مجتمع
أجواء روحانية وأوجه مختلفة في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بطنجة
لا يختلف اثنان، على أنَّ ذكرى المولد النبوي الشريف، هي مناسبة تُوحّد المسلمين في جميع بقاع البسيطة، للاحتفاء بعيد خير البرية، فهي مناسبة يحتفل بها المسلمون من مشارق الأرض إلى مغاربها، غير أنَّ احتفال المغاربة بهَذَا اليوم البهيج والعظيم، الَّذِي يمتدُّ لأشهر تختلف باختلاف طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الثقافيّ والحضاريّ، فمظاهر الحفاوة والاحتفال تبدو واضحةً داخل البيوت المغربية، تاركةً فرحةً كبيرةً في قلوب أهلها.
ذكرى مولد سيد الخلق وخير البرية، بقدر ما تختلف فيها مظاهر الاحتفال عند المغاربة، بقدر ما تتوحّد فيها قلوبهم على الخشوع، والعبادة، وذكر الله، ورسوله الكريم، وتلاوة القرآن، وإبراز معالم الدين الإسلامي الحنيف، حيث تصدح حناجرُ الآلاف من المغاربة بتلاوة الذكر الحكيم والمدح في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في جُلّ الزوايا والمساجد، إذ تختلف الأماكن ويتوحد الزمن
- اليهود والمسيحيون يحتفلون مع المسلمين بذكراهم بعروس الشمال
ففي طنجة عروسة الشمال وفارس البوغاز، تعيش أو تشهد أجواءً روحانيّةً بهيجةً، فالاحتفاء يمتد لأيّام وأسابيع، تتعدد فيها مظاهر الاحتفاء الَّتِي توحد الصغير والكبير الفقير والغني، إذ يرجع الفضل في إرساء تقليد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، إلى الأسر شمالية عريقة، أكَّدت فيما سبق على أهمية إرسائها هَذَا التقليد، قصد إبراز معالم الإسلام والمسلمين في مجتمع منفتح يستقبل ديانات متعددة أبرزها المسيحية واليهودية.
فرغم احتضان طنجة عددًا من الكنائس المسيحية، الَّتِي يحرص من خلالها عدد من المسيحيين على ممارسة دياناتهم، وتُوجد أيضًا عددٌ من الأسر اليهوديَّة بذات المدينة، فإنَّ هَذَا لا يؤثر في الجوّ العام، ألا هو الاحتفال بالعادات وتقاليد المسلمين، وعبر الاحتفال بأعيادهم، وذاك راجع إلى التعايش الحاصل بالمدينة الَّتِي تُعدُّ مهد الثقافات والحضارات بالمغرب.
وفي هَذَا الصدد، يصرح «إسحاق»، أحد اليهود المغاربة الَّذِي يحرص على قضاء جزء من وقته بمدينة طنجة، أنّه رغم اختلاف الديانات، فاليهود المغاربة يشاركون المسلمين فرحتهم ودينهم، خصوصًا أنَّ جُلَّ الديانات تشترك في عبادة الخالق.
ويضيف إسحاق في تصريح خص به «لاديبيش»، أنَّ طنجة بعاداتها وثقافتها، تفرض على كل الديانات الاحترام، فهي مدينة التسامح والتعايش، مدينة استطاعت أن تُوفّر السلم والسلام لكلّ المتدينين رغم اختلاف دياناتهم، وهو أمر رفيع وجميل، لهَذِهِ أعياد المسلمين أعيادنا وأعيادنا أعيادهم، وهو أمر لن يتغير ما دام هناك وعي تام وكبير بهذا الأمر.
ويضيف المتحدث ذاته، نحن أيضًا نحتفي بمناسباتنا الدينيَّة ونحظى باحترام كبير من طرف المغاربة والطنجاويين، إذ يشاركنا المسلمون فرحتنا وعيدنا، ويتبين ذلك من خلال برقيات التهنئة والتبريكات، أو من خلال التغطيات الإعلامية الكبيرة الَّتِي نحظى بها.
وإذا كان اليهود يفرحون مع فرح المسلمين بذكر مولد النبوي الشريف، فإنَّ المسيحيين المقيمين بطنجة العالية، بدورهم يكنون نفس الاحترام والتقدير للمسلمين، بل يتعايشون بشكلٍ سلسٍ مع ساكنة مدينة طنجة وأهالها، دون حرج أو أدنى مشكل.
تريزا، مواطنة إسبانية اختارت العيش بمدينة طنجة لعقود متعدّدة، لدرجة أنَّها أصبحت تتحدّث باللغة العربية، بل تتقن اللهجة أو اللكنة الطنجاوية، تُؤكّد في تصريح خصت بها جريدة «لاديبيش»، رغم أنّني مسيحية وأفتخر بديانتي الَّتِي أحرص على ممارستها بشكل دائم ومستمر، فإنّني أفرح لفرح المسلمين، بل أحتفل معهم في احتفالاتهم الجميلة.
