانون يخول له الترافع في غياب هذا الأخير.
وباستقراء مقتضيات الموادّ (443) إلى (454) من قانون المسطرة الجنائية، نجد أنَّ المُشرّع المغربي عالج المسطرة الغيابية، بيد أنَّ الإشكالات العملية الَّتِي تعترض إجراءات المسطرة الغيابية تبقى عديدةً أمام غرف الجنايات.
إذا كان غياب الطرف المدني أو المسؤول المدني لا تأثير له على مواصلة إجراءات المحاكمة، فإنَّ غياب المتهم عن حضور المناقشة في القضايا الجنائية يكون له تأثيرٌ كبيرٌ في المحاكمة، لما يكتسيه الفعل الجرمي المقترف من خطورة في حق المجتمع.
وأنَّه في ظل وجود الأصل الَّذِي يفترض وجود الاستثناء، جاء المُشرّع بمقتضيات تهم إمكانية محاكمة المتهم وهو في حالة فرار أو تعذّر إلقاء القبض عليه بعد الإحالة على غرفة الجنايات أو لاذ بالفرار بعد القبض عليه أو كان في حالة سراح مُؤقّت؛ نظرًا لتوفره على جميع الضمانات القانونية، ولم يستحب إلى الاستدعاء بالمثول أمام هيئة الحكم في التاريخ المحدد في الاستدعاء الذي سلم إليه، وبعد الأمر باستقدامه أو تعذر استدعاؤه حسب مرجوع الاستدعاء، الذي يفيد بعدم العثور عليه بعنوانه، فإنَّ رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه يصدر أمرًا بإجراء المسطرة الغيابية في حقّ المتهم لمحاكمته غيابيًّا.
يتبع