وتضيف ذات المتحدثة، أنَّ ساكنة طنجة متصوّفةً ومتدينةً وتبدع في الاحتفالات الدينية سواء تعلق الأمر بأعياد عيد الفطر وعيد الأضحى أو بمناسبة 26 من رمضان، أو برأس السنة الهجرية، غير أنَّ الاحتفال بمولد النبي محمد، يكون له طعم خاص، حيث تتزين شوارع مدينة طنجة بالاحتفالات الجميلة لأهالها.
وهَذَا إن دلّ فإنَّما يدل على تعايش وتسامح لساكنة المدينة، الَّتِي تكرس الهوية الحضارية والثقافية لمدينة ضاربة في القدم والتاريخ، كيف لا وهي المدينة الَّتِي احتضنت جُلّ الحضارات الغابرة والقديمة من بينها الحضارة الإغريقية والفنيقية والرومانية وغيرها، وأيضًا هي بوابة أوروبا نحو إفريقيا.
- أجواء روحانية وأوجه الاحتفال المختلفة
فطريقة الاحتفال عند الأسر بمدينة طنجة، مغايرة بعض الشيء عن باقي المدن الأخرى، فالاحتفاء بها يمتدُّ لأسابيع، فمائدة إفطار هَذِهِ المناسبة، يقول الشريف البقالي، أحد سكان «عروس الشمال»، أنها لا تختلف كثيرًا عن موائد الأعياد الدينية الأخرى، غير أنَّ المميز بها هو وجود «السفنج» و«البغرير»، إضافة للحلويات المغربية «غريبة» و«الفقاص».
فأهل طنجة، حسب البقالي، يهتمون أكثر بعشاء ليلة التبشير، الَّذِي يعدون له طبقًا خاصًا، مكونًا من الديك «البلدي» بالفواكه الجافة، وبعض المقبلات المغربية المشهورة، أو إعداد أكلة «الرفيسة»، وهناك من يعد الكسكس، إلا أن المميز في تلك الليلة هو اجتماع أهل الحي بالزغاريد و«الطعاريج»، إذ تنطلق الاحتفالات إما بالزوايا الموجودة بالمدينة أو ببعض المساجد، وهناك من يحيي هَذِهِ الليلة البهيجة والغالية على المسلمين بمنازلهم.
من جهته، يؤكد أحد منتسبي الزاوية التيجانية، أنَّ بعد انتهاء ليلة التبشير، يقصد الطنجاويون صباح ذكرى المولد النبوي الشريف، مقابر موتاهم للترحم عليهم وتلاوة القران والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.
ويضيف محمد التيجاني، أنَّ مقابر المسلمين تكون مكتظةً بأهالي الموتى في جوٍّ مليء بالتدين والخشوع والترحم، راجين من الله تعالى أن يرحم موتاهم، حيث تُعدُّ هَذِهِ الذكرى مناسبةً لتوجّه الساكنة نحو المقابر لربط صلة الرحمة والترحم بين الأحياء والموتى.
ويضيف المتحدث ذاته، أنّه بعد ظهر ذات اليوم أي يوم الذكرى العظيمة المرتبطة بمولد خير البرية، تجتمع العائلات في منزل الأسرة حول الأب أو الأم أو الجدة من أجل الغداء والاحتفاء بهَذَا اليوم بشكل جماعي، إذ تُعدُّ مناسبة لصلة الرحم ومناسبة لمدح الرسول عليه السلام.
- عشية الذكرى بطنجة والضواحي
تهم احتفالات بمناسبة عيد المولد النبوي، مختلف أرجاء مدينة طنجة، حيث تشهد العديد من شوارع الأحياء، خروج مواكب شعبية، كما تكتظ المساجد والزوايا بمشاركين في حلقات للذكر، تُنظّم بهَذِهِ المناسبة.
خلال أمس الأول/ الخميس، وهو يوم ذكرى مولد النبي محمد عليه أزكى السلام، وخرج الآلاف من سكان الأحياء الشعبية، بعد صلاة العشاء، في مواكب احتفالية يتقدمها الأطفال، حاملين الشموع والورود، وهم يرددون أناشيد ومدائح من التراث الشعبي المغربي تتغنى بمولد النبي محمد، وسط زغاريد النسوة والفتيات.
ففي حي مرشان وبالمدينة القديمة العتيقة؛ كما غيره من أحياء طنجة؛ تعالت أصداء الاحتفالات وبرزت مشاهد المواكب الَّتِي نظمتها الأهالي بإمكانياتهم الذاتية وفق العادات والتقاليد الَّتِي تضرب جذورها في عمق تاريخ «عروس الشمال».
إذ لم تقتصر الاحتفالات في الشارع العمومي فقط، إذ امتلأت العديد من المساجد والزوايا المعروفة في المدينة، بأعدادٍ كبيرةٍ من المواطنين مرتدين أزياء تقليدية مغربية، تجمعوا في حلقات للذكر والمديح، نظّمها ثلةٌ من الشيوخ والمنشدين والمادحين.
وتُعدّ طنجة، في طليعة المدن المغربية، الَّتِي تأخذ فيها احتفالات المولد النبوي هَذِهِ الأبعاد المختلفة الحافلة بالروحانية، حيث تبدأ مع مستهل شهر ربيع الأول، وتمتد لبضعة أيام بعد ذكرى المولد النبوي (12 ربيع الأول)، حيث يلبس الأطفال والرجال والنساء أبهى ما يمتلكون من الملابس أو الزي المغربي التقليدي، إذ ترتفع نسبة بيع الملابس التقليدية خلال هَذِهِ المناسبة بمدينة طنجة.
وتحرس عدد من الزوايا ومن الطرق التعبدية على تنظيم ما يُسمّى بالعمارة، وهي طريقة تجمع «العيساوة والكناوى والحماشة» وغيرهم من الاحتفاء بشوارع المدينة بذكرى الرسول، وأمام بعض المساجد والزوايا، كما يؤكد عبد الرحمان العروسي المنتسب للزاوية الريسونية.
طقوس وعادات وتقاليد قد تختلف في ذات الإقليم وبين المدن والقرى، حيث تقول شيماء فاطمة المرابط، واحدة من إحدى القرى المجاورة لطنجة والتابعة لنفوذها الترابية، أن ما يُميّز ليلة ذكرى سيد الخلق، هو جمع سكان الدواوير مبالغ مالية لشراء الخضر والفواكه، واجتماعهم بمطبخ إحدى المساجد، لطهي أحد الأطباق المشهورة بالمنطقة، وهو «الديك البلدي بالخضر»، وإحيائهم هَذِهِ الذكرى بتلاوة القرآن والذكر الحكيم.
أما سكان مدينة أصيلة، فيقول ياسين بن فارس، أنَّ ما يميز إحياء هَذِهِ الذكرى، هو اجتماع العائلة صباحا على مائدة الإفطار، الَّتِي تحتوي على أشهر المأكولات المغربية (البغرير، المسمن، الحرشة، لقراشل..) وغيرها، مؤكدًا أن هَذِهِ المناسبة تشبه كثيرًا عيد الفطر.
- العمارة طريقة لاحتفاء بخير البرية
وبحلول ذكرى المولد النبوي، عادة ما تشهد الأضرحة والزوايا نشاطًا دينيًّا ملحوظًا ومتميزًا، إذ ما زال العديد من المغاربة متمسكين بالرقص في الحضرة تمسكًا كبيرًا، إضافة إلى كون أهل سلا ينطلقون بموكب من الشموع، فأصيلة مشهورة بإحياء العمارة، الَّتِي تجوب أهم أماكن أصيلة التابعة لإقليم طنجة.
وبخصوص التقاليد المتعلقة بإحياء هَذَا اليوم المبارك، يرى حميد ابن سلا المقيم لعقود بمدينة أصيلة، أنَّ طقوس الاحتفال بالمدينة تختلف من منزل لآخر، ومن أسرة لأخرى، غير أنَّ القاسم المشترك هو إحياء صلة الرحم، وزيارة الأهل والأقارب. أما بخصوص مائدة الغذاء، فيحرص أهل المدينة على إعداد طبق الكسكس أو الرفيسة، مشيرًا أن إلى كون العائلات المغربية بعد كورونا، أصبحت لا تجتمع إلا في مثل هَذِهِ المناسبات الدينية العظيمة.
إن ساكنة إقليم طنجة أصيلة أصبحت متشبثةً بتقاليد أسلافهم الميامين، فتنطلق الاحتفالات بالمدينة العتيقة، في موكب من الشموع المختلفة ألوانها والمباخر، ليتبع الموكب الأطبال والأجواق والمعازف.
وتُعدُّ الطريقة التجانية والقادرية والكتانية من أبرز الطرق الَّتِي تحتفي بهَذِهِ المناسبة البهيجة، كما أن أتباع ضريح بوعراقية يحرصون كل السنة للاحتفاء بالذكرى داخل الضريح وخارجه، من خلال تنظيم موكب شعبي يمرّ بأهم وأبرز شوارع المدينة.
إنَّ هَذِهِ التظاهرة تبلغ من العمر عقودًا خلت، ما زال أهل المغرب يبادرون على إحيائها كل سنة، باحتفالاتهم العريقة، حتّى أصبحت مكونًا من مكونات الذاكرة الثقافية، إذ تتوج الاحتفالات في العادة؛ في اليوم السابع من الذكرى على موعد مع موكب الهدايا.
فرغم كل الظروف العصيبة الَّتِي يعيشها المغاربة، ورغم المشاكل الاجتماعية وغلاء المعيشة ببلادنا، فإنَّ هَذَا لا يغير تعلق المغاربة بدينهم ولا يغير من احتفالهم بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم.


